الطائفية تطوق انتخابات العراق

لعبة تصعيد "الخطر السني" فاشلة وممجوجة لتخويف الشارع الشيعي الذي اكتشف الكثير من تزييف الحقائق، وأهمها الربط الوهمي بين التشيّع والتبعية لإيران.
الأحد 2018/03/18
الطريق الآمن

"لا سنة ولا أميركان نريد شيعة وإيران"، قد يصلح هذا المدخل أهزوجة شعبية، وأهلنا في جنوبي العراق أكثر قدرة على التعبير عنها وفق ما يسمّى بالحسجة، أي الرمز المبطّن كسخرية مؤلمة مما يحصل حاليا من ترويجات وتسويقات للدعاية السياسية الطائفية التقسيمية التي ما زالت بضاعة رائجة في الحملات الانتخابية الراهنة في العراق.

تداولت وسائل الإعلام مؤخرا أنباء مفادها أن الأميركيين، بقيادة سفير واشنطن ببغداد دوغلاس سيليمان، يرعون ويطمئنون العرب السنة ويدعونهم للعودة إلى الحكم بعد فشل تجربة الشيعة. وقالت التقارير إن الحديث جرى خلال اجتماع سيليمان بممثلين عن السنة قبل أيام في دار رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري.

وبينما نفى مكتب الجبوري هذا الخبر، أكدته السفارة العراقية في مكسيكو عبر موقعها الإلكتروني، ولا نعرف لماذا السفارة العراقية في ذلك البلد وليست السفارة الأميركية. يتزامن هذا مع أخبار تتعلق بمطالبات للسنة بقيام القوات الأميركية بالإشراف وضبط الفعاليات الانتخابية في المحافظات العربية السنية.

وطلب أحد المتحدثين من السنة من الأميركيين الإشراف الأمني عبر إحدى القنوات الفضائية، لكن حنين القدو، النائب من محافظة نينوى عن قائمة الفتح، التي تتمثل بها قيادات الحشد الشعبي، تحدث بتاريخ 2018-2-22، عن وجود اتفاق “أميركي ـ سني” لنشر قوات أميركية في سهل نينوى للإشراف على الانتخابات المقبلة.

وقال إن “المعلومات المتوفرة لدينا تشير إلى عزم الجيش الأميركي الانتشار في مناطق سهل نينوى والإشراف على الانتخابات في السهل”، لكن أحد أعضاء مفوضية الانتخابات رد بأنه “لا يمكن السماح لأي جهة خارجية بالتدخل بعمل المفوضية”، رغم ذلك لم يصدر عن الحكومة المركزية تصريح ينفي أو يستنكر هذه الأنباء، ودائما ما يتم تداول الأخبار المثيرة هذه الأيام وتكون التعقيبات حولها بأنها ضمن “الحملة الانتخابية”.

هناك تصعيد تعبوي من قوى الحراك الطائفية تسعى من خلاله إلى تكريس الانقسام مجددا عبر تسويق نظرية الدعم الأميركي للسنة في العراق، وهي نظرية لا أسس واقعية لها وقد استفادت من بعض الاتصالات ذات العلاقات العامة ما بين بعض الوجهاء السياسيين والعشائر من أبناء السنة كتعبير منهم عما لحق أبناءهم من حيف وظلم متواصل منذ عام 2003 ولحد الآن.

حصلت في الشهور الأخيرة لقاءات بين مسؤولين أميركيين وبعض السياسيين وشيوخ العشائر المعارضين في عمان. وتمت تلك الاجتماعات بإشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة يان كوبيش، في إطار مهمته للمصالحة الوطنية في العراق. كما فسرت نشاطات بعض ممثلي السنة في مؤتمرات بتركيا وجنيف بأنها جزء من نشاط أميركي لتأهيل السنة للحكم، رغم أن تلك المؤتمرات لم تكن لها حصيلة سوى المزيد من الشرذمة لأولئك المتحدثين باسم السنة الذين يدخلون الانتخابات بقوائم وائتلافات متعددة لا جامع لها سوى المصالح الشخصية.

