"الطابون" إرث فلسطيني وخبز بنكهة الماضي الجميل

تتنازل الشعوب مع تسارع نسق الحياة المعاصرة عن بعض عاداتها وتقاليدها وخاصة في ما يتعلق بالحياة اليومية من مأكل وملبس وتدفئة، أشياء أصبحت متوفرة في الأسواق بعد أن أن كانت تعدها النساء في البيوت، فالطابون الفلسطيني وخبزه أصبحا من الذكريات التي يتحدث عنهما الكبار بكل حسرة، بعد أن انتشرت الأفران في المدن وحتى القرى.
الاثنين 2018/01/29
خبز بقي في البال

الخليل (فلسطين)- تقول الحاجة ريا القيسية أم إياد (65عاما) من بلدة الظاهرية جنوب الخليل “سأحتفظ بالطابون ما حييت.. ولن آكل خبزا غير خبزه”.

والطابون كلمة تطلق على الغرفة التي تحتوي على الموقد، وهي غرفة صغيرة سقفها منخفض ومدخلها صغير للمحافظة على الحرارة في الداخل، وكذلك تطلق الكلمة على الموقد نفسه.

ويشكّل خبز الطابون أو ما يعرف بالخبز الفلاّحي رمزا من رموز التراث الوطني الفلسطيني، بما يشير إلى أن الطابون شكّل ولا يزال عنصرا أساسيا من عناصر تكوين القرية والريف الفلسطيني، عرف بها وعرفت به، فلا يكاد بيت في القرى الفلسطينية الصغيرة والخرب النائية يخلوان من الطابون، فهو جزء أساسي من البيت الفلسطيني.

ويستمر استخدام الطابون في صناعة الخبز، إلا أنه الآن بدأ بالتراجع شيئاً فشيئاً حتى قارب على الانقراض، متحوّلاً من طريقة أصيلة لصنع الخبز إلى تراث وحكايات للأجيال.

مهنة النساء افتكها الرجال

تقول أم إياد التي تخشى أن يصبح الطابون وخبزه من ذكريات الماضي “أنا لا أطيق خبزا آخر ولا أتلذذ بخبز غير خبز الطابون، لقد تعوّدنا عليه منذ الصغر، وأكثر من ذلك فهو يحمل رائحة أمهاتنا اللواتي علمننا الخبز فيه، وطريقة صناعته، والاعتناء به”.

وتتابع “ما زال مشهد الصبايا في الصباح الباكر وهن يحملن وعاء العجين على رؤوسهن لتزويد العمال ورعاة الأغنام بما يحتاجونه من خبز الطابون الساخن، ماثلا أمام ناظريّ”.

وتشير الحاجة أم رياض الجباربن، إلى أن للطابون ذكريات عزيزة على قلبها، حيث كانت النسوة تتجمعن حوله، مشيرة إلى أن طابونها كان ذا حرارة عالية وقادرا على الخبز للحارة كلها.

وتضيف “خبز زمان كان له طعم مختلف، فلم نكن نعرف شراءه من الخارج، فبأيدينا كنا نزرع ونحصد وندرس ونخبز الخبز البلدي الذي حرم منه جيل اليوم، ولم نكن نمرض ولا نتعب ولا حتى نجوع.. فالخبز موجود واللبن والسمن، والبيت عامر بما تزرعه أيدينا’.

وتتحسر أم رياض على أيام زمان وتخشى أن يأتي يوم لا يعرف فيه أبناؤها وأحفادها شكل الطابون ولا خبزه، وتقول إن مشكلة الطابون مع الجيل الجديد تتمثل في رائحة الدخان المنبعث منه، وفي الاكتظاظ السكاني. وتتابع بأن كنّتها وبناتها يردن الخبز على فرن الغاز كونه أنظف ويفي بالغرض دون دخان ولا تعب بال.

