الضغوط تدفع أنقرة لمراجعة سياستها مع الأكراد

رسالة أوجلان بعد اجتماع الثاني من مايو لم تكن موجهة إلى حزب العدالة والتنمية وحده، بل هي رسالة للمعارضة والحركة السياسية الكردية والحكومة والقوى الدولية. ومثل هذه الجهود قد تفتح الطريق لعملية سلام جديدة.
الأحد 2019/06/09
قضية تبحث عن حل

من خلال السماح بشكل غير متوقع لمحامي زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان بزيارته في سجنه والسماح بزيارة عائلته في ما بعد، أثارت الحكومة التركية جدلا بشأن إمكانية إحياء عملية السلام لإنهاء الصراع المستمر منذ 35 عاما.

ينظر المتشككون إلى هذه الخطوات على أنها خدعة من الرئيس رجب طيب أردوغان للفوز بأصوات مئات الآلاف من الناخبين الأكراد في إسطنبول، والذين ردوا على سياسة “العصا” التي انتهجها الرئيس في السابق بالتصويت لمرشح المعارضة لرئاسة البلدية في انتخابات الحادي والثلاثين من مارس، من خلال عرض “الجزرة” عليهم قبل إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من يونيو.

وفي أعقاب إعلان فوز المرشح أكرم إمام أوغلو بفارق أقل من 14 ألف صوت من أصل أكثر من ثمانية ملايين صوت، ألغى مجلس الانتخابات التركي هذه النتيجة وأمر بإعادة إجراء الانتخابات البلدية بعدما زعم حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان حدوث مخالفات.

ونفى محامو أوجلان وبعض المسؤولين الأتراك مرارا أن الاجتماعات الأخيرة لها أي علاقة بانتخابات إسطنبول، لكن وسائل التواصل الاجتماعي والمعلقين في الصحف تكهنوا بأن أوجلان والحكومة أبرما اتفاقا لمساعدة حزب العدالة والتنمية على الفوز في انتخابات الثالث والعشرين من يونيو.

وقال خاقان طهماز، من مؤسسة السلام، وهي منظمة تركية غير حكومية تعمل على السلام والمصالحة، إنه من الطبيعي أن يحاول الحزب الحاكم استخدام الزيارات للفوز بأصوات الأكراد، لكن من غير المرجح أن يغيّر الأكراد تأييدهم.

وأردف طهماز قائلا “لن يهتم الناخبون الأكراد الذين صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الماضي بما يقوله أوجلان”، في إشارة إلى الكتلة الكبيرة من الأكراد المحافظين المعارضين بشدة لحزب العمال الكردستاني. وفي الوقت نفسه، قال طهماز إن حزب العدالة والتنمية قد يحلم فحسب بالفوز بأصوات بقية السكان الأكراد، الذين يدعمون حزب الشعوب الديمقراطي بشكل عام.

وبعد لقائهم الأول مع أوجلان في الثاني من مايو، قرأ محاموه بيانا من زعيم حزب العمال الكردستاني قال فيه إن المصالحة في تركيا أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى. وقال أوجلان إنه وقف وراء دعوته في عام 2013 إلى وقف إطلاق النار. وأدى تركيز زعيم حزب العمال الكردستاني على الديمقراطية والمصالحة إلى زيادة الشائعات عن تخفيف محتمل في سياسة حزب العدالة والتنمية.

وقال يكتان تركي يلمظ، الباحث في منتدى الدراسات الإقليمية، وهو مؤسسة بحثية مقرها برلين، إن أوجلان استخدم عن عمد عبارات غامضة من أجل قياس رد الفعل على دعواته، مشيرا إلى أنه “عندما انتهت عملية السلام، كان الوضع أسوأ مما كان عليه قبل بدء عملية السلام.عندما تنظر إلى درجة وأثر وتدمير العنف الذي تلا ذلك، ترى صورة لا يمكن أن تُضاهى”. ونتيجة لذلك، أصبح الجانب الكردي حذرا للغاية الآن، على حد قول تركي يلمظ.

وأقام جناح الشباب في حزب العمال الكردستاني حواجز في المدن في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية في أواخر عام 2015 بعد أن أعلن قادة المجموعة الانفصال عن الحكومة المركزية. وأرسلت قوات الأمن الدبابات وسَوّت أجزاء من المدن بالأرض. وقُتل الكثير من المدنيين في المعارك التي نشبت في الشوارع المكتظة بالسكان.

وكانت محادثات السلام التي بدأت في عام 2009 وانتهت في عام 2015 عبارة عن مفاوضات مغلقة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة، والتي لم تسع للحصول على دعم المعارضة.

وقال سيزاي تيميلي، الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي، إن القضية الكردية لا يمكن تركها الآن لحزب العدالة والتنمية بمفرده.

وأضاف “سيكون هناك المزيد من المؤسسات والوكالات حول طاولة السلام. ثمة حاجة إلى دستور جديد. نحن نحافظ دائما على آمالنا في السلام”.

وقال طهماز إن رسالة أوجلان بعد اجتماع الثاني من مايو لم تكن موجهة إلى حزب العدالة والتنمية وحده، بل هي “رسالة للمعارضة والحركة السياسية الكردية والحكومة والقوى الدولية”. وأضاف أن هذه الجهود قد تفتح الطريق في الوقت المناسب لعملية سلام جديدة. وقال “تبدأ عمليات السلام في لحظات تبدو شبه مستحيلة”.

وتنفي وحدات حماية الشعب الكردية أي صلات لها بحزب العمال الكردستاني، لكنّ كليهما ينتمي إلى نفس المنظمة الكردية الأكبر، وتعترف وحدات حماية الشعب بأن أوجلان زعيمها الفكري.

وفي أعقاب لقائه الثاني مع محاميه في الثاني والعشرين من مايو، دعا أوجلان قوات سوريا الديمقراطية إلى الامتناع عما وصفه “بثقافة الصراع” والإبقاء على “حساسيات تركيا في الاعتبار”. وقال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني السبت الماضي إنه مستعد للدخول في حوار مع كل من تركيا والحكومة السورية.

وأردف كوباني قائلا “بنموذج الزعيم أوجلان، هزمنا أيديولوجية داعش الإرهابية والفاشية. ولهذا السبب، نعتقد أن الزعيم أوجلان سيكون له دور كبير في حل الأزمة السورية”. وقال طهماز إن التطورات في سوريا فرضت ضغوطا على تركيا لتغيير سياستها بشأن الأكراد وإن أنقرة قد تسعى إلى التعاون مع أوجلان للمساعدة في حل القضية.

وقال واهب جوشكون، الأكاديمي بجامعة دجلة في مقاطعة ديار بكر بجنوب شرق تركيا، إن تحركات الحكومة كانت مرتبطة بسوريا أكثر من إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في الثالث والعشرين من يونيو. وأضاف “ثمة تطورات مهمة في سوريا. أعتقد أن شائعات عملية السلام المنتشرة مرتبطة بشكل مباشر بتلك التطورات”.

وقال إن هناك محادثات مباشرة وغير مباشرة بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية بشأن مصير شمال سوريا لا تزال مستمرة. واختتم بقوله “يبدو أنه إذا أمكن التوصل إلى اتفاق في سوريا، فقد تبدأ تركيا عملية جديدة من أجل حل القضية الكردية”.

6