تصعيد تعبوي من قوى الحراك الطائفية تسعى من خلاله إلى تكريس الانقسام مجددا عبر تسويق نظرية الدعم الأميركي للسنة في العراق، وهي نظرية لا أسس واقعية لها

إن عداء بعض قادة ومسؤولي فصائل الحشد الشعبي للوجود الأميركي في العراق يرتبط بمهمة التضييق على حرية العرب السنة في اختيار ممثليهم الحقيقيين عن طريق خلق بدائل انتخابية في المحافظات المحررة من تنظيم الدولة الإسلامية، حيث ظهرت قوائم للفتح، التابعة لتلك التنظيمات في كل من الموصل وصلاح الدين وديالى وكركوك.

أما حقيقة معاداة الوجود الأميركي لما بعد داعش في العراق فلا ترتبط بالمصالح الأمنية العراقية العليا التي تحددها حكومة العبادي، وإنما تعبيرا عن الموقف الإيراني الساعي إلى التضييق على الأميركيين في العراق والانفراد بالنفوذ.

وقد جاء القرار الأميركي العراقي المشترك بالإبقاء على غالبية أعداد القوات المتواجدة حاليا استجابة لدواعي استكمال مهمة القضاء النهائي على داعش بعد أن تسربت الكثير من الأخبار عن وجود نشاطات إرهابية في الأيام الأخيرة، علما وأن الاستراتيجية الأميركية تسعى وتعمل على دعم حيدر العبادي لولاية ثانية.

 كما تعاد نغمة الخطر البعثي على العملية السياسية، حيث تتداول بعض الأوساط السياسية الشيعية تعليقات عن أخبار وهمية بوجود دعم أميركي للبعثيين لوصولهم إلى الحكم عن طريق البرلمان، ولهذا شددت هيئة المساءلة والعدالة على تدقيق ولاءات الأسماء المرشحة للانتخابات المقبلة.

لم يغادر السياسيون السنة، وهم مستجدون في مثل هذا النشاط، اعتمادهم على مؤسسة العشيرة العراقية رغم أن تكوينها ليس طائفيا لكن التيار الطائفي حوّل العشيرة إلى إطار طائفي سياسي.

 واستخدمت سلطة الحكم بعض العشائر لأغراضها مثلما حصل في عهد نوري المالكي لدرجة عدم توقفه أمام بعض الانتهاكات الأمنية والمالية لبعضهم، فتم تزويدهم بالسلاح والمال مثلما كان يفعل صدام حسين مع الفارق بالأهداف.

لكن، العشائر السنية لا تمتلك ثقة مطلقة بالسياسيين (السنة) وخصوصا بعض المستجدين في “المشيخة” من الشباب وترى أنهم يبحثون ويتنازعون في ما بينهم حول مصالحهم الذاتية الخاصة. لعبة تصعيد “الخطر السني” فاشلة وممجوجة لتخويف الشارع الشيعي الذي اكتشف الكثير من تزييف الحقائق، وأهمها الربط الوهمي بين التشيّع والتبعية لإيران، لأن التشيّع مركزه عربي عراقي ومن النجف.

مظاهرات شعبية ومناسبات عدة عبّر من خلالها الشارع الشيعي عن وطنيته وعراقيته بوجه إيران آخرها التظاهرات بقيادة رجال دين شيعة في كربلاء والنجف ومدن جنوبية أخرى احتجاجا على اعتقال السلطات الإيرانية للسيد حسين الشيرازي، ابن المرجع الكبير من أصل عراقي صادق الشيرازي، حيث كانت التظاهرات المتواصلة مناسبة للتنديد بولاية الفقيه للمرشد الأعلى آية الله علي خامئني، وهكذا مازالت اللعبة الطائفية في العراق قائمة رغم تغطيتها بمشاريع انتخابية مثل "الأغلبية السياسية".

4