الطائفة في خدمة السياسة.. شعار الأسد وحزب الله ودولة ولاية الفقيه

الثلاثاء 2013/10/08
سياسة حزب الله والأسد: التوظيف الطائفي هدف لتحقيق غايات سياسية

العلاقة التي نشأت بين حزب الله اللبناني ونظام الأسد منذ البداية تجاوزت دائرة المصالح السياسية والاستراتيجية للهيمنة على هذه المنطقة الحساسة من العالم وتحقيق الأجندة الإقليمية، إلى ما هو أبعد من ذلك. لقد حاول حزب الله استنساخ التجربة التي اعتمدها الأسد في الهيمنة على طائفته العلوية واختطاف قرار تمثيلها وربط مصيرها به إلى درجة التماهي معه، حتى باتت الأصوات المستقلة التي يمكن أن تبرز هنا أوهناك داخل الطائفة أشبه بمن يغرد خارج السرب.

عندما قام حافظ الأسد بانقلابه العسكري عام 1970 كان حجم رصيده من ضباط الطائفة العلوية داخل الجيس السوري محصورا في الرتب الصغيرة التي أدخلها إلى الجيش بعد انقلاب عام 1963. وكان ولاء الرتب العسكرية الكبيرة من الطائفة العلوية يتوزع بين صلاح جديد ومحمد عمران، الأمر الذي جعله يعتمد على مجموعة من ضباط الطائفة السنية يتقدمها مصطفى طلاس، الضابط الأكثر إخلاصا وولاء له، إضافة إلى اللواء ناجي جميل وشقيقيه مسؤوليْ المخابرات الجوية آنذاك والعماد حكمت الشهابي وعلي ظاظا وعدنان دباغ. لكن حافظ بعد تمكّنه من السلطة وحصوله على الدعم الدولي السوفياتي والأميركي والدعم العربي على حد سواء بدأ بتقليص صلاحيات تلك الشخصيات والحد من دورها ونفوذها داخل الجيش والمؤسسات الرسمية والقرار السياسي إلى أن تمكن من إزاحة أخطرها، ناجي جميل وشقيقيه من مواقعهم عندما استشعر تزايد نفوذهم، تاركا لمصطفى طلاس دورا هامشيا بعد أن استحدث لنفسه منذ بداية انقلاب 1970 منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة وألحق به كل القرارات العسكرية الهامة والأساسية التي تجعله يمسك بورقة الجيش بصورة كاملة.

عمل الأسد الأب خلال السنوات التي تلت انقلاب 23 شباط 1966 وتوليه لوزارة الدفاع على فتح باب التطوع أمام عدد كبير من شباب الطائفة كضباط في الجيش، في حين كلف شقيقه رفعت الأسد الرقيب المتطوع سابقا في إدارة الجمارك بتشكيل سرايا الدفاع التي ستلعب فيما بعد دورا حاسما في إنشاء جيش مواز للجيش السوري النظامي ولكن ذات صبغة طائفية توكل إليها مهمة حماية النظام والسيطرة على العاصمة دمشق. لذلك كان طبيعيا أن لا تشارك هذه القوات في أي من الحروب التي خاضتها سوريا ضد إسرائيل في عامي 1973 و1982 تحت ذرائع مختلفة لأن وظيفتها ودورها كان محصورين بتأمين الحماية للنظام ما جعل رفعت الأسد يتحول إلى الشخصية الثانية في هرم السلطة، سواء من حيث الأهمية والموقع أو من حيث النفوذ، وذلك مقابل تآكل مواقع ضباط الطائفة السنية وأدوارهم، حتى بلغ الأمر به أن يوكل لضباطه بعد أن باتت مفارز قوات سرايا الدفاع تحكم سيطرتها على جميع المطارات العسكرية أن يتولوا مهمة إهانة هؤلاء الضباط من الطائفة السنية بهدف إذلالهم وتحجيمهم.

وتجلت مهمة قوات سرايا الدفاع في تلك الفترة في استقطاب شباب الطائفة لاسيما الفاشلين دراسيا منهم أو بسبب انعدام فرص العمل في منطقتهم التي أهملت وتركت دون أية محاولة لتطويرها على الرغم من أهميتها السياحية وذلك بهدف دفع أبناء الطائفة للتطوع في صفوف الجيش والأمن مقابل رواتب مغرية وامتيازات كثيرة، الأمر الذي جعل سرايا الدفاع فوق القانون وخارج أية سلطة حتى أصبحت قوات مارقة يخافها جميع السوريين مهما كان موقعهم.


