الطائفي عدواني يسكن في الماضي ويخشى المستقبل

الأحد 2014/12/07
الطائفي لا مكان له في المستقبل لأن المستقبل يهدّد ذخيرته الكبرى

يميل البعض للاعتقاد السائد أن مشكلة الطائفية هي إحدى نتاج ثورات الربيع العربي، وهذا الاعتقاد خاطئ بالمُطلق فعلى غير ما تبدو لنا في ظاهرها، الطائفية باتت حالة ثقافية مكتملة العناصر في المجتمعات العربية على وجه الخصوص وإن كانت لم تظهر إلا على نطاق ضيق فذلك لسبب واحد فقط وهو توفر المُناخ الملائم وقابلية احتضانها من قبل الجماهير.

دراسة تركيبة الجماهير حسب غوستاف لوبون، تقودنا مجدداً إلى شخصية “الطائفي” الذي هو جزء من العقل الجمعي، كيف يفكّر وكيف يرى العالم، حيث يرى لوبون أن الجماهير بطبيعتها عفوية وتميل للاندماج والانصهار مع بعضها البعض لما فيه خدمة لمصلحة الجماعة ككتلة بشرية وعليه تصبح الجماهير المادة الخام للطائفية.

والمراقب للاصطفافات الطائفية في العالم العربي سيلاحظ الكم الهائل من الاندفاعات والانفعالات الوجدانية تجاه أي موقف أو تصريح فيه مساس بطائفة بعينها، وبالعودة لنظرية صناعة الجماهير لا يمكننا النظر للطائفية بمعزل عن عنصرها الأهم وهو الجماهير الغافلة بطبيعتها والتي تتحرك لمجرد الشعور بالتهديد الوجودي.


التهديد الوجودي


قد يرى البعض أن التهديد الوجودي مرتبط بأهم الحاجات، وهو الحاجة للأمن والانتماء، وهذا صحيح ولكن المُراقب لواقع الطائفية في العالم العربي من سوريا إلى لبنان إلى العراق إلى البحرين يلاحظ بسهولة أن الأمر تعدى مسألة التهديد وأصبح يتعلق بتركيبة الجماهير النفسية ذاتها.

لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر حالة الشحن الطائفي التي اجتاحت العراق إبان سقوط نظام صدام حسين، وحالة الشحن المماثلة في سوريا، نلاحظ في كلا البلدين انتشار ميكانيزم الإسقاط التاريخي فتسمع مثلاً عن المظلوميات منذ ألف عام والاستيلاء على الخلافة والخلاف بين السنة والشيعة لدرجة لا يمكنك معها إلا أن تسأل نفسك كيف كانت هذه الملايين تتعايش مع بعضها خلال حكم صدام حسين؟ وكذلك الأمر في سوريا حيث نلاحظ أن مفهوم الثورة قد تلاشى بشكل كبير لدى جمهور واسع وحل محله الثأر الطائفي فكيف كان السوريون يعيشون مع بعضهم؟

رأى لوبون أن الجماهير بطبيعتها عفوية وتميل للاندماج والانصهار مع بعضها البعض لما فيه خدمة لمصلحة الجماعة ككتلة بشرية وعليه تصبح الجماهير المادة الخام للطائفية

ولم يعد خافياً على أحد أن هذا النوع من النزاعات يستفيد منه مروجو أكذوبة النظام العلماني السوري حامي الوحدة الوطنية و الفسيفساء الشرقي العريق.


الثقافة السياسية والطائفية


من الاعتقادات الشائعة أن الطائفية ترتبط بالسلوك العنفي الديني، إلا أن التحليل العميق يبرهن على أنها ثقافة بحد ذاتها تتملك صاحبها، وتستمد أسباب انتشارها وإعادة تموضعها من خلال اللاعبين السياسيين في نظام ما. ولهذا فالحديث بأن الطائفية مؤامرة طارئة على المجتمعات العربية هو عار عن الصحة بل وتكتنفه مجموعة من التناقضات التي تكشف يوماً بعد يوم حجم المشكلة الحقيقي، وهي بهذا المعنى أي الطائفية انعكاس لخيارات الجماهير في مراحل مختلفة من حياتها والإسقاط التاريخي الذي نراه اليوم في ثورات الربيع العربي أكبر برهان على أنها ليست وليدة العصر ولكنها نتاج لاضطهاد تراكمي طويل الأمد.

