الضغوط الأميركية تخيم على مؤتمر الحركة الإسلامية في السودان

الرئيس السوداني حسن البشير بين إرضاء واشنطن والحفاظ على الحاضنة الشعبية.
السبت 2018/11/17
اللعب على المتغيرات دون المس بالمرجعيات

القاهرة - يمثل المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية في السودان، الذي انطلقت أشغاله الخميس، علامة كاشفة للكثير من توجهات النظام الحاكم في الخرطوم، ففيه شدد أمينه العام الزبير أحمد الحسن، على عدم وجود علاقة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأعاد التذكير بأن حزب “المؤتمر الوطني” هو الذراع السياسية للحركة الإسلامية.

وجاء المؤتمر، الذي حضره الرئيس عمر حسن البشير ونائبه الأول بكري حسن صالح، ونحو 16 من ممثلي الحركات الإسلامية في العالم، في توقيت بالغ الحساسية، لجهة انطلاق المرحلة الثانية من الحوار بين الولايات المتحدة والسودان الذي يأمل هذا الأخير في أن تفضي إلى شطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويعد حضور البشير مؤتمر الحركة الإسلامية، وقبله احتفالات قوات “الدفاع الشعبي”، رسالة لطمأنة الحركة وأنصارها كما القوات غير النظامية التي شكلها في صراعه مع المعارضة المسلحة، بأنه ليس بصدد التنازل والقبول بالشروط الأميركية التي تم التعبير عنها في خطة أطلقت عليها “المسارات الخمس+1” ومن ضمنها إنهاء النظام السوداني لكل شبهات دعم للإرهاب.

وكان البشير قد وجه خلال احتفال بذكرى إنشاء قوات الدفاع الشعبي انتقادات لاذعة للولايات المتحدة الذي اعتبر أن الرهان عليها “بلا طائل” وأنه مستمر في التمسك بمرجعيته الإسلامية وبدعم قوات الدفاع الشعبي التي شكلها.

ورأى مراقبون في تصريحات البشير ردّة فعل غاضبة على الشروط الجديدة التي فرضتها الإدارة الأميركية، مع انطلاق إشارة المرحلة الثانية من المفاوضات بينهما.

إعادة تأهيل النظام السوداني، ليكون عنصر استقرار في المنطقة، تقتضي مشاركته في حل الأزمات، واستيعابه سياسيا

وخلال المؤتمر أكد الكثير من قيادات الحركة الإسلامية على عمق العلاقة بين حزب “المؤتمر الوطني” والحركة، وانتهاز الفرصة لمحو الآثار السلبية التي خلفتها تغييرات كبيرة قام بها الرئيس السوداني، في الجيش والشرطة وجهاز الاستخبارات وبعض الوزارات المهمة، وإعادة هيكلة الحزب الحاكم نفسه لإبعاد بعض الشخصيات الموالية للشق الإسلامي الراديكالي.

وهدفت التحركات السابقة إلى الإيحاء بفك الارتباط بين الحزب والحركة، وتوصيل رسائل إلى جهات إقليمية ودولية، تشير إلى خروج النظام السوداني من العباءة الإسلامية، وطي الصفحة الماضية، التي كانت فيها الخرطوم مقرا لجماعات إسلامية من بلدان عدة.

وتبدو هذه المحاولة قد انطلت على البعض، أو حاولوا استيعابها لفتح نافذة أمل خارجية للسودان، لأن التحولات في الخطاب السياسي جاءت متتابعة في اتجاه رغبة عارمة في إعادة التواصل مع محيطه الإقليمي.

ونجحت الخرطوم في تطوير علاقاتها مع مصر ودول أخرى، وحظيت بإشادات عبّدت الطريق للمزيد من تطبيع العلاقات، وفتح أفق واعدة للتنمية، ومثلت عملية رفع عقوبات اقتصادية فرضتها واشنطن على السودان، خطوة مهمة للمزيد من التطور مستقبلا، جعلت الرئيس البشير يطمح إلى تجاوز وصمة الإرهاب تماما، لأنها تمثل عقبة كبيرة أمام الاستثمار وتلقي المساعدات.

وأرسلت الخرطوم وفودا إلى واشنطن للبناء السياسي على خطوة اقتصادية، وآخرها زيارة قام بها وزير الخارجية الدرديري محمد أحمد، الشهر الماضي، لم تحرز على التقدم المنشود، وانتهت إلى وضع الولايات المتحدة لائحة شروط جديدة لرفعه من القائمة السوداء.

ويعمد السودان إلى توصيل رسائل في اتجاهات مختلفة، بغرض مسك العصا من المنتصف، فبعد يومين فقط من تصريحات للبشير رفض فيها بشكل غير مباشر الشروط الأميركية الجديدة، أكد أمين عام الحركة الإسلامية، خلال المؤتمر التاسع، “معارضته لوجود تنظيم عالمي إسلامي، لأن له مخاطر ويخضع للمظنة والاتهامات”.

