الطائفية ودورها في مشروع التفتيت

الثلاثاء 2014/02/25

ذكرنا في المقالة قبل السابقة التي كانت بعنوان “مشروع التفتيت وحلم الصهاينة” بأن المشروع الصهيوني الغربي لتقسيم المنطقة يهدف إلى تقسيمها على شكل عرقي وطائفي، وذلك بهدف تسهيل تقسيمها ومطالبة كل عرقية وطائفة بالانفصال عن الأخرى، وأيضا حتى تبقى هذه الدويلات في حال توتر في العلاقات فيما بينها وتستمر الصراعات الطائفية فيما بينها، وسردنا بعض الوثائق التي تحدثت عن ذلك.

ولإحداث هذا التغيير الجيوسياسي للمنطقة لابد أن يعلو صوت الخطاب الطائفي وتزداد حدة ودموية الصراعات الطائفية في المنطقة بدءا من الإعلام الطائفي وانتهاء بالقتل على الهوية، وكعادتها إيران قد فهمت المشروع الغربي الصهيوني فأوقدت نار الطائفية عبر دعم أكثر من 60 قناة فضائية لتهاجم أهل السنة وتنفذ أجندات شيعية بحتة، وعملت هي أو غيرها على مستوى إعلامي آخر غير مباشر للتمهيد لهذا التغيير الجيوسياسي، فرسخت في الأذهان بعض الأمور البعيدة عن الواقع تمهيدا لهذا التغيير.

ومن هذه الأمور ترديد الإعلام لسنوات عديدة بأن جنوب لبنان ذو أغلبية شيعية، وهذا مخالف للواقع حيث أن أكبر مدن الجنوب اللبناني وعاصمته وهي طرابلس هي سنية بالكامل ومعظم القرى المتاخمة لفلسطين المحتلة في أقصى الجنوب اللبناني هي قرى سنية وبعضها مسيحية. وقد انكشفت هذه الحقيقة في حرب 2006 عندما قصفت معظم قرى جنوب لبنان وإذا بالضحايا معظمهم من السنة، وكذلك ركز الإعلام على أن المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية ذات أغلبية شيعية، وهذا بعيد كل البعد عن الواقع إذ أن الشيعة يتواجدون في بعض قرى الإحساء وفي القطيف فقط، وبينما هناك شيعة في جنوب المملكة العربية السعودية وآخرون في المدينة المنورة لا يتم ذكرهم في وسائل الإعلام لأن الهدف أن تكون المنطقة الشرقية دولة شيعية بعد تقسيم المملكة العربية السعودية كما هو مخطط له، كما خُطط لأن يكون جنوب لبنان دويلة شيعية لذلك تم إغفال وجود الشيعة في سهل البقاع اللبناني.

إن التفاعل مع الخطاب الطائفي على نفس الأساس يجعل مخطط التفتيت يسير وفق ما هو مخطط له، لذلك يجب مواجهة الطائفية محليا بإخضاعها للقوانين الوطنية، ومواجهتها خارجيا بمعالجتها سياسيا أو تحويلها إلى مسار سياسي بعيد عن البعد الطائفي، وهو الأساس الفعلي للحالة الطائفية التي تعصف بالمنطقة، فالتشيع الذي تدعمه إيران هو التشيع الصفوي الذي يواليها ويوالي ملاليها والذي يستعدي جنس السنة وليس دينهم، وما الإساءة للصحابة وأمهات المؤمنين إلا السقف الأعلى للخطاب الطائفي الاستفزازي الذي يهدف إلى إذكاء نار الطائفية حتى تتطور الصراعات وتسفك الدماء ولا يكون الحل إلا بإقامة حدود تفصل بين الطائفتين كما مهد له في العراق التي انتهت من التحول الجيوسياسي، وبقي عليها التغيير الجغرافي حيث تكتل الشيعة في الجنوب، والسنة في الوسط، والأكراد في الشمال.

يجب أن تتم معالجة الإعلام الطائفي سياسيا وقانونيا كأن تتم ملاحقته دوليا وإصدار قوانين لتجريمه، وأن تتخذ القرارات السياسية والتحركات السياسية الدولية للحد من الإعلام الطائفي الذي يمهد إلى سفك الدماء، فالإعلام الذي حصر الشيعة في المنطقة الشرقية في السعودية وجعلهم الأغلبية فيها، قادر على أن يصور جريمة جنائية الجاني والمجني فيها شيعي وسني إلى جريمة على أساس طائفي، مما قد يطور الأمر إلى أن يثأر ذوو المجني عليه فتتطور الأمور إلى اشتباكات طائفية ويضخمها الإعلام فتتدخل المنظمات الدولية للحفاظ على حقوق طائفة ما في إقليم معين فتبدأ عجلة التقسيم بالدوران.

إن احتواء بريطانيا لرؤوس التطرف التكفيري سابقا وتسليمها “أبو قتادة” للأردن و”أبو حمزة المصري” لأميركا بعد انتهاء الحرب على الإرهاب، يدل على أنهما كانا ورقة تستخدمها بريطانيا لإثارة الخطاب التكفيري وإبقائه حيا أثناء الحرب على الإرهاب، واليوم تحتوي بريطانيا رأس الخطاب الطائفي الشيعي وهو المدعو “ياسر الحبيب” وتحتوي في الطرف المقابل “أبو منتصر البلوشي” الذي يعرف عنه خطابه المعادي للشيعة، وتحتوي بريطانيا أول قناة أظهرت الخطاب الطائفي والمناظرات الطائفية في فضاء القنوات العربية وهي قناة “المستقلة”، وهذا دليل على أن الخطاب الطائفي هو ما يرغب الغرب في نشره ورعايته في الفترة الحالية وخصوصا الخطاب الطائفي الشيعي، حيث يغض النظر عن خطاب الكراهية الذي يصدع به ياسر من أرض بريطانيا حيث تجرم القوانين البريطانية خطابات الكراهية، وستتم معاقبة هؤلاء على هذا الخطاب بعد أن تنتهي مرحلة نشر الخطاب الطائفي كما حصل مع أبو قتادة وأبو حمزة اللذان كانا خير وسيلة لتبرير الحرب على الإرهاب، ولما أصبحا بمثابة الكروت المحترقة تم القضاء عليهما بتسليمهما للأردن وللولايات المتحدة.

لذلك علينا كمجتمع التريث تجاه القضايا الطائفية وعدم التفاعل معها على أساس طائفي حتى لا نساهم في دفع عجلة التفتيت التي تستهدف منطقتنا. فالغرض من الخطاب الطائفي الإيراني هو استفزاز أهل السنة، لذلك وعلينا أن نفوت عليهم الفرصة. فغضبنا لن يوقفهم ولن يؤثر عليهم أي تأثير سلبي، وإنما سيجعل منهم مؤثرين بدليل نجاحهم في التأثير علينا، فالفوضى لا تأتي بخير أبدا والنظام مهما كان ضعيفا فإنه أقوى وأكثر تأثيرا من الفوضى، والسفينة بربانين تغرق فكيف بسفينة يقودها جميع الركاب في نفس الوقت.


كاتب صحفي كويتي

8