الطائرات ذاتية القيادة مستعدة للإقلاع، هل الركاب جاهزون

خبراء: حوادث الطيران سلطت الضوء على الحاجة إلى "إنشاء قواعد سلامة مشددة في هذه الصناعة، سواء أكانت من إيرباص أو بوينغ أو أي طائرة أخرى".
الأربعاء 2019/06/19
التكنولوجيا ليست دائما محل ثقة

أعربت شركة إيرباص الأوروبية العملاقة لصناعة الطائرات عن رغبتها في صناعة طائرات ذاتية القيادة مستقبلا، وستشكل هذه الخطوة اختبارا للتطورات التكنولوجية في عالم صناعة الطيران، وسيكون الفوز بثقة المسافرين وإقناعهم بمدى سلامة السفر على متن هذه الطائرات بمثابة تحد كبير أمام الشركة، التي تريد الاستفادة من المشاكل التي تعاني منها منافستها الأميركية بوينغ، بعد حادثة تحطم طائرة (بوينغ 737) التابعة للخطوط الجوية الإثيوبية، لاكتساح سوق النقل الجوي.

باريس - أعلنت شركة “إيرباص” الأوروبية العملاقة لصناعة الطائرات أنها تخطط لإطلاق أول طائرة ذاتية القيادة، وأنها تمضي قدما في نسخة فائقة بعيدة المدى من طائرتها “آيه 321 نيو” في محاولة للتفوق على منافستها الأميركية “بوينغ”.

وقال رئيس مبيعات إيرباص كريستيان شيرر في معرض باريس الدولي للطيران إن “شركته تمتلك بالفعل تقنية الطائرات ذاتية القيادة لنقل الركاب، وهي تعمل الآن على تخطي توقعات المنظمين والمسافرين حول الفكرة”. وأضاف شيرر أيضا في مقابلة مع وكالة أسوشيتيد برس الاثنين أن إيرباص تأمل في بيع طائرات ركاب هجينة أو كهربائية بحلول عام 2035.

وفي حين أن الشركة لا تزال بعيدة عن الاستعداد لإطلاق الطائرات الجامبو التي تعمل بالبطاريات، يؤكد شيرر أن “إيرباص تمتلك بالفعل ‘تقنية الطيران المستقل’ وكذلك الطائرات التي يقودها طيار واحد فقط”.

ومشروع طائرات ذاتية القيادة هو جزء من القسم الذي أسسته الشركة في عام 2016. وتستند الشركة في مفهومها على إمكانية أن يكون الناس قادرين على طلب الطائرة الذاتية القيادة من خلال تطبيق خاص لنقلهم إلى الأماكن التي يرغبون فيها، وهذا يشبه إلى حد كبير طريقة عمل خدمة طلب سيارة الأجرة التي تعمل بدورها على السيارات الذاتية القيادة.

 وسبق أن عبّر مسؤولو إيرباص عن رغبتهم في الاستثمار في المزيد من الموارد لتطوير التكنولوجيات التي ستشكل مستقبل الشركة، مثل الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية. فهم على يقين بأنه إذا وقع تجاهل هذه التطورات، فسوف تخرج إيرباص من مجالات تجارية مهمة.

وقدم العديد من المصنعين طائرات ذاتية القيادة في معرض باريس الجوي، وذلك في المقام الأول لأغراض عسكرية – ويقترح البعض مثل شركة إيرباص، أيضًا طائرات ذاتية القيادة لتقل الركاب داخل المدن.

كريستيان شيرر: الحوادث سلطت الضوء على الحاجة إلى إنشاء قواعد سلامة مشددة في هذه الصناعة، سواء أكانت من إيرباص أو بوينغ أو أي طائرة أخرى
كريستيان شيرر: الحوادث سلطت الضوء على الحاجة إلى إنشاء قواعد سلامة مشددة في هذه الصناعة، سواء أكانت من إيرباص أو بوينغ أو أي طائرة أخرى

لكن تقف تحديات أمام طموح إيرباص فليس من السهل إقناع الركاب بالمغامرة والسفر في طائرات ذاتية القيادة خاصة مع زيادة حوادث الطيران في الآونة الأخيرة، الأمر الذي شكك في مصداقية وأمن السلامة الجوية، تضاف إليها تحديات سياسية تتعلق بالتعامل مع تداعيات قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي يهدد بعرقلة سلسلة إمدادات الشركة الطويلة والمعقدة. كما تعتبر الولايات المتحدة مصدر قلق آخر لمجموعة إيرباص بعد أن انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتحاد الأوروبي مرة أخرى بسبب دعمه المالي لإيرباص وتوعد بفرض رسوم جمركية جديدة على السلع الأوروبية.

