الطائفية الثقافية المقنعة

الثلاثاء 2017/07/25

الطائفية المقنعة في الثقافة اتخذت مظاهر وأشكالا متعددة، كانت تقف وراءها زعامات ونخب ثقافية تحقيقا لمصالح وأهداف بائسة. خطورة هذه الأعمال أنها تحاول أن تلغي الهوية الوطنية والإنسانية للفكر والأدب لصالح الطائفة. العلاقة بين الفكر والطائفة في هذا السياق هي معطى قيمي وهوياتي، يحيلنا إلى عصر الطوائف والهويات المذهبية المتناحرة.

من هذه المظاهر الثقافية المقنعة صدور العديد من المؤلفات والموسوعات الخاصة بأدباء وأعلام الفكر الخاصين بهذه الطائفة أو تلك. الغريب والمحزن أن أحدا لم يتناول خطورة هذه الظاهرة، أو يكشف عن غاياتها وأهدافها، التي تحاول إنتاج ثقافة الطوائف، مقابل ثقافة المجتمع والقيم الأصيلة، وتختزل الإبداع في جماعة دون غيرها.

هذا الوعي الزائف يعيدنا إلى ممارسات وأطروحات عرقية وقومية عفا عليها الزمن، ودفعنا وما زالنا ندفع من وحدتنا واستقرار مجتمعاتنا وتطورها ثمنا باهظا. المشكلة عند أصحاب هذا الوعي المتخلف أنهم يتناسون أن فضاءنا الثقافي واحد، وأن النبوغ والفكر عند هذا الأديب أو المفكر لا علاقة لهما بالهوية الدينية أو الطائفية لهذا الأديب أو المفكر أو العالم، وإن الفكر والأدب عابران لكل هوية وعرق.

المفارقة أن أصحاب هذه الموسوعات والدراسات يتناسون مثلا أن أغلب شعراء وكتاب العرب القدماء كانوا قبل أن تظهر الانقسامات الطائفية ينتمون إلى أرومة دينية وثقافية واحدة، وأن هذه الأرومة كانت وما زالت هي الحاضنة لجميع هذه الطوائف على اختلاف مسمياتها.

كذلك يغفل هؤلاء الباحثون أن هذه الظاهرة سبقهم إليها في الماضي أصحاب المصنفات الخاصة بشعراء القبائل، عندما كان الوعي الاجتماعي والثقافي لا يتعدى حدود القبيلة. في تلك الحقبة ظهرت مؤلفات ومعاجم كثيرة خاصة كان الهدف منها تمجيد هذه القبيلة أو تلك، فهل يعقل أن هذا الوعي لم يتطور تاريخيا عند البعض عندما استبدل القبيلة بالطائفة.

في هذا السياق راجت في نهايات السبعينات من القرن الماضي في سوريا مقولات خاصة عن تفرد إحدى الطوائف بكثرة المبدعين والمفكرين فيها. كان الترويج لهذا الخطاب يتم من قبل السلطة في إطار عملية التعبئة التي كانت تقوم بها في إطار معركتها مع تنظيم الإخوان المسلمين. والمؤسف أن هذا البعد الطائفي يتخذ حاليا بعده العنيف والدموي بعد أن سقطت جميع الأقنعة.

المؤلم أن التاريخ الحديث للدولة الوطنية لم يستطع تكريس ثقافة الحرية والديمقراطية، ولا أن يرسخ مبدأ المواطنة والانتماء الوطني، فظل التعبير عن هذه الهويات الضيقة يتخذ أقنعة مختلفة للتعبير عن نفسها. ما يحدث حاليا من استثمار سياسي دموي عنيف في الطائفية هو تتويج لهذا السياق التاريخي والسياسي العدمي.

كاتب سوري

15