الطائع الحداوي في مركب الشعر والنثر

الأحد 2014/08/03
الحداوي: تقاطع المؤسسات الجامعية مع المؤسسات الثقافية

الكلام على الكلام صعب، هكذا هو النقد كما قال ابن رشيق القيرواني، لكن يظل الأشد صعوبة دائما هو أن تجمع بين أصناف وأجناس وأنواع عدة من الإبداع، كأن تكون شاعرا وناقدا وحكاء، كما هو شأن الكاتب المغربي الطائع الحداوي

الطائع الحداوي، أستاذ السيميائيات وتحليل الخطاب والثقافة الشعبية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. صدرت له عدة مؤلفات موزعة بين الشعر والنقد والنصوص. نذكر منها في النقد، “في معنى القراءة، قراءات في تلقي النصوص”، و”الرحلة السفارية، الإنتاج ومنطق الأشياء”. وفي الشعر أصدر ديوانا بعنوان “زميرالدا”، كما صدر له كتاب يضم نصوصا ومحكيات، بعنوان “ذاكرة الماء والتراب”. هذا إضافة إلى أبحاث ومؤلفات أخرى مشتركة.

التقيناه في دبي، في مهمة علمية، فكان للعرب هذا الحوار معه.


بين الثقافة والجامعة


في مساره العلمي، يجمع الطائع الحداوي بين البحث الأكاديمي الصرف والمسألة الثقافية في المجتمع، وهو يرى أن هذه العلاقة تكونت منذ دخوله فضاء البحث الأكاديمي في الجامعة المغربية، وتحديدا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بعد استيفاء الشروط العلمية، والمتمثلة في تحصيل الإجازة وشهادة دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة. ويشير الحداوي إلى أن هذه المراحل الفاصلة في التكوين العلمي، تخللتها تجربة غنية، باشر فيها التدريس بالسلك الثاني من التعليم الثانوي، إثر تخرجه مباشرة من المدرسة العليا للأساتذة بالعاصمة الرباط.

يستذكر قائلا: “إن هذه الحقبة من التحصيل المعرفي والممارسة التعليمية مكنتني من الجمع بين بعدين، أعتقد أنهما ضروريان لكل شخص تهفو نفسه إلى مهنة التعليم، وهما البعد البيداغوجي والبعد العلمي. يتجلى البعد البيداغوجي في الاطلاع على النظريات التربوية، ومناهج التدريس وطرائقه، ورسم خطط البرامج، وكل ما تقتضيه العمليات التعلمية في المؤسسات المغربية، من تقويم وضوابط بيداغوجية واستشراف للأهداف والمقاصد ومنابع الكفايات والمهارات. ويكمن البعد العلمي في نسق الحقول المعرفية التي يتوجب اكتسابها والإحاطة بها، من أدب حديث وقديم، وأندلسي ومغربي، ولسانيات وسيميائيات، وفكر وفلسفة، تبعا لخارطة البرامج الجامعية ومسالكها الجاري بها العمل في كل فترة من تطور التعليم”.

العلاقة بين الشرق والغرب في العالم العربي لم تنقطع البتة، على مر العصور والأزمان

يؤكد الحداوي أن العقل المستفيد قد يميل إلى بعض حقول المعرفة دون البعض الآخر، لكن جميعها تتطلب تحصين الذات معرفيا، بما يلزم من النظريات الأدبية والأجهزة المفهومية ومنهاج التحليل، والتمرس على “براكسيس” بنيات البحث العلمي في الجامعة ( شعبة، مختبر، فريق بحث…). يرى الباحث أن للبحث العلمي في الجامعة، اشتراطاته الأكاديمية التي تبدو كونية. ولا يمكن، في تقديره، الشك في راهنيّتها، كما يدعي البعض، بل ينبغي الاحتفاظ بها، وتعزيزها والإبداع في سياقها، بعيدا عن دعاوى الذين ينظرون إليها بعيون كليلة لا تعبر، في الحقيقة، إلا عن فراغ أفئدتهم، والغل المندس في سواد صدورهم. إذا فهمنا الأمر بهذه الطريقة، يصبح سهلا فهم طبيعة الممارسة الثقافية في المجتمع، من جهة التعريف والبرهنة والنتيجة.

يضيف الحداوي قائلا: “إن وظيفة الجامعة في البحث العلمي ليست بالضرورة هي وظيفة المؤسسات الثقافية في المجتمع، من حيث التعميم والتداول والحس المشترك. ومراعاة الفروق الجدية بين وظيفتي الجامعة والمؤسسات الثقافية لا تعني إحداث القطيعة بينهما، إذ تجمعهما أكثر من آصرة وعلاقة. بهذا التصور شاركت في الممارسة الثقافية عبر الجمعيات والأندية السينمائية والمسرحية، وفي ممارسة كرة القدم أيضا، إذ لعبت في فرق الأحياء، ودربت فئة اليافعين في الملاعب والفضاءات التي كانت منتشرة في الدار البيضاء، قبل أن يبتلعها تيار الإسمنت الجارف”.


