الطائفية.. سلاح الأسد الفاشل للقضاء على الثورة السورية

السبت 2013/11/16
الأسد يستخدم شيعة حزب الله وإيران لتوظيفهم في ترويج فكرة عنف الجماعات السنية

دمشق- ساهمت الأزمة السورية في كشف التناقضات الطائفية داخل المجتمع السوري، والتي عززها النظام من خلال اتباع سياسة تمييز بين مختلف أبناء الشعب بتفضيله للطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد من جهة وباستعانته بمقاتلين أجانب من طوائف محددة للقتال في صفه من جهة أخرى.

تحوّلت الانتفاضة السورية التي انطلقت تطالب بالحرية والكرامة إلى ثورة شعبية نتيجة الحل الأمني والعسكري الذي انتهجه النظام، ثم أصبحت ثورة مسلحة تسعى إلى إسقاط النظام بكامل مكوناته، لكن الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام في جسمه العسكري، دفعته إلى زج كل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس في حربه، وساهم هذا في إظهار حجم المشكلة الطائفية التي تلف الوضع السوري وتهدد بانفجاره كلياً.

وتوحي تصرفات النظام وممارساته العنيفة خلال سنتين بأن همّه الأساسي الآن لم يعد الحفاظ على النظام والسلطة والامتيازات الهائلة فقط، بل أصبح نوعاً من الحرب الطائفية من جانب واحد، أقلية حاكمة بيدها السلاح والقوة ضد الأكثرية السنّية، وهي فكرة حاول النظام بثها لدى الغرب لتبرير لجوئه إلى العنف المفرط، ورغم أنه لم ينجح بشكل مطلق، إلا أنه تسبب في مشكلة اجتماعية مذهبية تهدد مستقبل سوريا لأجيال.


ميليشيات الأسد


قام النظام بعد أشهر من انطلاق الانتفاضة السورية، بتشكيل ميليشيات مسلحة غير نظامية قوامها الأساسي مسلحون غير نظاميين من الطائفة العلوية لا يخضعون لسيطرة الجيش والأمن، حملت مسميات عدة (لجان شعبية، شبيحة، جيش الدفاع الوطني) وكانت أعلى من المؤسسة الأمنية والعسكرية، ومنحها صلاحيات مطلقة بالقتل والاعتقال والتعذيب والنهب، دون وجود من يحاسبها، كما نشطت جمعيات علوية (كالمرتضى والبستان) بتقديم دعم مالي وسلاح للمدنيين من هذه الطائفة، وجنّدت عدداً كبيراً منهم للقتال إلى جانب الأسد.

وبعد نحو سنة من بدء الثورة، كبرت المعارضة الثورية المسلحة وسيطرت على أجزاء كبيرة من سوريا، وخسر النظام عدداً كبيراً من عناصره الأمنية وعناصر الميليشيات المسلحة، وبالتوازي اهتزت المؤسسة العسكرية بسبب انشقاق عشرات الآلاف من الضباط والجنود (يقدّر البعض عدد المنشقين بنحو 150 ألف عنصر من الجيش)، وتزعزعت ثقة الطائفة العلوية بالنظام بسبب خسائره المتواصلة وعنفه ذي الصبغة الطائفية ضد من يُفترض أن يكونوا شركاءهم في الوطن.

ولتعويض النقص في الخبرات والأفراد، بدأ النظام باستقدام مئات الضباط والخبراء العسكريين الإيرانيين لتدريب الجنود ورجال الأمن على حرب الشوارع، ثم أتبعها بإدخال الآلاف من عناصر ميليشيات حزب الله اللبناني، واستقدم المئات من الشيعة من اليمن والعراق وغيرهما بحجة الدفاع عن المزارات المقدسة الشيعية، ومارسوا ضروباً من العنف ضد السوريين.

