الطائفية.. منزلق الصراع السعودي الإيراني الأخطر

يجري الصراع السعودي الإيراني في إطار صراعات عالمية وإقليمية متضاربة تهدف إلى السيطرة أو الحصول على دور ما في المنطقة. وفي ظل هذا الوضع يأخذ الصراع بين الرياض وطهران أبعادا كثيرة نظرا لثقل الطرفين في المنطقة، ونظرا للتوجيه الطائفي الذي بات عليه هذا الصراع اليوم. وفي هذا الإطار انعقدت ندوة “الصراع السعودي الإيراني: قراءة في المشهد السياسي الإقليمي” بتنظيم من الجامعة الأميركية المصرية، التي حاول فيها المتداخلون تسليط الضوء على خطورة البعد الطائفي لهذا النزاع.
الاثنين 2016/01/25
تولد الطائفية من رحم العمائم

حذر المشاركون في ندوة "الصراع السعودي الإيراني: قراءة في المشهد السياسي الإقليمي” التي أقيمت ضمن سلسلة مناقشات المائدة المستديرة “ما وراء الأحداث” التي تنظمها الجامعة الأميركية بالقاهرة، من تحول الصراع السعودي الإيراني إلى صراع مذهبي، سيحمل عواقب وخيمة ليس للطرفين المتصارعين وحدهما ولكن للمنطقة كلها، مؤكدين أهمية الإصرار على بقائه صراعا جيوسياسيا، حيث يمكن تحديد نقاط الاختلاف والاتفاق والعمل على زيادة نقاط الاتفاق، وذكروا بنظرية الاحتواء المزدوج التي تم استخدامها في الحرب العراقية الإيرانية، ونظرية الانكشاف الاستراتيجي وخطورتها على السعودية.

مصطفى السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة نفى أن يكون الصراع السعودي الإيراني صراعا مذهبيا أو طائفيا، وقال “تاريخيا لا يوجد تنافس بين السعودية وإيران. في الخمسينات والستينات من القرن الماضي لم يكن هناك تنافس بينهما بل تعاون، السعودية بصفة عامة كانت تندرج ضمن المعسكر الغربي، وإيران في ظل حكم الشاه كانت تندرج في هذا المعسكر، والدولتان كانتا تتصديان للاتجاهات الراديكالية والقومية في المنطقة، وكانتا تحظيان بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأميركية، والدول الغربية.

صراع سياسي

يؤكد مصطفى السيد أن التوتر بين البلدين بدأ مع الثورة الإيرانية عام 1979 حيث سعت الحكومة الإيرانية منذ ذلك الوقت إلى تصدير الثورة في المنطقة، وحتى لو لم تحاول أن تصدرها فالمبادئ التي انتصرت لها من العداء لأميركا والغرب وإسرائيل، والعداء للثقافة الأوروبية، جعلا منها نموذجا تتطلع إليه عناصر كثيرة من الحركات السياسية في الوطن العربي، ولا شك أن بعض القيم التي انتصرت لها الثورة كان يتعارض مع ما كانت تريده السعودية التي تتمتع بسياسة خارجية محافظة، ولا تسعى لقلب نظم الحكم في الدول الأخرى لكن تريد أن يتحقق قدر من الاستقرار في المحيط العربي والإقليمي.

الخطاب الطائفي يستخدم من جانب إيران لتعزيز نفوذها في المنطقة، ويستخدم على المستوى المحلي الإيراني من جانب قادة سياسيين لبناء رأس مال سياسي

وأضاف “البعض الآن يريد أن يكسب الصراع طابعا طائفيا ويخرج به من التنافس على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط إلى تنافس بين قوتين تمثلان طائفتين إسلاميتين: الطائفة السنية والطائفة الشيعية، والذي يعزز من هذا أن إيران تعتمد بشكل أساسي على القوى الشيعية في دول المنطقة لتعزيز نفوذها فهي تدعم حزب الله في لبنان، وتؤيد القوى الشيعية في البحرين، والحوثيين في اليمن، وتنتصر لقوى شيعية أخرى في المنطقة، ومن هنا بدا الصراع وكأنه صراع بين الشيعة والسنة، لكن الحقيقة ليس هناك خلاف على تفسير الدين، لكنه خلاف حول امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة. وقد شعرت السعودية بأن ذلك يشكل خطرا، نظرا لوجود أقلية شيعية لديها، وفي بقية دول الخليج الأخرى خصوصا في البحرين، والأقلية هنا ليست بالمعنى العددي ولكن بالمعنى السياسي. مثلا يمكن القول إن شيعة العراق كانوا يمثلون أقلية من الناحية السياسية، أي أن حقوقهم السياسية كانت مهدورة، لكن مثلا الشيعة في الإمارات أو قطر والكويت وعمان لم يواجهوا أي نوع من التمييز في ممارسة شعائرهم”.

وأوضح السيد “في الفترة الأخيرة امتد النفوذ الإيراني إلى عدد من الدول العربية مثل سوريا ولبنان واليمن والعراق، وهو الأمر الذي أعطى زخما لهذا التنافس بين الدولتين، حيث شعرت السعودية بأن تعاظم النفوذ الإيراني يمثل تهديدا لها خصوصا وأن تصريحات القادة الإيرانيين تذهب في هذا الاتجاه”.

