الطائفية والخلافة والتأجيج الإقليمي تنبئ بتقسيمات جديدة للعرب

الأربعاء 2014/07/16
فتاوى وبيانات أسهمت في تأجيج الشحن الطائفي والانتصار للمذهب على حساب الوطن الجامع

قال الخبير بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي “ستيفن كوك” في تصريح له لإحدى وسائل الإعلام الأميركية إنه “لم يعد من المنطقي للناس الذين يعيشون هناك (أي في العراق) أن يبقوا في بلد واحد”. من الوهلة الأولى يمكن قراءة التصريح على أنه تجاوب مع الأحداث اليومية في العراق المتسمة بدمويتها وغموضها، خاصة بعد إعلان ما يسمى بـ”الخلافة” على لسان أبي بكر البغدادي. لكن خبراء ومحللين أكدوا في الجانب المقابل أن هذا النوع من التصريحات ليس مجانيا، وإنما هو استتباع لمقترحات سياسية استراتيجية تم تداولها في دوائر القرار الأميركي والغربي عموما، لعل من بينها مشروع “جو بايدن” الرامي إلى تقسيم العراق.

لئن كانت ثورة 30 يونيو المصرية قد حطمت “الصنم المقدس” للإخوان المسلمين كقوة سياسية تمكنت من السلطة في إحدى أهم الدول العربية وهي مصر، فإن خطر جماعات الإسلام السياسي المسلحة قد تصاعد بشكل ملحوظ ومتواتر في شرق المنطقة العربية وذلك للقيام بوظائف رآها محللون أنها تصب في صالح القوى الإقليمية المحيطة بالعرب وهي إيران وتركيا، وهي القوى التي تسعى من خلال بث الفوضى إلى إيجاد مجالات جديدة للتفاوض مع الغرب حول مكاسب ومصالح تهمها على حساب المجتمعات والدول والقضايا العربية.


الحلف الإيراني الغربي للتقسيم


تهدف السياسة الإيرانية بشكل عام تجاه المنطقة العربية إلى إضعاف القوى الإقليمية العربية المحيطة بها إلى أقصى الحدود الممكنة، وهو ما سيمكنها من البروز كقوة قادرة على التحكم في المسارات السياسية والاقتصادية والحيوية في ما يتعلق بمنطقة الخليج ومصر بشكل أساسي.

ومن بين الحواجز التي تقف أمام الوصول بعيدا في هذا الاتجاه، هو الاستقرار السياسي الذي يمكن أن يسود المنطقة في حالة عدم وجود مؤثرات خارجية تؤجج النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية في المنطقة العربية المعروفة بثرائها في هذا الجانب. وبالتالي فإن “شيوع الفوضى داخل المنطقة سيؤدي إلى إيجاد مبررات للتدخل الإيراني تحت عناوين مختلفة أهمها العنوان الطائفي”، وهو ما يحدث فعلا في العراق بعد التأكد من قتل طيارين إيرانيين في الهجمات الجوية على المسلحين يمكن ذكر اسمين منهم هما علي رضا مشجري وشجاعت علمداري مورجا، وضابط آخر في وحدة “صابرين” العسكرية الإيرانية.

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حازم حسني في سياق تحليل التقاطع الإيراني الغربي في إضعاف دول الشرق الأوسط أن “إيران ترمي إلى زيادة نفوذها الشيعي داخل البلدان العربية للضغط على دول الخليج ومصر وبهدف إقامة تحالفات دولية جديدة خارج الحضيرة العربية”.

لم يتمكن العرب من إيجاد صياغات ديمقراطية للحكم طيلة نصف قرن ما أدى إلى تفشي ظاهرة الإرهاب والطائفية


داعش الوجه الآخر لحزب الله


تغيب شيئا فشيئا ملامح الدولة في المنطقة الممتدة بين العراق ولبنان، فقد أصبحت المحركات الطائفية والمذهبية والعرقية هي المسيطرة على المشهد، وهي التي تغذي ديناميكية الصراع في مناطق واسعة وحساسة، فيما تبقى المرجعيات المؤطرة لهذا الاقتتال هي مرجعيات دينية تحمل أجندات سياسية صرفة.

فقد أكدت الأحداث الأخيرة في لبنان قبل أسابيع والمتمثلة في تفجيرين انتحاريين استهدفا أحياء ببيروت تقطن فيها غالبية شيعية (أعلنت داعش مسؤوليتها عنها)، أن الاستراتيجية السياسية لهذه الجماعات الدينية المتشددة تهدف إلى خلق بؤر صراع طائفي في كامل المنطقة حتى تنتهي العمليات المسلحة إلى اتفاقيات وقرارات (دولية) للتقسيم الجغرافي على أساس طائفي.

