الضيف الماليزي في الرياض

الأحد 2017/02/12

سنوياً، علينا أن نسلّم لذوق اللجنة المنظمة في اختياراتها لضيف الشرف في معرض الرياض الدولي للكتاب دون أن نفهم الأسباب التي دفعتهم لهذا الاختيار مترقبين حضور الضيف بصورة لا تخلو من الريبة والاستغراب والدهشة. وبحسب ما أعلن عنه المنظمون فإن دولة ماليزيا ستكون ضيف الشرف في المعرض الذي سينطلق في الـ8 من شهر مارس المقبل وسيتواصل حتى الـ17 من نفس الشهر.

أحياناً يكون الضيف عربياً “المغرب نموذجاً عام 2013″، وحينها لن تنتظر شيئاً من منظومة ثقافية متناسقة ضمن فضاء ثقافي واحد يعيد توليد وصناعة نفسه على الدوام، ولكن حين يكون الضيف خارج هذه المنظومة العربية فعلينا -كسعوديين وعرب- أن ننتظر الكثير، خصوصاً حين نحسن نوايانا بأنّ ضيوفنا سيأتون دون تدجين أو تصوّرات واشتراطات دبلوماسية مسبقة لما يجب أن يكونوا عليه كضيوف شرف في دولة لها ثقافتها المختلفة عنهم، و”يا غريب خليك أديب”.

على مدى عشر سنوات مضت حلّت دول كثيرة ضيفة على المعرض دون أن يحسّ المثقف السعودي لها حساً، فهي تأتي ضمن مراسيم رسمية وتذهب بنفس الإيقاع مخلفة خبراً صحفياً يدلنا على أنهم كانوا هنا. فمن كان ليصدّق، على سبيل المثال، أن اليابان والبرازيل والسنغال والهند والسويد والمغرب وإسبانيا وجنوب أفريقيا واليونان كانوا ضيوفاً على المعرض من غير أن يمارس أحد من مثقفي هذه الدول حضوره الطبيعي فيه، لا سيما بعد ما يشاع سنوياً عن إحجام بعض المثقفين الضيوف عن الحضور نظراً لمؤاخذاتهم على بعض القضايا الحقوقية في المملكة.

لقد غابت الفلسفة عن اليونان العام الماضي، وهمّشت ذكرى مانديلا عن جنوب أفريقيا، ولم تحضر الموسيقى قبل ثلاث سنوات مع الإسبان، وتغيبت الثقافة الأسكندنافية الموسيقية والأدبية من على منصة السويد، كما لم تحضر تنوعات الديانات الإثنية في الهند، والتنوعات العرقية في السنغال، والفلوكلورات في البرازيل، والدقة في اليابان.

هذه المناسبة التي يترقبها المثقفون والأدباء والباحثون والناشرون وطلاب العلم والمعرفة وصناع النشر وجميع فئات المجتمع للتواصل مع الكتاب وعوالمه المختلفة والاتصال بالكتابة والمؤلفين، ومتابعة الفعاليات من محاضرات وندوات وورش عمل ومعارض متنوعة تأتي سنوياً مقلّصة دورها بصورة مؤسفة لتتحول إلى مجرد فرصة لشراء الكتب من دكان كبير. فلا المبادرات السنوية المتمثلة في الداخل التي يزعجنا بها المنظمون تأتي بثمارها المرجوة، ولا ضيوفنا القادمون من الخارج يمارسون ثقافتهم المعروفين بها عالمياً.

أعرف أنه -حتى وإن رغب المنظمون في التغيير- فليس من السهولة بمكان تجاوز النمطية التقليدية المتمثلة في جماعة حركة الصحوة المتشددة في المملكة، والتي تحتج على حضور الكتاب فضلاً عن الفنون والثقافات الأخرى التي تعتبرها ثقافة تغريبية. فليس بعيداً عنا ما يحصل سنوياً من “غزوات” دينية على أجنحة المعرض، وكيف تتعامل معها الداخلية السعودية بجدية أمنية كبيرة، محاولة تحجيمها ضمن القانون.

هذا التيار المحافظ المتنامي يجعل من الصعب على المنظمين الحديث عن إدراج الفنون والموسيقى والسينما والفلسفة مع ضيوف المعرض. غير أن هذه المخاوف من التيار الإسلاموي في السعودية لم تعد عذراً بعد اليوم، خصوصاً وإن المملكة ترعى ضمن مشروعها في التحول الوطني 2030 هيئتين كبيرتين مهتمتين بالثقافة والترفيه.

الأمر الذي يجعلنا أمام سؤال كبير عن دورهما في تغيير الواقع القائم، وعن مدى قدرتهم على التحوّل من دور المتفرّج لدور اللاعب الأساسي في المباراة التاريخية الكبيرة. وهذا الأمر بالطبع لن يتحقق إلا عبر التنسيق المستمر بين وزارة الثقافة والإعلام والهيئتين الوليدتين. هذا إن أرادوا فعلاً أن يكون لضيوف المعرض حضورهم الحقيقي الفاعل وأن يقدّموا ثقافتهم وفق اشتراطاتهم لا وفق اشتراطاتنا.

شاعر من السعودية

14