الضوء واللون يخطّان السيرة الذاتية لشوقي شمعون

يعكس معرض الفنان التشكيلي اللبناني شوقي شمعون في صالة “مارك هاشم” بالعاصمة اللبنانية بيروت قدرة الضوء الملون واللون المُضاء على كتابة سيرته الذاتية بتجريدية قصوى وإن تخللتها شخوص ما هي إلا انعكاسات لهامات إنسانية تمرّست على الانتظار حتى باتت لا تستطيع أن تكون دونه.
الجمعة 2017/05/26
ثنائية الضوء الملون واللون المضاء

بيروت – “أبعد من الجدران” هو عنوان المعرض الفني الجديد للتشكيلي اللبناني شوقي شمعون المقام حاليا في صالة “مارك هاشم” البيروتية، والذي ضم مجموعة من لوحات كبيرة الحجم، بعضها يُمكن اعتباره صنفا خاصا من الجداريات التي تميّز بها الفنان.

وهذه ليست أول مجموعة يعرض فيها شمعون مساحات تجريدية هائلة تُحيل خيال المُشاهد إلى مقاطع موسيقية تطغى فيها الآلات الموسيقية الوترية وتطًل عليها مجموعة من ظلال بشرية.

ظلال ملونة لرجال ونساء وأطفال يقفون في مهب الألوان ويطلون على ما يشبه الهاويات حينا، وعلى سموات منقشعة أو مُرصّعة بالألوان حينا آخر. فقد دخلت هذه الشخوص/الخيالات إلى لوحاته منذ فترة التسعينات من القرن الماضي ولم تغادرها، لأن وجودها مُرتبط بشكل عضوي وروحي على السواء بحضور تلك المشاهد التي تنسحب أمام الناظر إليها، وكأنها مشاهد متحركة ينظّم “زمنها” إيقاعا يكاد أن يُحتسب بعدد مرور الدقائق، يخفي هذا الإيقاع الملوّن قلقا ما برع الفنان في تحويله إلى طاقة إيجابية.

شخوص الفنان تبدو في هذا المعرض خلافا لمعارضه السابقة غير متورطة بما يحدث أمامها، بمعنى أنه لم يعد يطالها أي خطر من أخطار المشاهد الشاهقة المُشبعة في معظم اللوحات بكل الألوان في تدرّج تارة وفي تناقض تارة أخرى، حتى أن الفنان استخدم في لوحاته الجديدة ومضات خفيفة وعمودية على شكل ألوان مُذهبة وبرّاقة.

في لوحاته تبدو شخوصه قد انسجمت مع انتظار طويل لحالات مُشتهاة وكثيرة إلى حد لم يعد فيه هذا الانتظار مؤلما أو مُرهقا، بل بات أسلوب حياة وشهادة من نوع آخر على تقلب المشاهد الطبيعية، أو من الأصح القول، تقلب المشاهد الوجودية. ساهمت عناوين لوحات الفنان المُنتقاة من دون شك بتأن كبير في الإفصاح عمّا تتمناه تلك الشخوص وما تهجس به من مخاوف، نذكر من تلك العناوين “انتظار في الزرقة اللامتناهية”، و”السلام أقرب مما يبدو”، و”حوار حضارات”، و”الوقوع في الحب” و”سلام للبعض”.

وجدير بالذكر أن شمعون مارس الفن منذ تخرّجه حتى سنة 1978 ليتوقف بعد ذلك لسنين عديدة بعد أن اختطف شقيقه في بداية الحرب اللبنانية سنة 1975. اختبر الفنان ولع الانتظار، انتظار عودة الأخ، الأمر الذي لم يحصل، وقد طوى الصمت رجاء العودة.

حفر ذلك في نفس الفنان طويلا وعميقا ليتمظهر في أعماله الفنية الناطقة بحالة الانتظار كحاضنة لكل الحالات على الإطلاق، غير أن هذا التمظهر جاء عابقا بألوان من غير هذا العالم، حيث مسح الزمن على جبين الفنان بماء الورد وربّت على كتفه بنجومه المؤاسية والملونة.

بدا الفنان في معرضه الجديد، ومن خلال عملين اثنين، متأثرا بالفكر والأسلوب التنقيطي للفنان الأميركي جاكسون بولوك، دون أن يكون تأثره هذا طاغيا على إبداعه الشخصي المنسجم مع أفكاره وتجاربه الشخصية والفنية وخلفيته الدراسية.

عناوين لوحات الفنان المنتقاة بتأن كبير ساهمت في الإفصاح عما تتمناه شخوصه وما تهجس به من مخاوف

وإذا كان الفنان قدم في معرضه السابق أعمالا جسّدت مشاهد طبيعية/تجريدية بالغة الغنائية تشرف عليها شخوصه الضئيلة مقارنة باتساع المدى الذي تشرف عليه في إحالات إلى مشاهد الأضواء الملونة التي يمكن رؤيتها في القطب الشمالي، فإن شوقي شمعون في معرضه الجديد قد تخطى بأشواط ألوانه “القطبية” ليرسم “أكوانا موازية” وافتراضية تتكلم بلغة لونية محمومة ومُشفّرة لا يفهمها إلا “رحّالته”، أي شخوصه أمام أكوان ترتفع في ما بينها جدران شبحية ملونة ما هي إلا انعكاسات للحالات الوجودية التي يمر بها الإنسان.

جدران ما بين الطبيعة وما صنعه الإنسان، وما بين الخيال والواقع، وما بين التجريدي والتشكيلي، جدران من ضوء ملون وعرضة للتحولات في أي لحظة وتمثل اللاثبات في عالم معاصر ترتج من تحته الأرض، كما تجيء بعض عناوين اللوحات صدى لتلك العوالم الموجودة في زمن، لا بل في “مكان” واحد، نذكر من هذه العناوين “الجدار البديل” و”احتمالات لا محدودة”.

هناك عناصر أسطوانية تحلق في فضاء لوحاته على ارتفاعات منخفضة ومرتفعة، بعضها يبدو وكأنه صحون طائرة قادمة لتأخذ أو لتعطي وبعضها الآخر يبدو وكأنه بقع لونية مُكثفة تشكلت عند نهاية شعاع ملون هو أشبه بتلك التي تُسلط على الممثلين على خشبات المسرح، كما يتداخل الكثيف مع الرقيق من الألوان فيختلط الأمر في عين المشاهد ليجد نفسه يتساءل ما هو الأصل؟ وما هو الانعكاس؟

توجد في المعرض لوحة واحدة قد لا تدخل في إطار المنظومة العامة للمعرض وهي اللوحة التي تحمل عنوان “سكن للجميع”، فهي على الرغم من جماليتها فإنها تصور السكن أشبه بطبقات من السجون المتراصة فوق بعضها البعض. محارق من فولاذ أبيض تكشف البعد القاتم لمهرجان الأضواء الكونية، هنا أيضا تعود صورة الأكوان المتوازية إلى الحضور، ولكن بشكل درامي يؤكد بطريقته الخاصة أن تلك الأكوان ما هي إلا انعكاس لعالمنا هذا.

فلكي يحدث التوازن بين العوالم لا بد من وجود العوالم المعكوسة، أي تلك الأكثر درامية التي تشبه ما في هذه اللوحة وفي لوحة أخرى تحمل عنوان “رسومات عابرة في الفضاء” التي تغصّ بعتمات لا يعرف قرارها أحد، إلا ربما نقيضها الأبيض الذي يدور من حولها كحلقات مفرّغة تحاكي الثقوب السوداء في الفضاء العميق.

17