استقطاب علوي


استطاع الأسد من خلال كثافة أعداد المتطوعين من أبناء الطائفة في السلك العسكري والأمني أن يهيمن على المفاصل الأساسية في المؤسستين الهامتين معتمدا على الضباط الأكثر ولاء منهم. بموازاة ذلك عمل النظام ومنذ نجاح انقلابه على تصفية جميع القيادات العلوية بدءا بصلاح جديد الذي أودعه السجن حتى وفاته ومرورا باللواء محمد عمران الذي كلف مجموعة من قوات الصاعقة بعملية اغتياله في مزرعته بمنطقة طرابلس اللبنانية وذلك بغية تصفية رموز تلك الطائفة بصورة تتيح له أن يكون الشخصية الأولى داخل الطائفة والتي تستطيع أن تستقطب حولها كل أبناء الطائفة. ومن أجل تعميق دائرة الاستقطاب للطائفة وتوسيعها حوله قام بالعمل على تقريب وجوه الطائفة منهم، وفي مقدمتهم الوجوه الدينية وجعل لهم الحظوة حتى أن توزيع الضباط العلويين الكبار على المواقع الأمنية والعسكرية الأولى كانت تتم وفقا لترتيب قوة تلك العشائر. وترافق كل هذا مع التعبئة الداخلية والتعبئة النفسية التي كانت تقوم بها تلك الجهات في صفوف الطائفة من أجل خلق شعور لديهم بالتميز الذي يجعلها جديرة بقيادة سوريا والاستعلاء على المكونات الطائفية والقومية الأخرى في سوريا.

وكانت لي في نهاية السبعينات حكاية مع إحدى شخصيات الطائفة كادت أن تودي بي إلى السجن بعد أن دخلت في مشادة معها حول أسباب هذه النظرة الشوفينية التي بدأت تظهر بشكل سافر عند العديد من مثقفي الطائفة. لكن المفارقة الأكبر كانت تتمثل في محاولة إضفاء بعد رمزي أكبر على شخصية القائد الملهم من خلال إسقاط صفة المقاوم والمقاوم العنيد للمشاريع الأميركية والإسرائيلية في المنطقة حيث تتسع الهالة المحيطة به في أعين مريديه ويكون لهم مبرر شرعي في الدفاع عنه في وجه خصومه من ( العملاء والخونة السوريين)، لكنه عندما كان يقوم بعقد الصفقات الخاصة مع الغرب وأميركا، فإن ذلك يعود لحكمة القائد ورؤيته الرشيدة. صحيح أن الأسد الأب عمل من خلال استثمار وسائل الدعاية والإعلام على محاولة تكريس تلك الصورة للقائد الملهم، لكن تأثيرها والإيمان بها لم يكن بالمستوى الذي كانت عليه في صفوف الطائفة، التي كان عليه، من أجل كسب تعاطفها والتفافها حول نظامه، أن يعمل على زيادة شعورها بأنها من يحكم وذلك عبر تحقيق الكثير من المكاسب لها سواء في فرص التوظيف أو في البعثات التعليمية إلى الخارج وكلنا يذكر المشادة التي حدثت في اجتماع للقيادة القطرية بين الأمين القطري جابر بجبوج ورفعت الأسد بشأن البعثات التعليمية عندما كان الأخير مديرا لمكتب التعليم العالي في القيادة بسبب احتجاج بجبوج على كون ما يزيد على ثمانين بالمائة من المبتعثين هم من أبناء الطائفة، ما دفع برفعت الأسد إلى توجيه صفعة له وشتمه. هكذا بدأ النظام بخلق حالة من التماهي بين الطائفة وبين النظام ممثلا ومختزلا بشخصية حافظ الأسد وذلك من خلال المكاسب التي حققها لهم. صحيح أن ثمة بعدا سيكولوجيا واجتماعيا كان يفعل فعله على مستوى تكريس شخصية القائد الملهم إلى درجة بات يشكل فيها بعدا رمزيا يمنح وجودها القيمة والمعنى، وهو ما يستحق الموت من أجله ولعل ما حدث في سوريا خلال العامين ونصف العام من استبسال للطائفة في الدفاع عن النظام يدلل بوضوح كبير على هذه العلاقة التي اتخذت طابعا وجوديا بالنسبة إليها.


حزب الله على خطى الأسد


لم تكن الوسائل والأساليب التي اتبعها حزب الله في تكريس نفوذه داخل الطائفة الشيعية ومصادرة قرارها السياسي مختلفة عن الوسائل والأساليب التي اتبعها حافظ الأسد، بل يمكننا القول إن ثمة تماهيا على هذا المستوى تجلى في قيام الحزب منذ نشوئه باغتيال أهم الشخصيات السياسية والفكرية داخل الطائفة وتصفيتها وفي مقدمتهم مهدي عامل وكامل مروة إضافة إلى محاولة إخضاع حركة أمل التي كانت تمثل الفصيل السياسي المسلح الأكثر نفوذا داخل الطائفة حتى استطاع الوصول إلى هذا الهدف في معارك إقليم التفاح.

