الطائفية المذهبية والتعصب الديني عاملا تهديم لبنية المجتمعات

كتاب “الطائفية والتقسيم” للكاتب صلاح شعير يبين الآثار السلبية للتعصب الديني داخل المجتمعات العربية، ورغم أن الدراسة قد حصرت مجالات اهتمامها داخل البيئة المصرية، إلا أن مفهوم التطرف والتعصب لا يقتصر على العداء بين أتباع الأديان فقط بل يتجاوز الأمر ذلك لتبرز صورة الصراع المذهبي داخل الدين الواحد ما يجعل المسألة الطائفية أشبه بالسوس الناخر لبنى المجتمعات ويصبح الاختلاف سببا للتفرقة والغلو والتطرف بعد أن كان التنوع سمة قوة وتآلف لهذه المجتمعات.
الجمعة 2015/10/16
العداء العقائدي والمذهبي والطائفي يحمل شرارة الفرقة والاقتتال

القاهرة - الحديث عن الطائفية أو التعرض للمتعصبين هو بالتأكيد مغامرة غير محسوبة العواقب، والباحث في هذا الشأن إذا أراد أن يكون منطقيا سوف تكون تعرية أيّ من الطرفين دافعا قويا لإطلاق وابل من السهام عليه، لأن العنف لدى المتعصبين عادة ما يكون جزءا من تكوينهم النفسي، وتعاني مصر من التطرف الذاتي، وهو خلاف في الرأي يحدث داخل الدين الواحد، أو المذهب الواحد، وتظهر أمامنا صورة ومثال لنوع من التطرف داخل الجانب المسلم أضر بالمسلمين أنفسهم قبل غيرهم، ولم يسلم الجانب المسيحي نفسه من قوى التعصب الذاتية ومحاولات فرض الرأي بالقوة.

يستعرض الباحث بعض الأحداث الطائفية بمصر، قائلاً: يرى باحثون أن بداية الفتنة الطائفية ظهرت بمصر مع وصول البابا شنودة لكرسي البابوية، حيث سعى لإفشاء تنظيم مسيحي سري يسمّى الأمة القبطية، وكان من أهدافه إنشاء دولة مسيحية في مصر، وسعى منذ توليه البابوية إلى تحقيق حلمه هذا.

ويشير إلى حوادث كانت بسبب اعتداء مسيحيين على الدين الإسلامي، وهي حوادث عادة ما تكون فردية ولا تمثل اتجاهاً عاماً، فلا يمكن لأقلية أن تفتعل مواجهة مع الأغلبية وفقاً للمنطق، وتلك الحوادث لا تمثل إلا مرتكبيها إلا إذا كانت برعاية خارجية لفتح ملف للتوتر داخل البلاد، ومن تلك الحوادث يذكر مسرحية تهاجم الإسلام، عندما قام بعض الشباب المسيحيين بإنجاز مسرحية بعنوان “كنت أعمى وأصبحت الآن مبصراً” بالإسكندرية.

ويقدّم الباحث بعض التعريفات لمفهوم التعصب، فيذكر التعصب في اللغة العربية وهو التصاق جامد بالأصل سواء كان هذا الأصل أيديولوجيا أو دينيا أو غير ذلك. وتعريف بارون وزملائه، إذ يرون التعصب كاتجاه سالب أو موجب إزاء أعضاء جماعة ما يقوم فقط على أساس عضويتهم في هذه الجماعة، بمعنى أن المتعصب يميل لتقييم أعضاء الجماعة موضوع التعصب بطريقة محددة سالبة أو موجبة، لمجرد أنهم ينتمون إلى هذه الجماعة وليس وفقاً لسلوكياتهم وخصائصهم الشخصية.