ويقول الخبير المصري في العلوم السياسية عصام عبد الشافي في هذا المستوى إن “داعش استطاعت أن تجلب حزب الله إلى أرض المعركة بعيدا عن سوريا وأساسا في لبنان” وذلك بالنظر إلى هشاشة البنية الاجتماعية والطائفية والدينية للبنانيين بهدف إيصال الصراع إلى ضفاف المتوسط وينتهي فعلا إلى التقسيم الجديد وفق استراتيجية الشرق الأوسط الكبير، خاصة وأن حزب الله (ذا المرجعية الشيعية دينيا والإيرانية إقليميا وسياسيا) يمتلك نفوذا واسعا في لبنان عليه أن يعود ليحرسها. وبذلك فإن محاولات جر تلك الجماعات الدينية بعضها لبعض للاقتتال، إنما تهدف إلى نشر الفوضى والقتل والتهجير وتخريب الدول التي ضعفت مراكزها نتيجة الصراعات الداخلية وبعض الأنظمة الطائفية التي أججت ذلك الصراع مثل ما يحدث في العراق وسوريا، ولعل أبرز نتائج هذا القول نجدها في المطالبات المتتابعة أخيرا للأكراد بهدف الانفصال عن العراق.

أما من ناحية الرؤية الأميركية لمجريات الأحداث في الشرق الأوسط، فيبدو أن إدارة الرئيس الأميركي أوباما تواصل في تمشيها العشوائي وغير المستقر سياسيا. إذ تتحسس بعض التقارير الإعلامية وجود ميل ظرفي للتعاون الآن مع إيران وروسيا ضد الجماعات المتطرفة السنية التي تقاتل في العراق وسوريا ولبنان. وهو ما يدفع تلك الجماعات المتطرفة إلى الاستفزاز المتواصل للمقابل الشيعي، الأمر الذي يدفع واشنطن إلى الإقرار بأن “النوع الوحيد من السلام الذي يمكن أن يعمل في دول متعددة المذاهب الدينية هو تطبيق النظام الفيدرالي، وهو ما يرمي إلى تقسيم الدول العربية وكل إقليم مستقل بنفسه وبحكم ذاتي بعيدا عن السلطة المركزية” حسب تحليل محمد السعيد إدريس، وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

يسعى الأميركان إلى إقامة دويلات فيدرالية على أسس طائفية وعرقية متعصبة لتفتيت المنطقة


الإسلام السياسي مطرقة الغرب


إن تعامل الأجهزة الاستخبارية والأمنية والعسكرية الغربية مع الجماعات الجهادية المتطرفة وجماعات الإسلام السياسي عموما ليس بالتعامل الطارئ أو الجديد، بل إن جذور العلاقة تعود إلى عشرينات القرن الماضي إبان تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وتقول وقائع التاريخ إن الدعم الأميركي كان كبيرا للحركات الجهادية التي اتجهت في ثمانينات القرن الماضي للقتال في أفغانستان ضد “الملاحدة السوفييت” وهي الدعاية التي نجح الأميركان في الترويج لها والتعبئة “الجهادية” من أجلها.

وبالتالي فإن الانتشار السريع لجماعات القاعدة و”داعش” ورديفاتها المتشددة (مثل تنظيم جند الشام وتشكيلات أخرى) يطرح العديد من التساؤلات حول الجهة التي تقف وراء هذه الجماعات والهدف من توزيعها بهذا الشكل في الحين الذي تتحدث فيه تحليلات وتسريبات عن أن المخابرات الأميركية كانت قد دربت في أوقات سابقة مجموعات مسلحة متطرفة ودعمتها بالمال والسلاح والمعلومات الاستخبارية في بعض دول المنطقة.

وفي السياق ذاته يقول نصر عارف أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة إنه “من المؤكد أن الغرب هو من صنع هذه اللعبة ووضع قواعدها جيدا، لأنه سمح لقوى التطرف أن تسود في هذه الدول، وتتوغل بين شعوبها وتصوّب أسلحتها نحو الاستقرار، فعندما ننظر إلى واقع ما يحدث في الشرق الأوسط، وفي أفريقيا، نستحضر بعض الدول التي ترعى الإرهاب وتقوم بتمويل الجهاديين، ومن ثم منحهم المال والسلاح اللازم للقيام بدورهم، وهذا التمويل يتأتى أساساً من ثلاثة أقطار، قطر وأميركا وتركيا، وذلك في كل من العراق وسوريا ولبنان”.

13