الطائفية في لبنان: السنة وحزب الله على طريق المواجهة

الأربعاء 2015/03/04
حزب الله هو مثال لتشابك الديني بالسياسي بالمذهبي

الطائفية في لبنان مرتكز أساسي في تشكيلة السكان وفي الخارطة السياسية، خاصة بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف، وهذا ما جعل دفة الصراع تنحو في اتجاه التصعيد خاصة بعد بروز تيارات الإسلام السياسي باختلاف مرجعياتها العقدية والفكرية.

تُعد الجماعة الإسلامية كبرى الحركات السُّنية في لبنان، تأسست في الخمسينات بمبادرة من الداعية فتحي يكن، الذي خرج مع رفاقه من جماعة عباد الرحمن ليؤسس فرعاً للإخوان المسلمين تحت اسم الجماعة الإسلامية التي نالت ترخيصا عام 1964.

برزت قوة الجماعة في أول انتخابات بعد اتفاق الطائف عندما فازت بثلاثة مقاعد في البرلمان اللبناني، لكن كتلتها تقلصت إلى نائب واحد عام 1996، لتخسر كامل تمثيلها في دورة العام 2000، فسجلت ترابطا ملحوظا وظهرت خلافات بين بعض قياداتها نتج عنها تنحي وخروج الأمين العام فتحي يكن وتغيرات جذرية في القيادة. في انتخابات عام 2005 آثرت الجماعة الانسحاب، إلا أنها عام 2009 دخلت المجلس النيابي عن مقعد بيروتي بعد تحالف مع تيار المستقبل.

وتعد جبهة العمل الإسلامي من أهم الحركات الإسلامية السنية الموالية لحزب الله والمنضوية في إطار تحالف 8 آذار، وقد أسسها فتحي يكن في أغسطس 2006 بعد خروجه من الجماعة الإسلامية دون أن ينجح في إحداث أيّ انقسام فيها.

حزب الله ينجح في اختراق بعض هذه المجموعات وفتح حوار مع بعضها وانقلبت بعض مواقف هذه المجموعات وأصبحت إلى جانبه

حاولت الجبهة أن تلعب دورا فاعلا خلال أحداث مايو 2008 إلى جانب حزب الله في المناطق السُّنية على المستوى العسكري، إلا أن ذلك الدور كان هامشيا، فما إن انكشفت مواقفها حتى عانت من انشقاقات، وقد خرجت مجموعات منها وعقدت مؤتمرات صحفية في طرابلس، حيث تمركزها الأساس.

أما حزب التحرير الإسلامي في لبنان، فانتشرت أفكاره عن طريق الطلبة الأردنيين في الجامعات اللبنانية، وكان مؤسسه تقي الدين النبهاني أثناء إقامته في دمشق كثير التردد على بيروت، حيث أقامت زوجته اللبنانية إلى أن استقر نهائيا هناك، منذ النصف الثاني من الخمسينات وحتى وفاته. وقد حصل الحزب على ترخيص بمزاولة النشاط السياسي عام 1959 بناء على طلب تقدم به عدد من أوائل الأعضاء اللبنانيين منهم علي فخرالدين وطلال البساط ومصطفى النحاس ومنصور حيدر ومصطفى صالح، ومع ذلك تعرض الحزب للعديد من الملاحقات والاعتقالات بسبب مواقفه السياسية ولم يستفد من هذا الترخيص على المستوى المؤسساتي.

ومع تزايد الاحتقان في الشارع الإسلامي، وتزايد الحديث عن فتنة سنية شيعية إزاء التسريبات الإعلامية المتكررة عن تورط عناصر من حزب الله في اغتيال الرئيس الحريري، يعود الحزب إلى إصدار بيان يتضمن رؤية تحليلية لنشوء الكيان اللبناني وواقع التركيبة الطائفية فيه، مؤكدا أن المسلمين الذين كانوا رافضين لهذا الكيان وألحقوا به رغم أنوفهم، ثم ثبّته الفرنسيون، جعلهم يقبلون الاندماج في الكيان الجديد، فكان أسوأ ما انجرف إليه المسلمون – كما يرى الحزب- أنهم قبلوا أن يكونوا طائفة من الطوائف اللبنانية.