الرواية والشعر


عن ممارسته الأكاديمية والنقدية، التي اهتم فيها بالرواية والشعر والرحلة، خاصة، وعن انشغاله بهذه الأجناس الأدبية تحديدا، يؤكد الباحث أنه فعلا مهتم بهذه الأنماط منذ بداياته، فكان أول ما نشره في مجلة “أقلام” المغربية، عبارة عن بحث يصب في الاهتمامات الأساسية للرواية المغربية. كما اختار رواية “اليتيم” لعبدالله العروي موضوعا لبحثه في الإجازة، فور صدورها مباشرة، وهي الرواية الثانية بعد رواية “الغربة” لهذا الروائي والمفكر، قبل أن يصدر روايات أخرى. لكن مقاربته، ساعتها، لا تكاد تخرج عن سوسيولوجيا الأدب بصفة عامة.

وعلى ذكر التكوين العلمي في الجامعة المغربية، يشير الباحث إلى أن لائحة الروايات التي كانت مدرجة في مقرر الدراسة، شملت عناوين مثل: “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، “آنا كرنينا” لليو تولستوي، “الأشجار واغتيال مرزوق” و”شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، “الزمن الموحش” لحيدر حيدر، “السفينة” و”البحث عن وليد مسعود” لجبرا إبراهيم جبرا، “نجمة أغسطس” لصنع الله إبراهيم… وغيرها من النصوص الموازية والمتممة لأجزاء المقرر الدراسي.

كما يلفت الكاتب إلى أنه في دراسة الأنواع الأدبية، كان الشعر حاضرا بقوة، قديمه وحديثه، في المغرب والمشرق. خاصة حركة الشعر الحديث، التي درس تياراتها ومدارسها وأعلامها مع أستاذين وشاعرين، لهما موقعهما في هذه الحركة نفسها، وهما أحمد المجاطي ونذير العظمة. وإن قائمة الأسماء التي تمثل هذه الحركة الحديثة تكاد لاتنتهي: من بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبدالوهاب البياتي، أحمد عبدالمعطي حجازي، أمل دنقل، صلاح عبدالصبور، أدونيس، محمود درويش، أحمد المجاطي، سعيد عقل، خليل حاوي.. بالإضافة إلى قائمة الشعراء في الغرب.

هذا ما جعل الحداوي ينجذب إلى الشعر ونقده، تماما كما فعل مع السرد، بالقراءة والعرض والبحث إلى هذه اللحظة، فنشر ديوانا شعريا تحت عنوان “زميرالدا”، يستلهم الفضاءات الإيطالية الجميلة، وبصفة خاصة شواطئ “زميرالدا” بجزيرة سردانيا، الخلابة للعقل والقلب.

وظيفة الجامعة في البحث العلمي ليست بالضرورة هي وظيفة المؤسسات الثقافية في المجتمع


أدب الرحلة


إذا كان للرواية والشعر هذا الشأن والاهتمام عند الباحث، فإنه اهتم أيضا بالرحلة، باعتبارها جنسا أدبيا، لم ينل حظه من البحث في ذلك الوقت، إذ كان الشعر والرواية هما النوعان الأدبيان المهيمنان في البحث والنقد والتداول الثقافي. لذلك انكبّ الحداوي على قراءتها وفحصها والبحث فيها. خاصة وأن الخزانة المغربية تزخر بنصوص رحلة عميقة ونادرة، من أنواع مختلفة، تنتمي إلى الأدب الدبلوماسي، الرحلة السفارية، والنصوص الكلية، رحلة ابن بطوطة، والرحلة الحجية أو الزيارية الخ..

كان من نتائج هذا التنقيب كتاب: “الرحلة السفارية، إنتاج الدلائل ومنطق الأشياء”، الذي حاز جائزة ابن بطوطة للدراسات، ضمن الجوائز التي يمنحها المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق، برعاية من الأديب محمد أحمد السويدي، وتحت إشراف الشاعر نوري الجراح.

يقول الباحث: “إذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن سجلّ هذا المركز من نصوص الرحلة المحققة، والدراسات العلمية المحكمة عن الرحلة بمقارباتها المتنوعة، والتي اخترت شخصيا منها المقاربة السيميائية، ومال غيري إلى مقاربات أخرى، والندوات العلمية الموازية لموضوعات الرحلة، التي تقام في أقطار عربية وإسلامية من المغرب إلى السودان، والجوائز المثمّنة لأعمال الباحثين والمبدعين في هذا الجنس الأدبي، وأنشطة أخرى لا تحصى ولا تعد، هي من العلامات الدالة على ديناميكية المركز، الذي لا تضاهيه فيها أي مؤسسة رسمية أو غير رسمية في العالم العربي، بفضل ثلة من الأدباء والفنيين والمدققين العاملين فيه”.

