الطائفية صنيعة السياسة ليست حكرا على دين بعينه

الأربعاء 2015/08/12

عندما تضعف الدولة، ترفع الطائفية السياسية رأسها، وتقوى شكيمتها، ويزداد شرهها للسلطة وطمعها فيها، وتكبر آمالها بالهيمنة على حقوق الآخرين والاستحواذ على كل شيء، فتحاول الطائفية السياسية أن تحل محل الدولة، وتحقق أهدافها عندما تمثل الشريحة الأكبر من المجتمع أو التيار السكاني الأكبر، وتزداد قناعتها أن قوتها تبرر هذه الهيمنة، وتبدأ بقضم حقوق الآخرين شيئا فشيئا، ثم لا تلبث أن تسعى لتمتين التحالف بين أبناء الطائفة الواحدة، وتُدخل الطائفة والدين أو المذهب في شؤون الدولة. وتضعف الدولة بذلك لصالح سلطة الطائفة، وتتراجع قدرتها في مقابل توسع قوة الطائفة وهيمنتها، فيصبح نظام الحكم طائفيا كليا، أي أنّ الدولة تصبح “دولة الطائفة” بامتياز، وهذا ما نشهده الآن في بعض بلدان الشرق الأوسط.

إن الردّ الطبيعي من قبل الطوائف الأخرى هو رفض هذه الهيمنة والمطالبة بحقوقها وبأن تكون الدولة محط مشاركة بين الجميع. وأن يكون أبناء المجتمع متساوين فيما بينهم، فضلا عن ضرورة التعايش والتسامح والتمسك بقيم المواطنة وعلى رأسها أن الدولة هي المرجعية الأولى التي يعود إليها جميع المواطنين، والتي ينبغي ألا تتقدم عليها أي مرجعية مهما كانت، لأنها الوحيدة التي تحقق التكافؤ والتساوي بين أبناء المجتمع، وتلغي التفاوت بينهم في حقوقهم وواجباتهم. وتؤكد تجارب التاريخ على أن رفض الطائفة السائدة سياسيا الاستجابة لمطالب الطوائف الأخرى تُشعل حروبا قاسية لا ترحم، خاصة أنها بين أبناء الوطن الواحد.

ويمكن اختصار أصل الاختلافات المذهبية والطائفية في التاريخ العربي، بالخلافات الدينية والمذهبية بين المسلمين والمسيحيين، ثم بين المسلمين السنة والشيعة أساسا، كما كان الأمر في أوروبا لدى المسيحيين بين الكاثوليك والأرثوذكس أو بين الشرقيين والغربيين، وقد كان من المُفترض أن تتمحور هذه الخلافات بين الأديان والمذاهب حول فلسفات الأديان والمشتركات فيما بينها، وحول وحدة الفلسفة الدينية والمذهب الديني أو تنوعهما لدى الطوائف العائدة إليه، وتبقى في حدود الاجتهاد والتأويل لتعاليم الدين وللعبادات واحترام علاقات أبناء هذه المذاهب بعضهم مع البعض الآخر.

إلا أن ما حصل على مدى التاريخ العربي هو أن الصراع تأجج بين الطوائف والأديان، وتحول من تنوع في الاجتهاد إلى خلافات سياسية اندلعت على إثرها الحروب، ذلك أنّ هذه التنوعات والتباينات الاجتهادية وجدت من يضخمها ويحولها إلى صراعات سياسية.

ومن المفروض ألا تسبب (المذهبية) خلافات سياسية، لكن الطائفية المعاصرة تحاول إلباس المذهبية لباسا سياسيا أو إلباس الصراع السياسي لباسا مذهبيا، بهدف إلى كسب أنصار المذهب المعني والمنتمين إليه من أجل تعميق الصراع وتوسيع ساحته والاستفادة منه في المجال السياسي. ونلاحظ وجود كثيرين غير ملتزمين بتعليمات دينهم، ينشطون طائفيا، لأنّ هذا النشاط يفيدهم سياسيا واقتصاديا ويوصلهم إلى مراكز مهمة في المجتمع والدولة.

ولأن هذه الصراعات ليست حكرا على دين بعينه، فقد عاشت أوروبا، بدورها، حروبا طائفية دموية وصراعات طويلة بين الأرثوذكس والكاثوليك ثم بين البروتستانت والكاثوليك، وخسرت بموجبها ملايين الضحايا، وكان أصل الخلافات أيضا يعود لأسباب سياسية ليست مذهبية أو عقائدية، فكانت تعود غالبا لخلافات الكنيسة والملوك والأمراء المتنافسين على السلطة والمصالح، خاصة وأن البابوية تدخلت أيضا في هذه الصراعات وباركتها.

وقد بدأ الصراع مبكرا بين القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية وعاصمته (القسطنطينية، إسطنبول حاليا) والقسم الغربي منها وعاصمته روما، ووصل إلى درجة أن إحدى الغزوات الصليبية قبل أن تكمل طريقها إلى الأراضي المقدسة هاجمت القسطنطينية ونهبتها وخربتها، وقتل عشرات الآلاف في هذا الهجوم، الذي لم يكن يهدف لتغيير عقيدة الكنيسة الشرقية، بل كان خلافا سياسيا أساسه طمع في ممتلكات الكنيسة وثرواتها والاستحواذ على سلطتها.

وفي القرن السادس عشر، وبسبب تدخل البابوية في حياة الناس، والغلو في استحواذ الكنيسة على الضرائب والرسوم، وفرض الهيمنة السياسية، ظهر رجال دين نادوا بتحرير الدين من كل هذه التعقيدات ومن سلطة البابا خاصة، ونادوا بالاستقلال عن سلطته والتحرر من القيود التي فرضها على حياتهم اليومية (والدينية أيضا) فانشق البروتستانت، وبدأت حروب دامية بينهم وبين الكاثوليك، بين أوروبا الشمالية التي أصبحت بروتستانتية (البلدان الاسكندنافية وألمانيا) وأوروبا الجنوبية (فرنسا، أسبانيا، إيطاليا) التي بقيت كاثوليكية.

وكان هذا الصراع هو الأعنف والأكثر وحشية، وأدى إلى إبادة الملايين من البشر، فخسرت ألمانيا مثلاً ثلث سكانها، وخسرت بعض البلدان نصف سكانها، ودمرت المدن والقرى، وانتشرت العديد من المجاعات والأمراض، وعلى العموم كان الكاثوليكي يذبح البروتستانتي على الهوية وبالعكس.

وقد حدثت مجازر عديدة ناصرها البابا غريغوري الثالث عشر واعتبرها بمثابة (انتصار الإيمان الصحيح على الكفر والزندقة)، وفي القرن التاسع عشر ارتكبت الكاثوليكية مجزرة بحق البروتستانت في فرنسا، قبل أن يتفق الفرنسيون فيما بعد ويؤسسوا الدولة المدنية ويتبنوا مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي، ويكفوا عن إدخال المذهبية في لعبتهم السياسية وشؤونهم المدنية.

وقد فر من فرنسا على إثر ذلك ثلاثمائة ألف بروتستانتي هاموا على وجوههم، ولم يشعر الملك لويس الرابع عشر الذي هجرّهم بخطئه إلا بعد أن أدرك أن معظم هؤلاء المطرودين والمشردين هم كوادر علمية وفكرية كان لهجرتهم أثر سلبي على فرنسا.
6