المتدينون لا يؤسسون للطائفية الدينية فحسب، بل تمتد آثارهم إلى الطائفية المذهبية داخل الدين الواحد

ويذكر الباحث أن أخطر ما يهدد الأمة هم أنصاف المتعلمين أو المتدينين، لأنهم لا يؤسسون للطائفية الدينية فحسب، بل تمتد آثارهم إلى الطائفية المذهبية داخل الدين الواحد، ومن صورها جريمة مقتل طالب بكلية الهندسة بالسويس أحمد حسنين، وذلك بعد مشادة كلامية، فتم طعن الطالب بآلة حادة، لفظ أنفاسه بمستشفى الإسماعيلية الجامعي. وأبرزت التحقيقات اعتناق المتهمين فكرا دينيا مشددا، وأنهم كانوا جماعة لفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وجهة نظرهم الدينية. ويشير الباحث إلى نموذج للحقد الطائفي، موريس صادق، قائلا: يظهر جليا للعيان متعصبون من أمثال موريس صادق ينتمون إلى تيار التعصب، فسبق أن وجه صادق في ديسمبر 2004 رسالة إلى أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل السابق إبان تفجر قضية وفاء قسطنطين، ناشده التوسط لدى الحكومة المصرية لإنهاء الأزمة، ودعا أيضاً إلى منح المسيحيين حكماً ذاتياً لمدة أربع سنوات قبل إقرارها، يتم فيها منح حريات التجمع والنشر، وتدعو إلى إشراف دولي على الحكم الذاتي من قبل حلف الناتو. ويتضح من تلك الآراء التي طرحها موريس صادق أنه ضد الدولة بكامل طوائفها، ويمثل صورة بغيضة للتعصب الأعمى والحقد الطائفي.

ويشير صلاح شعير كذلك إلى المخططات الطائفية لتغييب مصر والدول العربية، قائلا: هناك أيد تعبث بالأمن الداخلي لمصر، وتلك مجرد نماذج لما تم ضبطه، وما خفي كان أعظم، فعقب ثورة 25 يناير التي قامت بسبب الفساد السياسي، حدث فراغ أمني كبير تزامن مع حرق تسعة وتسعين قسما وفتح أربعة سجون وهروب أكثر من ثلاثة وعشرين ألف سجين. ويقول: إن زيادة حجم الأسلحة المهربة إلى مصر عبر كل الحدود تقريباً يصب في هذا الاتجاه لإشعال الفتنة الطائفية، وهناك أيضاً مخططات لفصل سيناء. فبعض الدراسات كشفت وجود علاقة تربط بين عدد من مليونيرات اليهود في مصر والحركة الصهيونية، فقد حاول مارولد باروخ عقد مؤتمر صهيوني في القاهرة والتنسيق مع بعض اليهود في الإسكندرية ليتقدموا للحكومة البريطانية طلب الحصول على أرضٍ في شبه جزيرة سيناء للجماعات اليهودية المهاجرة من شرق أوروبا لتصبح مستعمرة لهم، إلا أن الفكرة ماتت مع وفاة زعيم الحركة الصهيونية تيودور هرتزل عام 1904.

وقد تم إدراج النوبة ضمن مخططات التقسيم وتم العزف على ضياع حقوق النوبيين ضمن مشاريع سد أسوان والسد العالي لزرع روح الضغينة داخل نفوسهم، فمع أنه من حق الدولة نزع الملكيات العامة والخاصة للصالح العام في العشرات من المرات ونزع ملكية عشرات الآلاف من الأفدنة لبناء مشروع قناة السويس اعتباراً من 25 أبريل 1859 حتى إتمام عمليات الحفر في 18 نوفمبر 1862، وتم نزع الأراضي على طول 193 كيلومتراً لهذا المشروع، ولقد كان المدخل لتغذية النزعة الانفصالية لأهالي النوبة قضية التعويضات نتيجة للمشروعات المائية التي أقيمت من أجل مصر كلها، هذا مع كامل الحق لهم في الحصول على أراض زراعية مماثلة.

وفي خاتمة الكتاب، يذكر الباحث الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحروب الطائفية، قائلا: أما عن الآثار الاقتصادية، فقد أدت فترات الصراع إلى انخفاض التراكم الرأسمالي للدولة وانخفاض المستوى الكلي للاستثمار، إضافة إلى التضخم وارتفاع الأسعار وزيادة النفقات العسكرية وتدني الدخل العام للأفراد وتراكم المديونات الخارجية.

13