60 ألف مقاتل، من جنسيات مختلفة يقاتلون مع الجيش النظامي


مقاتلون شيعة


بدأت المشاركة العلنية لحزب الله في القتال إلى جانب النظام بداية عام 2013، وبرر الحزب هذه المشاركة بأنها لإفشال مؤامرة دولية ضد بلد الصمود، وعملياً يُعتبر الصراع الدائر في سوريا صراعاً وجودياً بالنسبة إلى حزب الله، فسقوط النظام السوري هو بداية نهاية هذا الحزب والهيمنة الإيرانية على المنطقة نظراً إلى التقارب الفكري والعقائدي الذي يربط هذا الثالوث.

من جانبه، أقر وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بوجود مقاتلين شيعة عراقيين في سوريا يقاتلون إلى جانب قوات النظام، لكنّه شدد على أن ذلك لا يتم من خلال سياسة حكومية عراقية، وأشار إلى أن عددهم بالمئات وليس بالآلاف.

كذلك أقرّت مصادر يمنية بتوجه مئات المقاتلين الحوثيين للقتال في سوريا إلى جانب النظام، وأشارت إلى أنهم باتوا ينظرون إلى القتال في سوريا على أنه جهاد مقدس، وأن هؤلاء المقاتلين تطوعوا للقتال لأسباب عقائدية ومالية وبتشجيع من إيران، وأوضحت أنهم يذهبون إلى معسكرات تتبع حزب الله في لبنان قبل أن يتم نقلهم إلى الجبهة السورية.

وقد قدّر هيثم المالح، مسؤول المكتب القانوني في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية عدد المقاتلين من حزب الله وإيران ومن الحوثيين اليمنيين والعراقيين الشيعة الذين يقاتلون إلى جانب النظام بنحو 60 ألف مقاتل، وأعرب عن قناعته بأن قوات النظام لا تستطيع القتال على الأرض وتقوم بالقصف بالطائرات والمدفعية فقط وأن من يقوم بالقتال على الأرض هم هؤلاء الأجانب.

أما فهد المصري، الناطق باسم القيادة المشتركة للجيش الحر، فيقدّر عدد مقاتلي حزب الله في سوريا بنحو 14 ألف مقاتل، نحو ثلثهم في دمشق وريفها وثلثهم في مدينة حمص القريبة من الحدود اللبنانية، وأشار إلى أن بينهم الكثير من القناصة المحترفين، الذين كان أفراد منهم يتفادون تحقيق الإصابة لتعاطفهم مع الشعب، مما دفع النظام إلى استبدالهم بقناصين أكثر التزاماً من حزب الله، وأكّد سقوط أكثر من 1100 قتيل بين صفوف مقاتلي حزب الله في سوريا.

وكذلك أعلن المعارض السوري مطيع البطين، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا أن مقاتلين شيعة من القطيف في السّعودية دخلوا سوريا للقتال في صفوف حزب الله.


رد مشابه


وبالمقابل فإن الصراع، الذي بدأ يأخذ بعداً طائفياً، يجذب الكثير من المجاهدين العرب وغير العرب، على اعتبار أنه واجب ديني يناديهم، ولم يمانع الثوار في سوريا من انضمام حلفاء من الخارج لمساعدتهم، وهم بالأساس مقاتلون عرب وغير عرب من الطائفة السنّية، ومن بينهم كتائب وقوى جهادية وسلفية، وشهدت سوريا تدفق نحو 10 آلاف مقاتل من السنة لدعم مقاتلي المعارضة.

لقد تغلغلت القاعدة في سوريا بسبب عنف النظام وتحريضه الطائفي، وحاولت وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية توحي بأن ما يجري في سوريا هو محاربة للإرهاب السني، لكن واقع الأمر يشير إلى أن أية مجزرة بحق الشيعة أو العلويين لم تحدث، إلا في حالات خاصة وقليلة وفق تأكيد المعارضة.

ويقول مراقبون إن تصرفات النظام السوري طوال عشرين شهراً، شكّلت بيئة جيدة لتأثير الدعاة السلفيين المحليين والعرب ممن يملكون المال، وبعضهم تربطه بالنظام علاقات جيدة، وبدأوا ينشطون لتعبئة من حولهم لإنجاز «واجب جهادي»، وتحوّل بعض السلفيين البسيطين إلى سلفيين مسلحين في مسار الثورة.