ويبقى السؤال هل هذا يعني قولنا بأن الشعوب العربية طائفية بطبيعتها وترفض الآخر المختلف؟

بالطبع لا، ولكنها أثبتت بالمقابل أن لديها نزوعاً عنيفاً للالتفاف على المشاريع والرؤى التي تخدم مجموعات بعينها. ولهذا تخدم الصراعات السياسية للمجموعات الدينية المختلفة مشاريع الطغاة أكثر ما تخدم مصالح أفرادها. بعض الباحثين ومُنظّري الطائفية يعتبرون أن الطائفية نتيجة مباشرة للاختلالات الاقتصادية والاجتماعية في بنية المجتمعات العربية. يذهب هؤلاء إلى تبني فكرة أن الأنظمة الحاكمة سعت إلى ترسيخ الاقتتال الطائفي الكامن بانتظار لحظة قيامة الشعوب لتُشهر سكاكين الطائفية وتتخلص من أعدائها بأيديهم. وهذا الكلام دقيق ولكن لا يمكن أن يؤخذ بكليّته لتفسير ما يجري في العالم العربي اليوم من الاختناق الطائفي فهل يُسعفنا علم النفس في إيجاد تفسير للطائفية؟


سيكولوجيا الإنسان الطائفي


من وجهة النظر النفسية، إن من يرث ثقافة الاستبداد بالمحصلة هو شخص جاهل بحقوقه الدستورية والاجتماعية، ولهذا فإنه يتماهى في كثير من الحالات مع الأقوى ويتقبله أكثر ما يتقبل الضعيف الذي يذكره بهوانه، وهذا ما يفُسر تبرير كثيرين لجرائم داعش رغم تيقنهم أنها لا تمتُ للإسلام بصلة ولكن داعش اليوم هي أقوى الفصائل، وبالتالي يعتبر التماهي معها انتصاراً على إحساس الضآلة.

الحديث عن أن الطائفية مؤامرة طارئة على المجتمعات العربية هو عار عن الصحة بل تكتنفه مجموعة من التناقضات التي تكشف يوما بعد يوم حجم المشكلة الحقيقي

وتتقاطع هذه الرؤية النفسية مع الثقافة السياسية السائدة في مجتمعاتنا فكما نعلم فإن الثقافة السياسية لكثير من السوريين قبل الثورة كانت شبه معدومة وبالتالي فجزء كبير من الناس لايعي حقوقه فعلا، ولهذا لازلنا نسمع أصواتاً إلى الآن تقول: “كنا نعيش بخير هذا النظام والحقيقة أن النظام هو الذي كان يعيش من خير سوريا والسوريين”، بينما يعيش أكثر من نصف سكان سوريا تحت خط الفقر. من الطبيعي أن يُنتج عن هذا الجهل السياسي اصطفافات غوغائية تحت مسمى الوحدة الوطنية.

يرى غوستاف لوبون هذه الاصطفافات الغوغائية نتاجاً منطقياً ويعُبر عنها في كتابه روح الجماهير بالقول: “في بعض الظروف المعيّنة يمكن لمجموعةٍ من البشر أن تمتلكَ خصائصَ جديدةً مختلفةً جداً عن خصائص كلِّ فردٍ في المجموعة، فعندئذٍ تنطمس الشخصيّةُ الواعية للفرد، وتصبح عواطفُ وأفكار الوحدات المصغّرة المشكِّلة للجمهور موجهةً في الاتجاه نفسه وعندئذ تتشكل روحٌ جماعيّةٌ عابرةٌ ومؤقتة ولكنها تتمتّع بخصائصَ محدّدةٍ ومتبلورةٍ تماماً”، ولا شيء يمكن أن يفسر الاصطفاف الطائفي كميكانيزم نفسي أكثر من انطماس الشخصية الواعية وسنرى ذلك بالأمثلة.

