"الضرّة" لم تعد مُرّة في أحيان كثيرة

الأحد 2014/04/20
يؤدي الزواج بأخرى إلى نتائج سلبية على الزوجة الأولى

القاهرة - الدراما العربية تعكس دائما صورة الخلاف بين الزوجة الأولى وضرتها، والعداء بينهما على أنه حرب لا هوادة فيها، بسبب قيام الثانية بخطف شريك العمر والأحلام من أم الأولاد وعشرة العمر، وتطير بزوجها وتجعل قلبه جاحداعلى أسرته.

الدراما أيضا بالغت في الصداقة القوية التي تنشأ بين الزوجة وضرتها، ليس هذا فحسب بل نجد بعض الزوجات يقمن باختيار الزوجة الثانية أو بمعنى أصح “ضرتها” لزوجها، وأحيانا نجد مصادقة الزوجة الأولى لعروس زوجها الجديدة وتصبحان كالأخوات، والأغرب عندما تعلم أن هناك زوجة تطلب من زوجها الزواج بأخرى وأن تعيش معها في نفس الشقة، نظرا لأنها تشعر بالوحدة من جراء سفره الكثير، وبهذا لم تعد الضُرة مُرّة بل صديقة.

يقول الدكتور أحمد عبدالله استشاري الطب النفسي: لقد تغير الحال وتبدلت المفاهيم في عصر تشيع فيه المادية، وسيطرت على أحواله مفاهيم الغرب وعاداته وتقاليده، فبعد قصص انتحار الزوجات لمعرفتهن بزواج شريك عمرهن من أخرى، بدأنا نسمع عن “الضرة” الصديقة، يذهبن إلى السوق سوياً، ويحكين أسرارهن لبعضهن، بل وتعتبر الزوجة الأولى ضرتها أعز صديقاتها.

ويضيف الدكتور أحمد: إن شعور الغيرة موجود داخل كل منهن، ولكنها تختلف من سيدة لأخرى بحسب التنشئة الاجتماعية والظروف الشخصية والسن. وهناك حالات فردية، لكنها لا تشكل قاعدة عامة وهي المرأة الغيورة الذكية، التي تحاول التكيف مع الوضع طالما أنها اقتنعت بأنها أمام أمر واقع، وهنا يسيطر المنطق على تصرفاتها، ويغلب العقل على سلوكها، مما يشعر الزوجة الثانية بالاعتزاز النفسي، وتعتقد أنها العاقلة التي داست على قلبها من أجل سعادة زوجها، ومن هذا المنطلق تبدأ صداقتها مع ضرتها، بعد اقتناعها بواقع لا يمكن تغييره.

والأمر لا يختلف كثيرا عن زواج الرجل من أخرى ثرية، وهنا يكون العامل المادي هو المسيطر والمخرج الوحيد من ضنك العيش والمشاعر.. وهنا يقوم الزوج بإقناع زوجته الأولى بأن ضرتها عبارة عن عقد عمل أو ورقة يا نصيب رابحة، ولكن العمر والولاء للزوجة الأولى ولأولادها، وهناك نموذج آخر تشفق فيه الزوجة الأولى على ضرتها، عندما تعلم بأن الضرة تريد الهروب من لقب عانس.

ويؤكد الدكتور عبدالله أن السبب المادي هو العامل الأول وراء سعي الرجل إلى الزواج من أخرى، ويأتي من بعده الإنجاب، والمتعة تكون في المرتبة الثالثة، رافعا فيها الرجل شعار “امرأة واحدة لا تكفي”، وهنا يكون الزواج لخوفه من الوقوع في الخطيئة، أو لمجرد كيد الزوجة الأولى، ومن وجهة نظره فإن الخاسر هو الزوج، خاصة إذا حدثت صداقة جادة بين “الضُرتين”.

وعلى الجانب الآخر فأحيانا يؤدي الزواج بأخرى إلى نتائج سلبية على الزوجة الأولى مثل الانهيار العصبي والعزلة والإحساس بالمهانة.

ويضيف الدكتور عبدالرحمن النقيب أستاذ أصول التربية جامعة المنصورة: إن الزواج الثاني ليس عيبا بل جائز شرعا للرجل كما في قوله تعالى “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة”.

وأحكام التعدد محكومة بشروط معينة، ووفق مقتنيات تؤثر على المرأة، وله إيجابياته التي تكون في صالح الزوجة الأولى، مثل الاستقرار والإشباع العاطفي والمادي أيضا، وكم من أزواج يخونون زوجاتهم في السر والعلن، وهو الأمر الذي يؤثر على سلوك الزوجة النفسي لكنها تستسلم لقدرها، هذا خلاف العادات الشرقية التي تحتم على الزوجة أن تقبل زوجها بكافة عيوبه، حتى ولو كان مختلا عقليا، بعكس الرجل الذي يرخص له الشّرع الزواج بأخرى.