السلامة أولا

مع ذلك يبقى تحدي إقناع الركاب بنجاعة طائرتها ذاتية القيادة هو الأهم بالنسبة لشركة إيرباص وكسب ثقتهم خاصة مع تداعيات حوادث الطيران المأسوية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.

وتسبب سقوط الطائرة بوينغ 737 ماكس 8 الجديدة تماما في إثيوبيا، والتي تحظى بثقة عدد كبير من شركات الطيران العالمية والمسافرين، في حالة من البلبلة لدى الركاب وخطوط الطيران والهيئات المعنية بمراقبة السلامة الجوية.

وأصبحت هناك أسئلة تعبر عن القلق في أوساط عالم الملاحة الجوية، وذلك لأن المسؤولين في هذه الأوساط يجدون صعوبة في الإيمان بالصُدف. فعندما تسقط طائرتان جديدتان تقريبا من نفس الطراز، في وقت قصير نسبيا، وفي وقت طيران مشابه، فإن نواقيس الخطر تدق بشكل صاخب.

وعندما يتعلق الأمر بطائرات الركاب المستقلة، فإن السلامة هي مصدر القلق الأول والصريح، ولاسيما بعد حادثة سقوط طائرة بوينغ إثيوبية بسبب عطب فني. وللإشارة لقي أكثر من 350 شخصا حتفهم خلال أربعة أشهر فقط بنفس الطراز من الطائرة.

ويرى شيرر أن الحوادث سلطت الضوء على الحاجة إلى “إنشاء قواعد سلامة مشددة في هذه الصناعة، سواء أكانت من إيرباص أو بوينغ أو أي طائرة أخرى”.

وبينما قال إن استراتيجية مبيعات إيرباص لم تتغيّر نتيجة حوادث الاصطدام في إندونيسيا وإثيوبيا، إلا أنه أقر بالحاجة إلى النظر في مسألة قدرة الاستيعاب والسعة التي ظهرت كنتيجة لذلك، وتابع “بطبيعة الحال لديك شركات طيران تشعر بالإحباط بسبب مسألة طاقة الاستيعاب، والتي تبحث للحصول على إجابات لها”.

وبينما أعلنت شركة “إيرباص” عن تلقيها العديد من الطلبات الاثنين مع بدء المعرض الجوي، لم تحظ “بوينغ” بمبيعات جيدة في ظل محاولاتها لاستعادة ثقة العملاء.

ورغم أزمة الثقة يتوقع شيرر استمرار النمو في صناعة الطيران بعد عدة سنوات من الازدهار، وتوقع أن العالم سيحتاج إلى ما لا يقل عن 37 ألف طائرة جديدة في السنوات الـ20 المقبلة، وخاصة في آسيا، وأن الصناعة بأكملها في نهاية المطاف سوف تتوقف عن خلق الانبعاثات وإزالة الكربون.

وبحسب الاتحاد الدولي للطيران (إياتا) فإن آسيا ستشهد أكبر نمو في قطاع الطيران خلال السنوات العشرين المقبلة، حيث سيأتي أكثر من نصف المسافرين من تلك المنطقة. ويرى المحللون أن أمام إيرباص فرصة لتحقيق الأرباح من سوق الطيران المزدهر خاصة في آسيا، ومن وقف طائرات بوينغ 737 ماكس في العديد من دول العالم بعد حادث تحطم طائرتين من هذا الطراز. ويشير هؤلاء إلى أن رهان الشركة سيكون على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتحقيق الأرباح المرجوة واستعادة ثقة الركاب وأيضا إزاحة منافسيها من الصدارة.

تنافس تكنولوجي

الناس بالكاد يوافقون  على السفر في طائرة يشغلها طيار واحد، لكنهم يترددون في السفر على رحلة تجارية دون أي إنسان في قمرة القيادة
الناس بالكاد يوافقون على السفر في طائرة يشغلها طيار واحد، لكنهم يترددون في السفر على رحلة تجارية دون أي إنسان في قمرة القيادة

ستصبح السيارات ذاتية القيادة التي ستنتجها شركات “غوغل” و”أوبر” و”تسلا” أمراً شائعاً على الطرق، وفقاً لما قاله بعض الخبراء، بينما تراهن الشركات المصنعة للطائرات على أنها مجرد مسألة وقت فقط قبل أن تمتلئ السماء بطائرات ذاتية القيادة أيضاً.