فلو أخذنا على سبيل المثال الشعارات الطائفية والدموية لموالي نظام الأسد مثل : “الأسد أو نحرق البلد”، “يسقط ربك وما يسقط بشار”، “الأسد إلى الأبد”، نرى بأنها ليست فقط شعاراتٍ استفزازيةً سخيفةً ومضحكة في ابتذالها، ولكنها تعكس أيضاً نوايا من أطلقها وأوعز لجمهور الطاغية بترديدها، فهي ليست ببغائيّة، على الأقل، بالنسبة إلى مُطلقيها. وقد برهن النظامُ السوري من خلال مجازره الوحشية عبر ثلاثة أعوام ونصف على أن هذه الشعارات ليست كما كنا نظن، بل إنها انعكاس لما يبدو أنه قضية حياةٍ أو موت. وهذا ما يفسر انتشار هتافات تعكس صورةً وحشيةً في جوهرها لا تبتعد كثيراً عن صورة مصّاصي الدماء كما في هتاف: “يا بشار لا تهتم نحن رجالك نشرب دم”، مثل هذه الهتافات التي تُركّز على هذا الجانب السادي المطلق في الولاء لنظام قام منذ اليوم الأول لاختطافه الحكمَ بتصفية المناهضين له هي ما يشكل خطورةً حقيقيّةً على مستقبل السلم الأهليِّ في سوريا بعد إسقاط الطاغية الأسد.

وقد بيّنت الدراسات أن الفرد المنضوي إلى وسط جمهور هائج، سرعان ما يسقط في حالةٍ من الانجذاب الشديد كذلك الذي يشعر به المُنوَم مغناطيسياً تجاه مُنوِّمه، يصبح عبداً لكل فعاليّاته اللاواعية وتصبح الشخصيّةُ الواعية غائبةً عن المشهد، كذلك تُلغى إرادة الفهم والتمييز وتصبح بذلك عواطف المُنوَّم وأفكاره موجهةً في الاتجاه الذي يحدّده له مُنَوِّمه. ومن المعروف أنه حينما تُدمّر الملكات لا يعود الفرد واعياً لتصرفاته ويصبح من السهولة بمكان التأثير عليه وتحريضه في أي اتجاه ولهذا التحريض عند الفرد هنا قوة أكثر بكثير من قوتها لدى الفرد المُنوَّم مغناطيسياً.

ولنا أن نتخيلَ كيف يتمّ إذاً الانخراط الطائفي بسهولةٍ من قبل أفرادٍ إذا أُخذت خصائصهم النفسيّة والتعليميّة منفردةً فإنها لا تُنبئ بإمكانية انخراطها في هذا النوع من التجمعات.


المازوشية والطائفية


في سيكولوجية الشخص الطائفي تعيش بعض السمات التي تجعله عرُضة أكثر من غيره لقابلية استغلاله من قبل الطاغية.

ويرى الدكتور مصطفى حجازي في دراسته “سيكولوجية الإنسان المقهور” بأن الشخص الطائفي يُظهر نزوعاً مدُهشاً لإمكانية استعباده وهو محب للطاعة على نحو لافت. لهذا نرى أن الإخصاء العقلي الذي يمُارس على الطائفيين يروق لهم بل ويتماهون مع الطاغية طالبين منه المزيد.

هذا النزوع المازوشي في حب القائد يعكس بالمقابل مخاوف تتعلق بالوجود يعتُبر المًخلص فيها المُعنِّف نفسه وهذا ما أشرنا إليه في البداية أن الإنسان الذي يرث الاستبداد عموماً يتعين بالأقوى.

إلا أن الحالة تتفاقم عند الطائفي، حيث يزيد من خطورتها وجود الخوف الوجودي الذي يرتبط ارتباطا ًجوهريا ًبالميل للاستعباد، فالطائفي يرى في قائده المُخلص وهو وحده من يحرره من مخاوفه ويُشعره بالأمن.

