الضرورة العمياء

تطلب منك البائعة في هذا الزمن بلطف، أن تقبل بالاكتفاء بشراء علبتي حليب بدل ثلاث علب، كي تترك لغيرك ممن يحتاجها، لم يجبرها قانون أو سلطة جائرة. إنما هو الوعي.
الجمعة 2020/04/10
للمشاركة في حماية العالم

يا له من درس جماعي على مستوى العالم. البشر يجلسون في صفّه على كراسيهم، بالمليارات، ويقرؤون ما يُكتب على سبوراته ويصغون إلى ما يقوله لهم التاريخ والطبيعة، درس في الضرورات، وفي الوعي والمعرفة والإدراك للمحيط، بعد أن استيقظ البشر وإذا بالمحيط هو الأرض كلها، لا المسافات القريبة ولا الملكية الخاصة ولا حتى الوطن. إنه العالم.

غير أن الضرورة التي نراقب تشكّلها، جميعا اليوم، دون أن نختلف على أشكالها ودون حتى أن نوجه أصابع الاتهام إلى بعضنا البعض ونحن نعلي من شأن هذه الصورة من صورها أو تلك، إنما تقودنا إلى الفكرة الأصلية ”الضرورة عمياء حتى تدرك وعيَها، والحرية هي وعي الضرورة“ الفكرة التي ما زالت تفعل فعلها وتبرهن ذاتها علميا جيلا بعد جيل.

قرأت وسمعت في الأسابيع الماضية، نداءات عكسية، منها ما مضمونه أن جسدي ملكي، وأني حرٌ بتعريضه للخطر أو غير الخطر، وحرٌ بالتنقل وحرٌ بالخروج من البيت وحرٌ بأخذ الحيطة من عدمه. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالبعض يرفض حتى فكرة التضامن الاجتماعي والاقتصادي، ويزعم أن حريته في ماله تخوله من التصرف به مثلما يشاء، وليس مضطرا إلى التفكير بالآخرين سواء كانت الأجواء أجواء وباء أو لم تكن.

وقد يكون كثير مما قيل صحيحا، على مسطرة الحضارة الغربية، غير أن الأخيرة ذاتها انقلبت على قيمها وباتت تطرح التقييد والحظر بدلا من الإطلاق والفسح.

تطلب منك البائعة في هذا الزمن بلطف، أن تقبل بالاكتفاء بشراء علبتي حليب بدل ثلاث علب، كي تترك لغيرك ممن يحتاجها، لم يجبرها قانون أو سلطة جائرة. إنما هو الوعي. يتباعد الناس عن بعضهم البعض كي لا ينقلوا العدوى ويؤذوا الآخرين، لم يرغمهم أحد، هو الوعي. وترى من يتجاهل كل التحذيرات ويقيم الأعراس ويختلط بالناس ويعيش وكأن شيئا لم يحدث مع مطالع العام 2020. وهو انعدام الوعي وفقدان الحس بالمسؤولية تجاه الآخر والذات.

وعي جديد يتشكل إذا، ولعل أبلغ ما يعبر عنه أبيات عتيقة للشريف المرتضى رسم فيها حدود الوعي والحرية والعلاقة مع الآخر حين قال ”كُلُّ الرّجالِ إِذا لم يخشعوا طمعاً، ولم تكدّرهمُ الآمالُ أحرارُ، ما سرّنِي أنّني أحوِي الغِنى وبدا، في كفّ جارِيَ إعسارٌ وإقتارُ، إنّ الذين أقاموا قبلنا زمناً، مُحكّمين على أيّامهمْ ساروا، خَلت منازلُهمْ منهمْ وشرّدهمْ، دهرٌ خؤونٌ لمن يؤذيه غدّارُ“.

وفي هذا الدهر الخؤون لن ينجو إلا الذين يفتحون عيني الضرورة بالمعرفة، بعد إغماض طويل.

24