فالزوجة تخاف من أن تكون عالة على أسرتها، فتفكر ألف مرة قبل أخذ قرار الانفصال أو التمرد على الزوجة الثانية، لذا فهي تحاول أن ترضي زوجها عن طريق التقرب لضرتها، هذا التصرف ليس حبا لهذه الضرة، ولكن لتحسين الصورة أمام الزوج حتى يعلم أنها زوجة ترى في راحته قرة عينها، حتى لو كانت هذه الراحة على حساب حياتها، وزواج الرجل من أخرى له العديد من الأسباب المعروفة، ومن أغرب الحالات التي قابلتها وأثارت فضولي، فتاة تحب صديقتها لدرجة شديدة لأنها وحيدة وليس لها أقارب، وظلت تلحّ على زوجها حتى يتزوج من هذه الصديقة، لترتبط معها إلى الأبد في رباط مشترك وهو الزوج.

السبب المادي هو العامل الأول وراء سعي الرجل إلى الزواج من أخرى ويأتي من بعده الإنجاب والمتعة تكون في المرتبة الثالثة

ويضيف الدكتور النقيب: أحيانا تكون الزوجة الثانية أفضل من الأولى، لأنها عادة ما تكون أصغر سنا أو أجمل، وقد شاهدت في حياتي حالات زواج لمجرد حاجة الرجل إلى امرأة أنيقة تواكب العصر وتصنع “النيولوك”، عكس أم الأولاد التقليدية، وكل هذه التصرفات تعود في بادئ الأمر إلى أصول التربية في الصغر، سواء للزوج أو الزوجة، فإذا نشأ الرجل في أسرة ثرية تعوّد داخلها على امتلاك كل ما يريد نجد أن إقباله على الزواج بأخرى يكون من هذا المنطلق وهو حب الامتلاك، دون الاهتمام بالظلم الواقع على الزوجة الأولى وشعورها بالغيرة والحقد، ولكن الاهتمام بكل ما يسعده فقط، لأنه يشعر بذاته في “الأنا الأعلى” وغالبا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تأتي الزوجة الثانية لتكون سبب تعاسة الزوج، لأن المادة تكون هدفها الأول، وبالتالي فقد لا تصون سره أو حتى شرفه، وهذا ما يحدث في الكثير من الحالات، ونفس الحال حينما تخطط الزوجة الأولى مع الزوج لكي يتزوج من أخرى ثرية، لأن العامل المادي يطغى على المشاعر والتقاليد ليصبحا نادمين بعد فوات الأوان.

ويؤكد الدكتور شعبان حسين أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر أن الأوضاع تغيرت، فبعدما أصبح بإمكان المرأة شراء الرجل طالما توفر لديها المال الذي يغريه، وبالرغم من أن الدين الإسلامي أعطى الرجل الحق في تعدد الزوجات، إلا أنه لم يعفه من الالتزام بالأخلاقيات والعدل، بالبحث عمن تربت يداه، لدينها وليس لمالها، وفي هذه الحالات التي تتفق فيها الزوجة الأولى مع الزوج للبحث عن عروس ثرية، تكون أولى خطوات فشل هذه الزيجة، لأن الزوجة هنا تجرم في حق نفسها وزوجها، لأنها تريد الوصول إلى الغاية التي ستحقق من خلالها مصلحتها المادية، وفي هذه الحالة سوف تشعر الزوجة الثانية أيضاً بأن زوجها يطمع في أموالها، وبذلك تشترط أن تكون العصمة في يدها، ومن خلال هذا الأمر يصبح نادماً على التفكير في المنفعة المادية على حساب المشاعر والأسرة.

ليس هذا فحسب، بل سيكون لها القدرة والسلطة والأمر على الزوج ودفعه إلى تطليق زوجته الأولى وتشريد أبنائه ويصبح “زوج الست”، ومن هنا تهرب المودة، ويصبح الزوج ضعيف الشخصية لا حول له ولا قوة.

وفي كثير من الأحيان تعتقد الزوجة الأولى أن صداقتها للضرة ستحل المشكلة، ولكن العكس هو الصحيح، وهناك حالات نادرة تكون صداقة الزوجة الأولى للثانية صداقة حقيقية بالفعل، أن تشعر الزوجة بأن زوجها شيء والصداقة شيء آخر، بل قد تتوطد العلاقة بينهما حتى تصل لحد السخرية من أنفسهما وإطلاق الضحكات والنكات على حياتهن، وتستمر سفينة الحياة حتى يتعودن، وأعتقد أنه ليس أمراً غريباً على مجتمعنا، خاصة وأن المرأة الشرقية تستسلم لضررها وتحاول الرضا به. وغير ذلك، فإن حالات الطلاق أيضاً ليست عيباً، فإن لها الحق في الانفصال إذا علمت بزواج حبيب عمرها من أخرى.

21