الضغط الشعبي المفقود في الجزائر

الخميس 2017/08/03

تميز محتوى التقرير المكرس للجزائر والصادر مؤخرا عن مجلس الشيوخ الفرنسي برصد عدة مسائل ذات الصلة بتعقيدات الوضع الراهن الذي تمر به الجزائر وبمستقبل البلاد على المستوى السياسي داخليا ودوليا، وفضلا عن ذلك فقد ناقش العراقيل التي حالت دون تحقيق الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة من طرف الشعب الجزائري، وكذا موقف النظام الحاكم الرافض للربيع العربي كأسلوب عنيف لممارسة المعارضة السياسية.

مجلس الشيوخ الفرنسي أكد في تقريره أن هناك إمكانية لترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للعهدة الرئاسية الخامسة التي يمكن أن تضمن له الاستمرار في حكم البلاد لمدة ست سنوات أخرى بعد انتهاء العهدة الرابعة في عام 2019.

إلى جانب هذه المسائل فإن التقرير سلط الضوء على قضية حساسة وخلافية، وتطرف في حكم القيمة الذي أصدره ونفى من خلاله وجود ضغط شعبي على النظام الجزائري منذ وصول عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم في الجزائر. ويلاحظ هنا أن تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي قد أولى القضية الأخيرة اهتماما استثنائيا حيث رأى معدوه أن انعدام الضغط الشعبي على النظام الجزائري، في صورة انتفاضات شعبية عارمة مثل التي شهدتها بعض الدول العربية، يعود بالدرجة الأولى إلى تمتع بوتفليقة بالشرعية وإلى إنجازه الأساسي المتمثل في المصالحة الوطنية وفي وقف إراقة الدماء وكذا نفخ بعض الحياة مجددا في هياكل الدولة الجزائرية التي كادت تنهار في العشرية الدموية.

لا شك أن إعادة مجلس الشيوخ الفرنسي لما يدعوه بانعدام الضغط الشعبي، في مرحلة حكم الرئيس بوتفليقة على مدى 18 سنة، إلى السبب الواحد آنفا أمر يحتاج فعلا إلى تحليل نقدي يأخذ بعين الاعتبار الأسباب الحقيقية التي أفرزت هذه الظاهرة السلبية في المجتمع الجزائري.

من المستغرب أن يقصي التقرير الفرنسي عوامل محورية لها دور سلبي في المجتمع الجزائري وهي العوامل التي أفرَغت الحياة السياسية الجزائرية من مضمونها، وشوهت التعددية الحزبية، وخلقت فراغا سياسيا تلاشت فيه المعارضة الشعبية الضاغطة والمنظمة والمؤسسة على رؤى واضحة وأهداف استراتيجية.

ينبغي التذكير بأن النظام الجزائري قد نفَذ بطرق مختلفة سلسلة من الممارسات التي تم بمقتضاها تكريس مناخ التشظي في الحياة السياسية بشكل عام، وتفكيك بعض أحزاب المعارضة بواسطة التسلل إلى أعماقها وتغذية الانشقاقات داخل بنياتها التنظيمية والعقائدية، فضلا عن استقطاب بعض رموزها إلى صفوف النظام الحاكم بواسطة الاستوزار حينا، والتشجيع بشكل مضمر على إنشاء أحزاب منفصلة عن الأحزاب الأصلية حينا آخر.

ويلاحظ أن هذه الممارسات التي قام بها النظام الجزائري لعبت أدوارا مفصلية في نزع المصداقية عن الكثير من أحزاب المعارضة وعن عدد من الشخصيات الوطنية التي كانت تعتبر بمثابة أمل للحياة السياسية الوطنية الناضجة والمتحضرة. هذه العوامل مجتمعة جعلت المواطنين الجزائريين يفقدون الثقة في السياسة كإدارة علمية وكهندسة جمالية لشؤون الدولة، وفي السياسيين سواء كانوا من الموالاة أو من المعارضة، وأكثر من ذلك فقد شكل هذا كله ضربة موجعة للعمل السياسي برمته بشكل لم يسبق له مثيل في الجزائر المعاصرة، وأعاد مجددا وبشكل منهجي ظاهرة الحكم الفردي الذي يعيد الآن إنتاج الذهنية الإقطاعية داخل البنية السياسية وأدواتها الإدارية التنفيذية والإعلامية.

هناك أيضا عوامل أخرى أثرت سلبيا على نفسية المواطنين وأبعدتهم عن ممارسة الفاعلية السياسية، منها تعطيل بروز المجتمع المدني ومؤسساته الثقافية والاجتماعية والفكرية والمهنية المستقلة عن أجهزة النظام الحاكم ماديا وتنظيميا وممارسة ميدانية، ولا شك أيضا أن تنفيذ النظام الجزائري لسياسات احتواء أو ضمَ أهم وأكبر الجمعيات والاتحادات المهنية والثقافية والفنية وغيرها مثل اتحاد العمال الجزائريين واتحاد الكتاب الجزائريين واتحاد النساء الجزائريات، قد ساهم في إجهاض أي محاولة لتشكيل نواة صلبة لما يدعى في الأدبيات السياسية بمؤسسات الضغط الشعبي.

في هذا السياق تنبغي الإشارة إلى عامل آخر نتجت عنه ظاهرة القضاء على أي محاولة تسعى لتكوين كتلة ضاغطة ضمن الفضاء السياسي الجزائري، ويتمثل في شراء السلم الاجتماعي بالأموال وخاصة بين أوساط الشباب الذين قدمت لهم قروض هائلة لم تسفر عن تنمية اقتصادية أو عن تحول ثقافي واجتماعي لديهم.

كاتب جزائري

8