وأعرب خليل موسى (58 عاما) عن حبه الشديد لخبز الطابون، قائلا “ينتابني الحنين والشوق لتلك الأيام التي كنا نتناول فيها خبز الطابون الساخن.. فقدنا لذة تلك الأيام التي اختفت من حياتنا وأصبحت ذكرى بعد دخولنا عصر السرعة، وبدخول المرأة ميدان العمل لم يعد هنالك وقت للنساء للاحتفاظ بالطابون فهو يحتاج وقتا وجهدا وعناية”.

وأشار المواطن محمود خليل حرب (65عاما)، إلى أن القرية الفلسطينية القديمة لم تعد قرية صغيرة، وأن الاكتظاظ السكاني والتغيّر الحضاري لا يسمحان بوجود الطابون بين البيوت، وأن بدائل الطابون اليوم كثيرة.

الأفران تريح النساء من عناء إعداد الرغيف

وتذكر أم فايز مطاوع (40 عاما) تحسر أخيها المغترب في الولايات المتحدة الأميركية على قطعة من خبز الطابون، وتقول، إن رائحة خبز الطابون ما زالت تسكن عقله وقلبه وهو دائم الكتابة عنه. وتشير إلى أن الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني جعلته يتمسك بعادات وتقاليد قد لا تتماشى مع العصر الذي نعيش فيه، وأن كثيرا من البيوت المستورة اضطرت الى العودة للخبز في الطابون نظرا إلى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء.

ويصنع الطابون، طبقا لمن التقتهم وكالة الأنباء الفلسطينية، من التربة الحمراء الخالصة المعروفة باسم “السمقة”، ويخلط بها القش الناعم “التبن”، وتنقع التربة في الماء لمدة يومين قبل أن تعجن جيدا ويصنع منها قاعدة الطابون على شكل حلقة، وتترك لتجفّ في الظل لليوم الثاني.

ويضاف إلى القاعدة عدة أدوار وتترك لتجفّ قبل صنع باب الطابون الذي يحتاج إلى دقة في الصنع، ويسمّى في هذه المرحلة بـ”القحف” قبل ان يترك لمدة أسبوعين حتى يجفّ تماما ويوضع في مكانه المخصّص، وهي غرفة صغيرة تأخذ هي الأخرى نفس المسمّى للطابون، ثم تشعل النار بداخله وخارجه بحرارة متوسطة ليحترق “القحف” ويصبح صلبا كالصلصال.

وفي اليوم الثاني، توضع في الطابون حجارة صغيرة تسمى “الرضف” وتغطى بغطاء الطابون، ثم يوضع روث الحيوانات حوله من جميع الجهات ويترك لليوم الثاني حتى يتم احتراق الزبل بالكامل، ويصبح الطابون لا دخان له وجاهزا للخبيز.

تقول أم رياض إن النساء يعددن عجين الخبز فجرا أو في الليل، وفي الصباح يشعلن الطابون باستخدام التبن و”جفت” الزيتون وخشب الشجر وغيرها من المواد.

وتتحسر أم رياض على أيام الطابون، الذي كانت له مواعيد ويرتبط ببعض المواسم قائلة “كان الفلاحون يفرحون بموسم جني الزيتون، وخاصة عند عصره، فليس هنالك ألذ من خبز الطابون مع زيت الزيتون الطازج والزعتر، كما أن الطابون ليس للخبز فقط، فقد كنّا كذلك نطهو فيه صواني الدجاج واللحم، ونشوي الخضار مثل الباذنجان والفلفل”.

وتضيف أن الطابون الفخاري استبدل اليوم بآخر يُصنع من الحديد ويسمى باللهجة العامية “الوكاد”، وهو يعمل بذات طريقة الطابون حيث يوضع فيه الحطب مباشرة وسهل الإشعال ولا يسبب رائحة كالطابون، وبعد ذلك دخل فرن الغاز، ومن ثمّ المخابز الآلية وصارت النساء يفضلن خبز السوق الذي يوفر عليهن العناء.

وانتشرت المخابز الآلية التي تصنع خبزا يشبه الخبز البلدي، يقول الخباز الشاب منتصر السكني (25 عاما) “لكن خبز الطابون البلدي اختفى من الأسواق، لعدم وجود طلب عليه”.

20