وفي يوم 5 أكتوبر الماضي، أعلنت شركة “بوينغ” العملاقة في مجال الطيران عن خطط للاستحواذ على شركة “أورورا فلايت ساينسز”، وهي شركة صغيرة مقرها فرجينيا بالولايات المتحدة وتتخصص في أنظمة الطيران ذاتية القيادة. حيث يمكن لطائرة الركاب من أورورا، والتي يطلق عليها “سينتاور”، أن يشغلها طيار بشري واحد في قمرة القيادة بمساعدة الأنظمة الآلية، أو عن بعد بواسطة طيار على الأرض. كما تمتلك الشركة مساعد الطيار الآلي الذي نجح في الهبوط بطائرة بوينغ 737 مقلدة، كما كشفت شركة أوبر عن مساعدة شركة “أورورا فلايت ساينسز” للشركة في مشروعها “أوبر إيليفيت” لسيارات الأجرة الطائرة.

وتتنافس بعض الشركات الأخرى في نفس المجال، مثل شركة “دايموند”، مصنعة الطائرات الصغيرة، التي تمتلك نظام “إي سيف”، والذي يمكنه الهبوط بالطائرة إذا أصبح الطيار عاجزًا عن ذلك. حيث سيختار النظام أقرب مطار، وسيتجاوز أي طقس سيء في المنطقة وسيتحكم في اللوحات وسيتمكن من الهبوط باستخدام نظام “جي.بي.أس” مُحسّن بواسطة أجهزة الرادار ومقاييس الارتفاع بالليزر لقياس مسافة الطائرة إلى الأرض.

وقد اختبرت شركة إيرباص، المنافس الرئيسي لشركة بوينغ، مؤخراً طائرة هليكوبتر ذاتية القيادة. حيث يخطط قسم “آيه 3” بالشركة لاختبار طائرته الصغيرة الخاصة بالركاب والبضائع، المعروفة باسم “بروجيكت فاهانا”، بحلول نهاية هذا العام.

ولكن متى سيتم نقل الركاب على متن الطائرات التجارية حول العالم دون وجود أي شخص في قمرة القيادة؟. هنا يرد شيرر بالقول “هذه مسألة نناقشها مع المنظمين والعملاء، لكن من الناحية التكنولوجية، لا نرى أي عقبة تقف في طريقنا”.

وتختلف التحديات التي تواجه الطائرات ذاتية القيادة عن السيارات ذاتية القيادة التي تسير على الأرض. حيث على الرغم من أن السيارة ذاتية القيادة يجب أن تتعامل عادة مع بيئة أكثر تعقيدًا من الطائرة – من حيث حركة المرور والعقبات المادية – فإنه غالبًا ما تكون العملية أسهل بالنسبة للسيارات ذاتية القيادة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع حادث مفاجئ.

وقالت إيلا أتكينز، مهندسة الفضاء في جامعة ميشيغان “بالنسبة للسيارة، يمكن أن تتوقف حتى يمر الخطر. لكن الطائرة يجب أن تهبط، حيث يصبح الوضع غير آمن حتى تتوقف على الأرض. وهي مشكلة أصعب بكثير”. وبالنظر إلى المشكلات التقنية والفنية في حال صناعة طائرات ذاتية القيادة، فإن التحدي لا يزال قائماً. فطائرات اليوم لديها بالفعل العديد من الأنظمة الآلية، والتي لن تتطلب الكثير لتحمل المزيد من المسؤولية في الرحلة، لكنها تبدو أنظمة معقدة. وتبين أتكينز “لم يتم تصميم برنامج الطيران ليكون ذاتي القيادة بالكامل. لكن هذا لا يعني أن الموظفين الأذكياء في بوينغ وإيرباص لن يستطيعوا القيام بذلك”.

وقال ستيفن رايس، عالم النفس الذي يدرس كيفية تفاعل الناس مع الأتمتة في جامعة إمبري ريدل للطيران في دايتونا بيتش بولاية فلوريدا، إن المشاكل التقنية المتبقية لها علاقة أكبر بتحسين واجهة الإنسان والآلة. حيث يفتقر الطيار عن بعد المسؤول عن العديد من الطائرات المختلفة إلى الشعور بما يحدث في كل طائرة. وأشار إلى أنه إذا اضطر المعنيون إلى التدخل في حالات الطوارئ، فقد يستغرق الأمر وقتًا كبيراً للمعالجة.