مع الوقت، المخطوف يتماهى مع الخاطف الذي يمدّه ويُسهّل له القيام بما يمكن أن يجعله على قيد الحياة. هو ما يمكن أن يصلَ إلى مراحلَ متقدّمةٍ، إلى نكوصٍ طفوليٍّ مبعثه أن الخاطف (الطاغية) هو من منحه فرصة العيش والبقاء على قيد الحياة رغم أنه لا يستحقها، وما يعنيه هو أنه كان بالإمكان بالفعل قتله ولكن الطاغية ما كان ليفعل ذلك. وما مناشدة بعض المثقفين والفنانين الذين عابوا على بشار الأسد تأخره باستخدام الكيميائي، إلا تمثيلٌ صارخٌ للساديّة في أعلى مستوياتها. ولكن هذه الساديّة ما كانت لتكونَ لو لم يكن وراءها نكوصٌ طفوليٌّ مفاده أن الطاغية يملك أرواح الناس، وله الحقُّ بمنحهم أسباب العيش والموت، وما تأخره بقتلهم بالكيميائي إلا لطفٌ زائدٌ. ويذهب بعضهم في ساديّته إلى حدِّ عدم تبرير التأخر فيه.

في بعض الظروف يمكن لمجموعة من البشر أن تمتلك خصائص جديدة مختلفة جدا عن خصائص كل فرد في المجموعة، فعندئذ تنطمس الشخصيةُ الواعية للفرد، وتصبح عواطف وأفكار الوحدات المصغرة المشكلة للجمهور موجهةً في الاتجاه نفسه وعندئذ تتشكل روح جماعية عابرة ومؤقتة


التعطش إلى الاعتداء


يرى فرويد أن غريزةَ الموت تتواجد إلى جانب غريزة الحياة إيروس، وأنها تقاسمها السيطرة على أهل الأرض. وفق هذه النظرية يتضح لنا معنى ارتقاء الثقافة ولا يعود أمره لغزاً محيّراً، فهو لا بد أن يحدثَ بفعل الصراع بين إيروس والموت، وبين غرائز الحياة وغرائز التدمير كما تتبدّى في أفعال جنس البشر.

فهذا الصراع هو لبُّ الحياة وكل ما يمكن أن تتكون منه أساساً، وعلى ذلك نستطيع أن نقولَ إن ارتقاءَ أو تطوّر الحضــارة هــو شيءٌ يمــكن أن نــصـفه بــأنه صــراع الجنــس البشــريّ مــن أجــل البقــاء.

ويفسر فرويد وفق رؤيته للصراع بين غريزتي الحياة والموت كيف أننا نعترف بالموت بالنسبة إلى الغرباء وبالنسبة إلى الأعداء ونخُصّهم بالرضى نفسه دون تفكيرٍ تماماً كما يفعل الإنسان البدائي، وهنا يظهر حقاً فرق يثبت في الممارسة أنه فرقٌ حاسم. فإن “لاشعورنا” لا يُنفذ عملية القتل إنما هو يفكر فيها فحسب. ولكن من الخطأ بالمقابل التقليل من قيمة هذا الواقع النفسيّ بالمقارنة مع الواقع الفعليِّ فهو مهمٌّ ومشحونٌ بما فيه الكفاية؛ فنحن في اللاشعور نبتعد يوميّاً وفي كل ساعة عن وجه كلِّ من يقف في طريقنا وكلّ من أغضبنا أو أضرّ بنا.

إذاً هذا تعبيرٌ لاشعوريٌّ عن رغبةٍ بالموت مُتعمّدة شديدة الأهمية. ويتابع فرويد: “إن لاشعورنا يمكنه أن يقتلَ حتى لأتفه الأسباب فهو مثل قانون دراكو الأثيني القديم لا يعرف عقوبةً لجريمةٍ إلا الموت.

ولهذا قدرٌ معيّنٌ من التماسك المنطقي لأن كل إيذاءٍ لأنانا المعظم والأوتوقراطي هي في أعماقها جريمةٌ ضد الذات الملكيّة”.

الطائفي عابر وزائل، ولكنه قويٌ وغير واعٍ، وغائب في التنويم، عدواني ومتوحش، يعيش في التاريخ، ولا مكان له في المستقبل، لأن المستقبل يهدّد ذخيرته الكبرى.. الماضي وصراعاته.

8