ومن الجمعيات السلفية الناشطة مركز السنة ووقف التراث الإسلامي الذي يديره صفوان الزعبي وأصبح اليوم يديره نديم حجازي والذي يقيم علاقة قوية مع السلفيين الكويتيين، وقد نجح هذا التيار في إقامة سلسلة من المؤسسات التربوية والطبية والإسلامية في سنوات قليلة.

فيما يتعلق بالسلفية الجهادية برز اهتمامها في لبنان من خلال سلسلة البيانات التي أصدرها صالح القرعاوي القائد الميداني في كتائب عبدالله عزام التي تشرف على عمل سرايا زياد الجراح المسؤولة عن ثلاث عمليات في جنوب لبنان. ويمكن رسم خارطة القوى الإسلامية السنية وفق التجاذبات الراهنة على ثلاثة خطوط:

حزب التحرير الإسلامي في لبنان، فانتشرت أفكاره عن طريق الطلبة الأردنيين في الجامعات اللبنانية

الأول يتمثل في اقترابه وتحالفه مع تيار المستقبل وهو يضم خليطا من قوى سلفية وتجمعات إسلامية محلية وشخصيات وجمعيات تنظر بقلق لتنامي نفوذ الشيعة في لبنان، وهي ترصد المحاولات التي يقوم بها حزب الله للتمدد في المناطق السنية مباشرة أو عبر حلفائه من الحركات الإسلامية السنيـة.

وفي الواقع نجح حزب الله في اختراق بعض هذه المجموعات وفتح حوار مع بعضها وانقلبت بعض مواقف هذه المجموعات وأصبحت إلى جانبه. وقد بدأت الأمور بجهود بدأها الداعية فتحي يكَن، ثم تابعها الحزب إلى أن أثمرت بالوثيقة الشهيرة مع بعض الشرائح السلفية، وصولا إلى استقطاب بعض المجموعات الصغيرة في طرابلس، وأخيرا استخدم الحزب نفوذه لإنقاذ الداعية السلفي عمر بكري من حكم غيابي ضده في المحكمة العسكرية.

الخط الثاني يضم قوى إسلامية سنية متحالفة مع 8 آذار وحزب الله، وأبرزها جبهة العمل الإسلامي، التي تضم في صفوفها حركة التوحيد الإسلامي بجناحيها وبعض الهيئات القليلة الفاعلية وجمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش)، ورغم أن هاتين الحركتين في محور سياسي واحد إلا أن خطوط الصراع السياسي بينهما مفتوحة، والحقيقة فإن “الأحباش” يمثلون في الساحة السنية ظاهرة وإن أخذت في الانكماش في الآونة الأخيرة، إلا أنها ظاهرة قامت بالسجال والنقد مع غالبية التنظيمات والحركات الإسلامية.

الخط الثالث يحاول أن يميّز نفسه بخطاب سياسي مستقل إلى حد ما ويمكن أن نضع الجماعة الإسلامية ضمن هذا الخط رغم أنها تجد نفسها مضطرة لأن تكون أقرب إلى تيار المستقبل، إلا أنها تميّز نفسها عن الباقين بعدم اتخاذ مواقف حادة وبسعيها لفتح حوار مع حزب الله ومع الحركات الإسلامية الأخرى، محاولة تشكيل خطاب وسطي في ظل التجاذبات التي تشهدها الساحة اللبنانية.


المقال ملخص من بحث “الجماعات والتيارات الإسلامية السُّنية في لبنان” لعبدالغني عماد، والمنشور ضمن كتاب المسبار الخامس والخمسين (يوليو 2011) “كيف ينظر الإسلاميون إلى بعضهم”، والصادر عن مركز المسبار للدرات والبحوث- دبي.

13