الطائفية مسخ عقائدي أنبت الإرهاب والتطرف

الخلافات بين السنة والشيعة رغم تاريخيتها لا تزال ذات محامل عدائية بين الفريقين، حيث يقع إسقاط الماضي بكل حمولاته على الحاضر والمستقبل ما يجعل توظيف الديني في السياسي يعمق هذه الخلافات ويجعل كل فريق يضفي على ممارساته وتنظيراته نوعا من القداسة التي لا تحتمل النقد والمراجعة. فالسني والشيعي أضحيا ضحية تلاعب الطائفة بالمذهب والانتماء العقدي من أجل مكتسبات سياسية لا ترى في الديني إلا وسيلة ومعبرا ومبررا للغاية، وهذا ما سلكت منهجه حركات الإسلام السياسي بكل تنويعاتها.
الجمعة 2015/05/08
من رحم التمذهب والخلافات العقدية ولدت حركات الإسلام السياسي العنفية

أن يكون المرء سنيا أو شيعيا فإنه أمر أقل شأنا من أن يُشار إليه، لكن حين يتذكر ذلك المرء أنه شيعي أو سني، فإن ذلك التذكر يشكل إشارة إلى وقوع خطر من نوع ما. الأنكى من ذلك أن يكون هناك دائما مَن يذكّره بشيعيته أو سنيّته.

فهل المطلوب من المرء أن يكون مذهبيا طوال يومه؟ أن يعيش يومه حاملا مذهبه على رأسه، يدور به بين الطرقات، كما لو أنه يحمل لافتة وهو يسير في تظاهرة؟ أن يستعمل حواسه ليصنف الأشياء من حوله حسب قربها وبعدها من مذهبه؟

هل كتب على المرء أن يلغي استجابته التلقائية والعفوية للحياة من أجل أن يكون وفيا لفكرة خيالية تعزله عن الآخرين، مستعدا للنزال في أيّ لحظة؟

هناك في عالمنا العربي اليوم حرب خفية بالمواد السامة تقوم على التذكير. وهي حرب تستخرج سمومها من ذاكرة، لفقت صفحاتها بما يلغي القدرة على الاحتكام إلى العقل. مرويات لا علاقة لها بحياة الإنسان المباشرة، غير أن لها القدرة على تعطيل رغبته في أن يباشر حياته كما هي.

لقد تم إقصاء الحاضر، لا من أجل إستحضار الماضي فحسب، بل وأيضا من أجل إحياء اللحظات القبيحة والسيئة من ذلك الماضي تحت مظلة الوفاء للمذاهب، كما لو أن كل تلك المذاهب كانت قد اخترعت في زمانها لتستعمل أسلحة عمياء في حروب مستقبلية.

فهاهم المسلمون يتنابزون بالمذاهب بعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنا من ظهور الإسلام. فالسني يذكر أخاه بعاره الشيعي والشيعي يفعل الشيء نفسه، وهما يغفلان عن أن الحياة الإنسانية قد اتسعت من حولهما، وصار المرء يذهب إلى موقع عمله تاركا دينه في البيت، مشتبكا بأحلام الآخرين في الحرية والتغيير والرفاهية والتسامي.

سنيتنا أنتجت القاعدة وداعش وطالبان، وشيعيتنا أنتجت حزب الله وفيلق بدر ونظام ولاية الفقيه

لا أحد اليوم يلتفت إلى الماضي سوانا. لا نفعل ذلك من أجل أن نتعلم درسا، بل لنزداد جهلا، حين نعلي من شأن حماقات أجدادنا ونمجّد حروبهم ونجد سحرا في مكائدهم ودسائسهم ومؤامراتهم. وهو ما يجعلنا عاجزين عن حل مشكلاتنا بأنفسنا. كيف يمكننا أن نقوم بذلك ونحن لم نحل بعد مشكلة سقيفة بني ساعدة؟

ألأننا كائنات مهووسة بما لا ينفع صار علينا أن نبحث في ماضينا عما يمكن أن يكون مصدر خراب لحاضرنا؟ وليس أكثر وضوحا في هذا المسعى من كوننا قد ألبسنا تاريخنا كله طابعا دينيا مقدسا، فصرنا ننظر إلى الوقائع التاريخية، وبالأخص ما تعلق منها بالسياسة من جهة كونها جزءا من العقيدة. وهو ما أفسد عقولنا وخرّب قدرتنا على أن نكون بشرا بعقول سليمة.

أصل هنا إلى الخطوط الحمراء، وأخشى أن أقلق راحتكم بحكايات عائشة وعلي وعمر والزهراء وعثمان والحسين ويزيد وهارون الرشيد وموسى بن جعفر والمأمون وولي عهده الرضا، وكلها حكايات تاريخية اختلط فيها الحقيقي بالزائف.

ولكن مَن وضع تلك الخطوط الحمراء التي صارت تكبل عقولنا بالجهل وتملأ صدورنا كراهية؟

ما لا يعرفه طائفيونا أن تاريخ البشر كان ولا يزال ممتلئا بالكثير من الخلافات، غير أن الفرق بيننا وبين البشر الأسوياء أننا ندس خلافاتنا في العقيدة فتكتسب طابعا أزليا، هو أقرب إلى القداسة منه إلى حقيقة زواله. وهو ما سهّل على الآخرين التقدم فيما كنا ولا نزال نراوح نحن في مكاننا، بل ونتراجع كلما تقدم الآخرون.

فما نفع أن يتذكر المرء سنيته أو شيعيته وقد صار موقع تندر وسخرية من قبل الآخرين، العاملين الذين يملأون حياتهم وحياتنا إبداعا وابتكارا؟ لقد أنتجت سنيتنا تنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين ونظام طالبان، فيما أنتجت شيعيتنا حزب الله وفيلق بدر ونظام ولاية الفقيه.

في الحالين فإننا لم ننتج سوى القتل والتخلف والجهل والأمية والعمى الفكري والعبودية والفقر الخيالي ومصادرة الحريات واختراق حقوق الإنسان والعبث بمصيره ونهب ثرواته وإفساده، بطريقة لا يفعلها أيّ مجتمع معاصر آخر.

لقد ظلمنا أنفسنا أكثر مما ظلمنا الآخرون.

13