وشدد على أن الصراع ليس صراعا طائفيا ولا مذهبيا بالأساس ولكنه صراع سياسي، وحذر من تصاعد الخطابين السني والشيعي، قائلا “الخطاب الطائفي يستخدم من جانب إيران لتعزيز نفوذها في المنطقة، ويستخدم على المستوى المحلي الإيراني من جانب قادة سياسيين لبناء رأس مال سياسي، وهذا الأمر على درجة عالية من الخطورة، لأن المشاعر الطائفية تختلف عن أي أساس آخر للانقسامات والخلافات السياسية، حيث يمكن لأي انقسامات أو خلافات سياسية أن تصل إلى حلول عبر التفاوض حولها، أما الخلاف الطائفي فهو مبني على العاطفة ولا مجال فيه للعقل، حيث أن الجماعات هنا تتعاطف مع من ينتمون إلى نفس الجماعة الأولية التي ولدت فيها ووفقا لمبادئها وخصائصها. هذا التعاطف أو التضامن في جانب منه لاعقلاني، من هنا من الصعب الوصول إلى تسوية لمثل هذه النزاعات الطائفية”.

ورأى السيد أن إيران أقوى وأخطر في استخدام المشاعر الطائفية، “السعودية حاولت أن تجند المشاعر السنية من خلال هذا التحالف السني الواسع الذي دعت إليه، لكن مهارة السعودية في استخدام العامل الطائفي أقل بكثير من المهارة الإيرانية. وإذا كانت إيران نجحت في استخدام السلاح الطائفي بالمقارنة مع السعودية، فهذا لا يعني أن إيران صفحتها بيضاء تماما في ما يتعلق بالأقليات الموجودة فيها، وأبعاد المشكلة الطائفية الموجودة لديها سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بالتأكيد هناك قيود على الاعتراف بهوية كل طائفة سواء كانت كردية أو عربية أو سنية في إيران”.

بهجت قرني: المذهبية فخ يؤدي إلى طريق مسدود والأساس أن الصراع جيوسياسي

فخ طائفي

شدد بهجت قرني أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، ومدير منتدى الجامعة، على أهمية التأكيد على الناحية الجيوسياسية في الصراع، محذرا الإعلام من الاستمرار في تبني الناحية المذهبية، وقال “لاحظت أن الإعلام الخليجي تسيطر عليه الناحية المذهبية”. واعتبر أن ما يجري فخ للدول الإسلامية، وقال إن “الصراع بين إيران والسعودية طويل المدى، أيام الشاه كانت هناك منافسة، لكن العلاقات كان فيها نوع من الود، لكن مع الثورة الإيرانية 1979 تصاعدت الأمور بطريقة مختلفة، والأزمة الحالية ظهرت على السطح بعد إعدام 47 مواطنا سعوديا، احتجت إيران على إعدام واحد فقط وتناست الـ 46 الآخرين، وكل ما همّها أنه شخص شيعي في حين أن الـ 46 الباقين بلا أهمية، وأعطت الأمر ناحية مذهبية. أعتقد أن ذلك فخ للدول الإسلامية للوقوع فيه، وهنا تكمن أهمية الناحية الجيوسياسية، وأتمنى ألا ينجر متخذو القرار في الجانبين وراء الناحية المذهبية، لأن ذلك سيصبح كارثة على المنطقة عامة والعالم الإسلامي خاصة. لأن التفكير بطريقة جيوسياسية سوف يمكن من احتواء الصراع ومن ثم حله في وقت ما”.

وأشار إلى أن الناحية الجيوسياسية ناحية عملية؛ “لو أكدنا على الناحية الجيوسياسية يمكن ضمان الحشد الدولي الذي لا يمكن أن يتوفر مع الناحية المذهبية بل ستكون هناك نظرة دونية لكل المنطقة جراءها”.

وحذر من ذوي النوايا السيئة الذين يدعمون نظرية الصراع المذهبي تحت مقولة “نريد للإثنين أن يستنزفا بعضهما البعض”، وهناك نظرية كانت موجودة من طرف مفكر اسمه مارتن إيندك، الذي كان سفيرا لأميركا في إسرائيل وكان مستشار الأمن القومي للرئيس كلينتون، مارتن هذا قدم أيام الحرب العراقية الإيرانية نظرية “الاحتواء المزدوج” قال “لنجعل العراق وإيران يستمران في الصراع كأنهما وحشان يتقاتلان ويجهزان على بعضها”، وربما البعض ذكر أنه “كلما كانت الأمور تدخل في إطار الهدوء بين الدولتين كان يتم صب الزيت لتشتعل النار مرة أخرى”، وأنا في الحقيقة لا أسميها نظرية “الاحتواء المزدوج” ولكن أسميها “نظرية الاستنزاف المزدوج” بحيث تصل بالطرفين إلى نوع من الموت البطيء، والنتيجة أن الخصم البعيد هو المستفيد الوحيد.

وأكد أن الناحية المذهبية فخ يؤدي إلى طريق مسدود، وقال “الأساس أن الصراع جيوسياسي، لأنه في الصراع الجيوسياسي يمكن تحديد نقاط الاختلاف ونقاط الاتفاق وتقيل مساحة الاختلاف وزيادة مساحة الاتفاق. لكن الصراع الشيعي السني لا يخضع لهذه الحسابات”.

7