في نفس الوقت عمل الحزب المدعوم سياسيا وعسكريا من نظام ولاية الفقيه في إيران على احتكار العمل المقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان من خلال منع القوى الوطنية، التي كانت تتولى هذه المهمة منذ بداية الاحتلال، من العمل داخل الأراضي التي يسيطر عليها في الجنوب والبقاع الغربي، في حين كان الحرس الثوري الإيراني يقوم بعمليات تدريب عناصر الحزب وكوادره المقاتلة وتأهيلها، ويزودها بالأسلحة والعتاد والمال تحت غطاء سوري كامل وذلك بهدف إضفاء الشرعية السياسية على وجوده وتعزيز ترسانته العسكرية التي ستتحول إلى عنصر مهم في معادلة لبنان الداخلية وفي الصراع مع إسرائيل وهو ما كانت تسعى إلى تحقيقه إيران في هذه المنطقة. أما على الصعيد الشعبي فقد بدأ الحزب بعملية استقطاب واسعة للطائفة التي كانت تعاني مناطقها من الإهمال وغياب الرعاية لاسميا في مرحلة الحرب الأهلية وغياب الدولة، وذلك من خلال المساعدات الغذائية والمالية التي بدأ بتوزيعها على السكان مقابل إعلانهم الولاء تحت غطاء ديني مذهبي كان يحاول من خلاله تكريس ظاهرة الشيعة السياسية بعد أن كانت تلك الطائفة من أكثر الطوائف اللبنانية انخراطا في العمل الحزبي داخل الأحزاب القومية واليسارية.

نجحت تلك السياسة في استقطاب قطاعات واسعة من خلال عملية التعبئة السياسية والدينية العقائدية التي ترافقت مع فتح أعداد كبيرة من المدارس الخاصة التابعة للحزب، والتي ساهمت إلى حد كبير في عملية التعبئة وخلق جيل جديد يؤمن بأفكار الحزب وأيديولوجيته ومستعد للتضحية من أجلها. وكان لا بد للحزب من أن يحقق الانتصارات العسكرية ضد الاحتلال العسكري من أجل تعزيز مكانة الحزب داخل الطائفة وعلى الساحة اللبنانية، ما شكل غطاء واسعا للحزب ساعده على تمرير ممارساته السياسية والاجتماعية والتربوية الأخرى حتى تحول إلى لاعب رئيس يصعب القفز فوقه في المعادلة السياسية اللبنانية. وقد لعبت الشخصية الكاريزمية لأمين الحزب حسن نصرالله وتفرده لسنوات طويلة في قيادة الحزب، حقق الأخير فيها جل انتصاراته في الجنوب، دورا هاما على هذا الصعيد على غرار ما فعلته شخصية حافظ الأسد بالنسبة إلى الطائفة العلوية. لقد كان من الطبيعي في ظل هذا التماهي في الأدوار والأهداف والممارسات السياسية والاجتماعية والفكرية أن يوظف حزب الله كل ما يملكه من قوة وخبرات عسكرية وأمنية للقتال إلى جانب قوات النظام ضد قوات المعارضة المسلحة في سوريا، وأن تلعب أجهزة إعلامه دورا تضليليا واسعا لتشويه صورة الانتفاضة الشعبية السورية في محاولة لمنع سقوط النظام لأن ذلك سيفقدها حليفها الأقوى ونقطة ارتكازها وتواصلها مع راعيها الإيراني، ذلك أن سقوط هذا النظام سوف يحرمها من كل هذه الامتيازات والمكاسب التي يوفرها النظام لها.

إن هذا التماهي بين حزب الله ونظام الأسد يستند إلى قاعدة واحدة هي قاعدة التسييس المذهبي وتوظيفه لخدمة المشاريع الطائفية سياسيا ولذلك فإن هذا التلاقي بينهما في النهج والممارسة والفعل لا يتم على قاعدة المصالح المشتركة والحسابات الإقليمية وحسب بل يتجاوزه إلى الطبيعة الخاصة للتوظيف الطائفي وجعله هدفا لتحقيق أهداف سياسية حيث تؤمن له عنصر الحماية وأدوات تحقيق أهدافه بعد أن تجعل عملية التماهي بين الطرفين أمرا مستحيلا.

ولعل في استبسال وحدات جيش النظام ذات الطبيعة الطائفية وكذلك استبسال وحدات حزب الله المقاتلة إلى جانب النظام ما يؤكد هذه الحقيقة التي باتت فيه الطائفية السياسية تتماهى مع الحزب والطائفة والحزب مع القائد الملهم حيث يتحول إلى رمزها الذي تختصر وجودها كله فيه.

7