ويفسر البعض من المراقبين هذه الإشارة، بأنها تعكس رغبة حزب المؤتمر الوطني، المعروف بأنه الجناح السياسي للحركة، الحفاظ على مكاسبه الإقليمية التي تحققت خلال الأشهر الماضية، وكان أحد دوافعها إظهار السودان فك ارتباطه السياسي مع قيادات تنظيم الإخوان المسلمين، وقطع شوط تعاوني في مجال مكافحة الإرهاب.

ويقول هؤلاء إن الخرطوم خشيت أن يؤثر الزخم السياسي الذي يحظى به المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية، على صورتها مع الجهات الإقليمية التي اعتقدت تخفيف وطأة العلاقة بينها وبين حزب المؤتمر الوطني، لذلك جاء إقحام التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بغرض لفت الأنظار إلى نقطة إيجابية قديمة.

وأعلنت الحركة الإسلامية فك ارتباطها بالتنظيم الدولي منذ عام 1971، وقت أن كان الراحل حسن الترابي قائدا للحركة في السودان، وحدثت خلافات على مدار عقود ماضية، جعلت العلاقة بين الجانبين تتراوح بين شد وجذب، وأجنحة متصارعة ومتحالفة، لكن كانت تلتقي عند قاعدة التسويق للفكرة الإسلامية عموما.

وتوقف الارتباط العضوي بين الجانبين، ولم يتوقف التعاون بينهما، ففي الكثير من المحكات السياسية يجد كل طرف في الآخر ملاذا له، والدليل الرموز الإسلامية التي تحضر مؤتمرات الحركة الإسلامية.

إخوان السودان يسوّقون إلى فك الارتباط مع التنظيم الدولي للإخوان ويؤكدون أن الحركة معتدلة

وعندما وصلت جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى الحكم في العام 2012 تطورت علاقات القاهرة مع الخرطوم، بحكم الأواصر الإسلامية، وبعد عزل الجماعة أصبحت أراضي السودان ملاذا لعدد من قياداتها المطلوبة لمحاكمات جنائية في مصر، وجرى إنشاء معسكرات تدريب استقبلت كوادر كان يتم إعدادها للقيام بعمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية، تحولت لاحقا إلى منغص رئيسي في العلاقات مع القاهرة.

وقالت مصادر مصرية لـ”العرب”، إن القاهرة لم ترتح يوما لتوجهات النظام السوداني، ولا تزال تتوجس من تصوراته في شأن العلاقة مع جماعة الإخوان ومتطرفين من مشارب مختلفة، ولم يراودها شك بأن العلاقة توقفت، وكل التطمينات التي قدمت ليست كافية حتى الآن، ولعل الانسجام اللافت بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية يمثل دليلا قاطعا.

وأوضحت المصادر، أن تمسك الحزب بالعلاقة مع الحركة “عضوي، لا انفصام سياسيا فيه”، لأن روافد الحركة تمثل القاعدة الشعبية التي يعتمد عليها الرئيس البشير في سيطرته على مقاليد الحكم.

وفي ظل احتدام المواجهة السياسية مع المعارضة، تبقى الحركة، الداعمة للبشير، هي المنقذ، وكل ما قيل عن الابتعاد عنها غرضه “التحلل من أخطائها وأعبائها، وعدم تأثيرها على العلاقة مع الخارج، ولا يعني ذلك الانفصال عنها”.

وربطت المصادر إعادة الحديث بصورة سلبية عن التنظيم الدولي للإخوان حاليا، بما حققه السودان من تقدم على صعيد علاقته الخارجية، والحفاظ على المكاسب، وأي انتقادات للحزب أو الحركة يمكن فهمها في إطار “التقية”، فالعلاقة قوية، ويمكن فهمها في سياق تطوير لغة الخطاب السوداني، بما يتماشى مع المعطيات الإقليمية والدولية.

وترى بعض الدوائر أن الوسيلة الوحيدة لإعادة تأهيل النظام السوداني، ليكون عنصر أمن واستقرار في المنطقة، هي مشاركته في حل الأزمات الإقليمية (كما حدث في جنوب السودان)، واستيعابه سياسيا واقتصاديا، فعندما يجني ثمارا من وراء هذه التصرفات، سوف يصبح مضطرا للتخفيف على الأقل، من الكوابح التي تمثلها له الحركة الإسلامية.

وبصرف النظر عن اسم الأمين العام الجديد للحركة، فهي محكومة بضوابط لن يؤثر فيها هذا النوع من التغييرات، فغالبية القيادات التي تتصدر المشهد خرجت من معين واحد، وتؤمن بعالمية الحركة، وهو ما تسعى دوما لنقله إلى حزب المؤتمر الوطني، الذي يتوجس من ردود الفعل الخارجية، إذا تمادى في التماهي معها.

2