مشكلات فنية

الطيار الآلي قد يواجه مشاكل في التعامل مع مراقبي الحركة الجوية البشرية باستخدام لغة بسيطة، وهو ما قد يصعب على أجهزة الكمبيوتر تحليلها
الطيار الآلي قد يواجه مشاكل في التعامل مع مراقبي الحركة الجوية البشرية باستخدام لغة بسيطة، وهو ما قد يصعب على أجهزة الكمبيوتر تحليلها

قد يواجه الطيار الآلي مشاكل في التعامل مع مراقبي الحركة الجوية البشرية باستخدام لغة بسيطة، وهو ما قد يصعب على أجهزة الكمبيوتر تحليله. وربما يتمثل الخيار الأفضل، في استبدال البشر على الأرض أيضًا، والتحكم في كل شيء بواسطة الأنظمة الآلية التي تتصل عبر روابط بيانات آمنة.

وحتى عندما يتم حل جميع المشكلات الفنية، لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت لتبني التكنولوجيا. التي قد تستغرق 15 عامًا حتى تدخل في قمرة القيادة لطائرة جديدة، بسبب اللوائح الحكومية وتعقيد المنتج.

ويشير مارك ميلام، نائب الرئيس لمؤسسة “فلايت سيفتي فاونديشن”، وهي منظمة غير ربحية في الإسكندرية، بولاية فرجينيا، والتي تقدم إرشادات السلامة للصناعة، إلى إن اللوائح المحيطة بالسفر الجوي تشكل على الأرجح أكبر عقبة أمام الأتمتة في هذا المجال منها في الصناعات الأخرى. وقال “إنها عملية اعتماد كبيرة” للتقنيات الجديدة، والتي تستغرق عدة سنوات.

لكن من المحتمل ألا يكون الروتين والثغرات التكنولوجية، العقبات الرئيسية التي تحتاج الطائرات ذاتية القيادة إلى تجاوزها. وبدلاً من ذلك، يشير رايس، إلى إن القضية هي ما إذا كان الناس على استعداد للسفر على متن طائرة تعمل عن بعد أو بواسطة روبوت، حيث أظهرت أبحاثه أنها ستكون عملية بيع صعبة.

وتابع بقوله “الناس بالكاد يوافقون على السفر في طائرة يشغلها طيار واحد، لكنهم يترددون في السفر على رحلة تجارية دون أي إنسان في قمرة القيادة”.

ويعتقد ميلام، أن ذلك سيحدث في الوقت الذي ستتضح فيه التحسينات في مجال السلامة – وربما التكلفة كذلك، فإذا كان بالإمكان تطوير معايير السلامة وتخفيض التكلفة مقارنة بالطائرات المأهولة، فسيكون من الصعب على المسافرين تجاهل الأمر. وأشار إلى أن الأجيال الشابة تشعر بارتياح أكبر تجاه التقنيات الآلية.

ويتوقع كل من ميلام ورايس أن تكون سيارات الأجرة ذاتية القيادة، مثل تلك التي يتم اختبارها الآن في دبي بواسطة شركة “فولوكوبتر” الألمانية، هي الخطوة الأولى نحو الطيران التجاري المؤتمت. ومن المتوقع أيضا أن تمتد التكنولوجيا إلى نقل البضائع التجارية.

بعد ذلك، من المحتمل أن يتم تطبيق التكنولوجيا على رحلات الركاب التجارية القصيرة في المناطق النائية. وقال رايس “إذا لم تكن هناك حوادث، سيقبلها الركاب”.

ورغم طموح شركة إيرباص في صناعة طائرات ذاتية القيادة إلا أنه طموح مؤجل، ويتطلب مراحل للوصول إلى مرحلة السفر على متن طائرة ذكية، وقد تمر فترة طويلة قبل أن يتم نقل التقنية من سيارات الأجرة الصغيرة وتسليم الطرود إلى رحلات الركاب التجارية. ويستنتج ستيفن رايس بقوله “لا أعتقد أننا سنرى ذلك حتى في السنوات العشرين المقبلة. ربما سيمر أكثر من 30 عاماً، وحتى ذلك الحين سنشهد فقط عددا قليلا من هذه الطائرات”.

12