الطائفية تختطف الدين وحيوات الناس

السبت 2015/05/30

يمكن القطع بأن الحالة الطائفية أصبحت وباء عقليا تنتقل عدواه بحيوية بين المجتمعات ذات الطابع الديني، ولعل المصطلح نفسه له عمقه الديني الذي يسمح للمتطرفين بالعبث به، وإزاحته وفقا لمقتضيات حراكهم واتجاهاتهم، فيكتسب بذلك دلالات سلبية لا تتفق مع المنطق، وذلك يضعنا في حالة استغلال وتوظيف للدين بصورة فوضوية، تؤكد ما أشرت إليه مرارا حول قيمة العلمانية في عزل وفصل التطرف عن امتداده الديني القائم على التأويل المغرض والاجتهاد الخاطئ.

جريمة مسجد القديح الإرهابية تظل نموذجا منبوذا وسلبيا للطائفية المشوهة التي انحرفت بدين الناس، ووجهته لأهواء ذاتية يدعمها شحن مفرط لخطاب ديني غير منضبط، ونتيجة ذلك تحقق كراهية وعنصرية مذهبية وتمايزا واصطفافا عقديا يشتت أي مجتمع، وحين ننظر في فكرة الطائفة بامتدادها الديني فهي توصيف نقيّ لجماعات بعينها في سياقات محددة لم تكن لتخرج إلى مسارات منحرفة دينيا لولا الحضّ المفرط على الكراهية للآخر، لتصبح بذلك توصيفا له دلالات وقياسات أخرى، تنتهي إلى تفرق الجماعات والمجتمعات والأوطان.

عزل الطائفية عن عمقها الديني لا أتوقع أنه صعب، فنحن في حالة فكرية أكثر منها أمنية، إذ أن تنظيمات متطرفة مثل “القاعدة” و”داعش” حواضن دينية للتطرف الذي يفرط في التأويل السلبي لدلالات النصوص ومقررات الواقع الفعلي لحركة التاريخ الديني منذ دولة المدينة وحتى يومنا المعاصر، وهناك فراغات واضطرابات عبر حركة التاريخ في الأقوال والأفعال، ظهرت معها أمور مثل اختلاف الفقهاء، وهنا أصبح بعض الذين يستسهلون المرجعيات ينتقلون بين الآراء والأحكام بمرونة قادتنا إلى التطرف والاعتماد على أضعف الحلقات الفقهية واعتبارها جزءا من مرجعياتهم، ما يعزز فكرة الفصل الديني عن السياقات الدنيوية.

وصول المتطرفين إلى استباحة حرمة مسجد القديح وقتل وإصابة العشرات لا يتعلق بالفكرة الطائفية في حد ذاتها، بقدر ما هو إجرام ينطوي على جرأة وجرعة مرضية دينية أقنعت الفاعل بقيمة ما ارتكبه من جرم بحق دينه ومجتمعه ووطنه ونفسه والأبرياء الذين قضوا، ولم تكن بينه وبينهم معرفة انتهت إلى حالة سلبية حاقدة حفزته على الانتقام منهم، على سبيل المثال، وإذا تم فصل للخيار الديني في سلوكه، فمن الطبيعي أن يمضي حياته بعيدا عن خيارات طائشة ومتهورة كالتي اختارها، فهو شاب وكان بإمكانه أن يتمتع بحياته ويمنح الآخرين الذين قتلهم الحق في العيش بأمان وهم يتعبدون ويذكرون الله.

وصول المتطرفين إلى انتهاك حرمة المساجد مؤشر على جرأة أكثر وحشية تنطوي على جنون كامل، فالله الذي يذهبون إليه لم يأمر بذلك، قتل النفس التي تعادل قتل الناس جميعا، ما حدث وحشية وعدائية ودموية بغطاء ديني يجب أن يكشف، فيسلَمُ الفاعل والضحايا، فأغلب الفاعلين الإرهابيين صغار لم يتسن لهم الوصول إلى مرحلة عقلية تؤهلهم لاتخاذ قناعات وقرارات منطقية تتفق مع الخيارات الطبيعية لرفض مثل هذه السلوكيات الإجرامية، ولا نريد أن نصل إلى المرحلة التي تصفهم بأنهم ضحايا، ولكننا مطالبون بالنظر إلى الطائفية والتطرف في إطار فكري يقتضي مسألة الفصل حسب المجريات العلمانية حتى يحدث عزل وحجاب حاجز بين المتطرفين والاتكاء على العامل الديني لتبرير الإجرام بحق الفرد والمجتمعات.

من الضروري أن يتوقف الخطاب الديني الذي يمنح المتطرفين القدرة على البقاء طلقاء يتمتعون، زيفا، بنصرة دين أو حق يختلف عن الدين السلمي المتسامح الذي ينفتح على كثير من الحقوق الأساسية الموجودة في الدين، وينكرها كل إرهاب أي متطرف ويعمل عكسها وهما منه بنصرة مفرغة من مضمونها للدين والنص الذي يتبعه ويقنعه بما يعمل، هي حالة فكرية تحتاج إلى اجتثاث من العقل الديني المشوه بتهريج الدعاة الذين لا يحوجهم الحق للصراخ واستعداء الشباب على غيرهم وقيادتهم إلى حتفهم حتى عند عتبات بيوت الله.

كاتبة سعودية

9