كان التباين بين الأقلية العلوية (10% من السوريين) والغالبية السنّية (70%) موجوداً بقوة خلال العقود الأربعة الأخيرة وإن كان بشكل مستتر، إلا أنه خرج إلى العلن بعد الثورة، وأصبح أكثر وضوحاً وقتامة. بعد استلام حافظ الأسد السلطة بانقلاب عسكري عام 1971، طرأت متغيرات على صعيد الحكم وأجهزة الأمن والجيش، وهيمن العلويون الذين ينحدر منهم الرئيس على أجهزة الأمن والاستخبارات وقيادات الجيش، وتم تهميش كل المناصب الحكومية الكبرى عن موقع اتخاذ القرار، وانتقل النفوذ الفعلي إلى الأجهزة الأمنية، وكرست اللجنة العسكرية التي قادها الأسد الأب في تكريس التنافس الطائفي، وأجرت سلسلة إجراءات انقلابية داخلية استهدفت إبعاد الضباط السنّة من المواقع الحساسة في الجيش والأمن واستبدلتهم بضباط علويين، ووفق مصادر سورية، فإن الجيش السوري يضم 1250 ضابطاً رفيع المستوى، من بينهم 1150 ضابطاً من العلويين، ولطالما قالت المعارضة السورية إن حزب البعث والحكومة هما مجرد أداتين في حكم سوريا وإن الحكم بيد العلويين كطائفة.

لقد بسطت المؤسسة الأمنية والعسكرية نفوذها على كل أجهزة الدولة، وتقول مصادر سورية معارضة في هذا الشأن إن أكثر من 70 ٪ من كبار المسؤولين ومن المدراء العامين هم من الطائفة العلوية، وحتى 80 ٪ من المنح الدراسية الجامعية الداخلية والخارجية صارت من نصيب طلاب هذه الطائفة، وفي العقود الأخيرة، عمل النظام السوري بالتنسيق مع الاستخبارات الإيرانية على تشكيل ميلشيات طائفية في لبنان كحزب الله، خاصة بعد وقوف الأسد الأب مع إيران في حربها ضد العراق عام 1980 مخالفاً الإجماع العربي ومبادئ حزب البعث وشعاراته القومية، وتمكنت إيران من تأسيس وجود مرجعي لها في دمشق، في الوقت الذي يعاقب فيه القانون بالإعدام كل منتم إلى الإخوان المسلمين السنّة.

70 % من كبار المسؤولين ومن المدراء العامين في سوريا هم من الطائفة العلوية


تكريس الطائفية


لقد كان لنظام الأسد دور كبير في تكريس الطائفية بين أبناء الشعب الواحد، ويقول الكاتب السوري المعارض فايز سارة، إنه «منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ضربت النزعات الطائفية سوريا عدة مرات، وخاصة بعد الخلاف المسلح بين الإخوان المسلمين والسلطة عام 1982، حيث اعتبرت السلطة القمع السياسي والبوليسي أساساً في تعاملها مع التحديات القائمة بدلاً من الإصلاحات الشاملة، وأثارت عملياً نزاعاً بين السنّة والعلويين، وحاول السوريون بإرثهم الموحد ووعيهم الوطني تجاوز فكرة النزاع بين السنّة والعلويين، التي كان من شأنها لو توسعت أن تؤدي إلى تفتت الكيان السوري وانقسام مواطنيه بصورة نهائية».

وينظر الوزير السوري والقيادي البعثي السابق والمعارض الحالي مروان حبش إلى الموضوع من زاوية مختلفة فقد اعتبر أن عنف السلطة وحلها الأمني دفعا من وقع عليهم العنف إلى الدفاع عن النفس، وبدأ من هنا العنف المتبادل، وتدفق السلاح وازداد عدد المسلحين في الحراك الثوري، واستطرد «حتى الآن هناك حرص كبير من الكتائب الثورية على عدم استخدام السلاح لأسباب طائفية، وقد فشلت حتى الآن ، كل المحاولات لدفع المسلحين إلى خوض غمار حرب طائفية أو أهلية وجر البلاد إلى حالة من «الصوملة» أو «اللبننة» لأن المطالبين بالحرية في سوريا من كل المذاهب والطوائف".

