الطائفية العونية ومصلحة المسيحيين

الجمعة 2015/07/10

لم تكن في الطائفية يوما مصلحة وطنية، في أي بلد ولا تحت أي شروط، ولا حتى مصلحة لطائفة من الطوائف في بلد متنوع كما بلداننا العربية. ولطالما كانت الطائفية، ومثلها المذهبية والعشائرية والنزعة القومية الشوفينية، تشكل متراسا لقوى وأشخاص يطمحون لبناء مجدهم الشخصي على جماجم أتباعهم.

فمن صالح مسلم إلى ميشال عون، وكثيرون مَن هم على شاكلتهما، يتم تعميمُ الأوهام والتفاهات على أنها حقائق تاريخية وموضوعية لا لبس فيها، وتُرسم الخطط والمناورات حرصا على تحقيق “الحلم الكردي” هناك، وعلى “مصالح المسيحيين” هناك، وكأن الأكراد في سوريا والمسيحيين في لبنان جماعتان منفصلتان عن واقع البلدين وتاريخهما وعن واقع المنطقة وما تفاعل وتداخل وتناغم واضطرب فيها من عوامل وخضات وتفاعلات وتدخلات.

لقد دمرت القوى الطائفية لبنان، وأزهقت بحروبها مئات آلاف الأرواح وهجرت أكثر من ذلك، ثم رهنته لنظام المخابرات الأسدية على مدى خمسة عشر عاما بعد اتفاق الطائف الذي أعاد توزيع الحصص بينها، فكان أن زادت حصة القوى “المسلمة” إلى النصف، ولكن، ماذا حقق “المسلمون” في لبنان من نفع وماذا حققت البلاد؟ ألم يتعلم اللبنانيون أنه ما من مصالح خاصة بالمسلمين على حدة، أو مصالح خاصة بالمسيحيين على حدة، وإنما هناك نقيضان فعليان يمكن أن يتجسد أحدهما على حساب الآخر على أرض الواقع: إما مصلحة الوطن والمواطنين في إطار المواطنة المتساوية، تحت سقف قوانين يحترمها الجميع وتسري على الجميع وفي ظل مؤسسات مستقلة، وإما مصالح أمراء الحروب و“زعماء” الطوائف وركائز التبعيات؟

وهل حققت شعوبنا يوما إنجازا يعتد به ويُفتخر كمثل ما تحقق تحت شعار “الشعب يريد”؟ حيث تجاوزت كل ما رسم لها من حدود طوائفية ومذهبية وعشائرية وإثنية؟

وحيث ترتفع الأصوات المدافعة عن مصالح هذه الطائفة أو تلك الأقلية، فتش عن أجندات قوى الهيمنة. فما من قوى طائفية أو أقلوية إلا وتُرتَهن لخارج مُعاد، يَعِدُها بما تحلم من طموحات ليصل بها إلى التبعية الكاملة.

دمرت القوى الطائفية لبنان، وأزهقت بحروبها مئات آلاف الأرواح وهجرت أكثر من ذلك، ثم رهنته لنظام المخابرات الأسدية على مدى خمسة عشر عاما

فهل يظنن أحد أن بإمكان صالح مسلم تحقيق حلمه بإمارة كردية في شمالي سوريا بدون أن يتذيل لقوى خارجية تضمر مصالح كبرى من ضرب استقرار تركيا وتحطيم وحدة سوريا؟ وكيف تفعّل دورُه وحضورُه بهذا الكم من الدعم الأميركي، ولماذا بعد أن فاز حزب الشعوب الديمقراطي بالدخول إلى البرلمان التركي بطموحِ أن يصبح حزب تركيا الغد؟

أما ميشال عون، الجنرال الذي لم يقدم للمسيحيين سوى الخراب والقتل والتهجير في أواخر أيام الحرب الأهلية في لبنان، والذي يزعق اليوم دفاعا عن مصالح مزعومة للمسيحيين، فقد أسس تياره البرتقالي باعتباره تيارا وطنيا حرا عابرا للطوائف حريصا على وحدة واستقلال لبنان، وإذا به اليوم بعد أن قُوّض حلمُه بالوصول إلى سُدّة الرئاسة وبتولِيَةِ أصهاره وذويه مناصب عليا في الجيش وفي الحكومة، ها هو اليوم يعلن أنه بات من المتعذر الاستمرار مع شركائه في الوطن، طارحا الفدرالية الطائفية باعتبارها تُحرِّر المسيحيين من هيمنة الطوائف الأخرى، مؤكدا عن جهله التام بما تعنيه الفدرالية وبشروطها الموضوعية وأهدافها المتوخاة. فهل يظن الجنرال عون أنه بهذا الطرح يمكنه أن يصبح رئيسا للجمهورية؟

لقد رافق الفشل الجنرال عون في كل مرة حاول فيها تحقيق حلمه الأثير. فقد فشل في تسنُّم سُدّة الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين جميل، ثم فشل في ذلك بعد انتهاء ولاية الجنرال إميل لحود، ولكن فشله هذه المرة وبعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وفي ظل ما تشهده الأوضاع من تنازعات القوى الإقليمية التي استنفرت كل جهودها لكسر شوكة الشعوب وثوراتها وخصوصا في سوريا حيث يغرق حليف الجنرال ومشغله حزب الله ومِن ورائه نظام الملالي-البازار في طهران في قمع ثورة الشعب السوري وخارج أي مشروعية محلية خصوصا بخرقه لإعلان بعبدا الذي توافقت عليه قوى السلطة، بما فيها حزب الله، تحت عنوان النأي بلبنان عما يجري في المنطقة، أي في ظل سطوة حزب الله الداخلية التي مكنته من تجاوز الدولة ومؤسساتها وتعهداتها وتوافقات قواها، وبعد أن تجاوز جنرال الرابية الثمانين من عمره. هذا الفشل أثار ليس غضبه بل جنونه إلى حدوده القصوى ليطالب أتباعه بالنزول إلى الشارع للضغط من أجل تحقيق مطالبه وطموحاته معتبرا إياها مصلحة وجودية للمسيحيين في الشرق، بعد أن كان أسهم في منع انتخاب رئيس للبلاد على مدى أكثر من سنة، وبعد أن أربك وعطل عمل الحكومة على مدى أسابيع.

إن ما يصوره الجنرال ميشال عون مصلحة للمسيحيين ليس إلا تضخّما للنزوع الذاتي يجد مبرره في مصادرة باقي مافيات السلطة الأخرى للتمثيل الطوائفي ومتكئا على سطوة حليفه حزب الله المدجج بالأيديولوجيا المذهبية وبالسلاح. غير أن ما لا يتمتع به الجنرال من دهاء القوى المافيوية الأخرى وما تمثل من مصالح قوى الهيمنة سيجعله مثار سخرية للجميع.

وعليه، فإن المسيحيين في لبنان لن ينجروا لمثل هذه الممارسات، وشعبية العماد عون ستصاب بانتكاسة بالغة. غير أن الأهم هو مدى إدراكنا أن مصلحة المسيحيين لن تكون إلا مصلحة كل اللبنانيين، والتي لا يمكن أن تتجسد إلا بسيادة مبدأ المواطنة المتساوية للجميع في رعاية مؤسسات وطنية مستقلة تخضع للقانون. وبالتالي، الخروج من وصاية زعماء المافيات الغاصبة للسلطة والتحرر من سجون الفئويات والعصبيات الطائفية والمذهبية، إلى رحاب الوطنية الجامعة.

كاتب لبناني

8