يواصل قوله: “إن الرواية والرحلة تنتسبان إلى السرد. ويتضمن الشعر، كما نعلم، في بنيته التكوينية أنماطا من المحكيات، وبالمقابل يحتوي السرد على لغة وشواهد شعرية. بهذه الصورة في النظم الحكائي والشعري، تبدو الصلة بين الأنواع الأدبية الثلاثة متداخلة ومتجاورة ومفتوحة، ولا تطرح أي معضلة على مستوى المقاربة النصية”.


النقد المغربي


عن تميز الخطاب النقدي المعاصر عند الأدباء والباحثين المغاربة بالدقة والعمق والنمو وفقدان هذه السمات في الخطاب النقدي عند نظرائهم المشارقة، يؤكد الحداوي على أن العلاقة بين الشرق والغرب في العالم العربي لم تنقطع البتة، على مر العصور والأزمان، سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، ودينيا، واجتماعيا. بل يرى أن المغاربة فتحوا الأندلس، وجعلوا المشارقة حكاما عليها. وفي العصر الحديث، ومع تباشير الاستقلال الأولى، استعانت بلدان المغرب العربي بكفاءات تربوية في صياغة برامجها التعليمية وتحيينها. وامتدت هذه المثاقفة إلى المتخيل الإبداعي في الرواية والشعر، والإنتاج السينمائي والمسرحي، والمسلسلات التلفزيونية، والأغنية، والفكر، والخطاب النقدي كذلك.

العقل المستفيد قد يميل إلى بعض حقول المعرفة دون البعض الآخر، لكن جميعها تتطلب تحصين الذات معرفيا

يشير الكاتب كذلك إلى أن الجامعة المغربية احتضنت أساتذة من المشرق، وظل البعض منهم يشتغل فيها إلى أن قضى نحبه، كالدكتور أمجد الطرابلسي. ومع توطين الدرس الأكاديمي التقعيدي على يد ثلة من الباحثين الأوائل، أمثال محمد برادة، وأحمد اليبوري، وأحمد المعداوي، ومحمد بنشريفة، وعباس الجراري، ومحمد السرغيني، ومحمد بن تاويت، ومع انفتاح برامج المسالك على الآفاق الرحبة للمعرفة الكونية، بدأ التكوين الجامعي يعطي ثماره، ويمارس تأثيره في الساحة الثقافية المغربية، ظهر جيل من الباحثين والنقاد والمبدعين، الذين واكبوا تطورات الزمن الأكاديمي والتطور الثقافي بحثا ونقدا وإنتاجا، وبصفة خاصة في حقل الأدب الحديث.

فالحداوي يرى أن الجيل الأول من الأساتذة، يعتبر جيلا مؤسسا للخطاب النقدي والدرس الجامعي، حيث شاع اسم كل من محمد برادة، وأحمد اليبوري، وعبدالفتاح كيليطو، ومحمد مفتاح، في هذا الميدان المعرفي. وسار على درب خطاهم نفر من الباحثين والنقاد من أجيال مختلفة، نذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر: إبراهيم الخطيب، حسن المنيعي، إدريس الناقوري، حميد الحميداني، نجيب العوفي، رشيد بنحدو، بشير القمري، سعيد يقطين، عبدالرحيم جيران، محمد الماكري..

يرى الباحث أن المباحث التي أنجزها هؤلاء، اتسمت، في موضوعات وأنواع أدبية مختلفة، بخصائص نجملها في التمثل الإدراكي للخلفية النظرية، والتدقيق المتناهي في المفاهيم الإجرائية، والضبط الإسنادي لمستويات التحليل، والصرامة المنهجية الواضحة، والرؤية الحصيفة للمتن المدروس، قراءة وفحصا وتقطيعا، والتشييد البنائي لألفاظ اللغة الواصفة. كل ذلك تم ضمن مشروع استثماري ووعي جلي للمقاربات المنهجية الحديثة بأصولها وفروعها من سوسيولوجيا، وعلم نفس، وشعرية، ولسانيات، وأسلوبيات، وبنيوية، وبنيوية تكوينية، وأنثروبولوجيا، وسرديات، وسيميائيات، وهيرمينوطيقا، وتحليل خطاب.

يسترسل قائلا: “إن الوعي الجلي، والمقاربات الحديثة تطمح إلى النص، ونظرية التلقي الخ. وباختصار، ربطت موسوعة الدراسات المغربية بين التبصر النظري في التأمل والمفهوم، وبين البرهنة النصية في التدليل والحجاج والاستشهاد. ولا تخفى على أي مؤرخ للنظريات الأدبية والنقدية، الطاقة العقلية التي تبذل في هذا النوع من المباحث، لكي تستوي بالمواصفات التي أشرت إليها، وبالتلخيص المقتضب الذي بسطته في الجواب المتواضع. فبناء على هذا أضحى للدراسات الأدبية المغربية صداها العميق في الفضاء الثقافي العربي، وأصبحت حاضرة بقوة وكثافة في اللقاءات والمنتديات والمؤتمرات العلمية، وأدرجت في برامج المؤسسات الأكاديمية بفعل كفايتها العلمية الرفيعة.

14