تعتبر المعارضة العلوية أقلية، ويتعرض أفرادها للاضطهاد من قبل مجتمعهم، فمع بداية الثورة ادعت الغالبية الساحقة من العلويين الخوف من التغيير وطالبوا بضمانات، وكانوا يعنون ضمناً أن تستمر سيطرتهم على الدولة وأجهزتها ولكن مع إصلاحات شكلية لا قيمة لها، وبالمقابل قالت مئات بيانات الثوار وآلاف من شعاراتهم في المظاهرات إن الشعب السوري واحد وأن العلويين لا يحتاجون إلى ضمانات لأن الوطن للجميع، لكن لم تظهر ضمن الطائفة العلوية معارضة علنية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، إلا من خلال مبادرات فردية وشخصية لبعض المعارضين لسياسة الأسرة الحاكمة وفسادها.

مع هذا، لا يقف كل العلويين إلى جانب النظام، كما أنهم ليسوا جميعاً مستفيدين منه، فقسم منهم، وخاصة المثقفين، انتبهوا إلى اللعبة التي يلعبها النظام بالطائفة، وقال العديد من الناشطين السياسيين العلويين إن النظام يضع الطائفة وقوداً لحربه ضد الشعب، ويضحّي بها وبالسلم الأهلي من أجل بقائه، ودعوا إلى أن يكون انتماء أهاليهم إلى سوريا قبل أن يكون انتماؤهم إلى الطائفة، وهو الأمر الذي أدى إلى اعتقال العديد من الناشطين السياسيين المعارضين العلويين خلال الأشهر الأخيرة.

وانتبهت بعض المرجعيات الدينية الشيعية إلى خطورة ما يقوم به النظام السوري وحذّرت من تبعاته، وقد وجّه المرجع الديني الأبرز لدى شيعة العراق علي السيستاني بعدم شرعية القتال في سوريا دعماً للنظام، لكن مرجعيات طهران أفتت بوجوب القتال في سوريا، وأعطت الأمر أهمية طائفية دينية إثنية مسيئة للمذاهب، وأثرت ليس على العلاقة بين مكونات الشعب السوري فقط وإنما على العلاقات بين السنّة والشيعة في العالم العربي كله، لكن موقف هذه المرجعيات لم تر صدى يذكر على الأرض، كما أن رجال الدين العلويين لم يتبنوا مواقف مشابهة من أزمة بلدهم.

14 ألفا من حزب الله يقاتلون في صفوف الأسد


صراع مذهبي


هناك محاولة واضحة لإعطاء الصراع في سوريا طابعاً مذهبياً فاقعاً، الناشط السياسي وائل السواح قال «لا يضمن النظام الطائفة التي أعلن نفسه ناطقاً باسمها وحامياً لها، فلئن كان هناك شق من الطائفة يدعمه، فإن مئات الألوف من السوريين الوطنيين من طائفته لا يمكنهم القبول بفكرة تقسيم وطنهم وانعزالهم في دويلة مذهبية وسيحاربون هذه الفكرة ويصطفون مع الوطن الأم، ولن يقبل بحكم الأسد في دويلته آلاف العلويين الذين شاركوا في الثورة منذ اليوم الأول، وإلى جانب هؤلاء ستصطف أسرهم وأصدقاؤهم ومحيطهم الاجتماعي الذي لن يضحي بأبنائه من أجل عائلة ترغب في تقسيم سوريا» في إشارة إلى عائلة الرئيس الأسد.

ولكن لا يكمن نفي أن بعض البيئات المعارضة السنّية المتشددة تقيم حالة من التماهي بين النظام والطائفة العلوية في سوريا، وكلما طال أمد الصراع ازدادت مخاطر طرح التقسيم أو المحاصصة الطائفية في تحديد مصائر الكيان السوري.

6