"الطاغوت" الروسي يفوز باللؤلؤة السوداء في أبوظبي السينمائي

الأحد 2014/11/02
فيلم "الطاغوت" صوّر الحيتان الجديدة لروسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

أبو ظبي – في حفل كبير شهده مسرح قصر الإمارات بأبوظبي، أعلنت مساء أمس الأول الجمعة نتائج مسابقات الدورة الثامنة من مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي، وعلى رأسها جائزة “اللؤلؤة السوداء” في المسابقات الرئيسية الثلاث، وهي مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة آفاق جديدة، ومسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة. من جانب آخر، أعلنت لجان التحكيم أسماء الفائزين بجائزة حماية الطفل وجائزة الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية (فيبريسكي) وجائزة نيتباك، بالإضافة إلى جائزة الجمهور.

تعد جائزة الجمهور من أهم الجوائز في أي مهرجان عالمي، فقيمتها الأساسية تكمن في أنها تكريم حقيقي للفيلم الفائز بها من جانب جمهور المهرجان، الذي يختار من خلال بطاقات تصويت هي نفسها بطاقات الدخول إلى العروض، الفيلم الفائز دون مناقشات ولا توازنات كما يحدث عادة بالنسبة للجوائز التي تمنحها لجان التحكيم.

حصل الفيلم الوثائقي الألماني البديع “ملح الأرض” الذي اشترك في إخراجه المخرج الألماني فيم فيندرز مع جوليانو ربيرو سالجادو، على جائزة الجمهور، وهو الابن الأكبر للمصور الفوتوغرافي البرازيلي العالمي الشهير سباستياو سالجادو، صاحب التجربة الكبيرة في التصوير.

وهي تجربة تروي قصة أربعين عاما من الألم الإنساني في العالم، وصاحب الرؤية الإنسانية التي ترفض الظلم، وتتوقف طويلا أمام مغزى الاختيار الإنساني الصعب، وكيف أصبح الإنسان أكثر المخلوقات قسوة في عالمنا: وهذه الأفكار تصل إلينا من خلال الصور البديعة التي التقطها بعدسته من أماكن مختلفة في العالم، منها ما لم يسبقه إليه بشر من قبل.


الجوائز الرئيسية


جائزة أحسن فيلم روائي طويل حصل عليها الفيلم الروسي “الطاغوت” للمخرج الروسي أندريه زفيانكتسِف، ويصور الفيلم من خلال قصة واقعية، ما وصلت إليه الأحوال في روسيا اليوم بعد نهاية الاتحاد السوفيتي، وكيف أطلقت أيدي رجال المال والأعمال لتستولي على الملكيات الفردية التي لا يستطيع أصحابها التصدي لهم بالقانون.

فالقانون نفسه أو بالأحرى، القائمون عليه، أصبحوا لقمة سائغة في فم أولئك الحيتان الجدد، الذين يسعون لالتهام كل شيء في طريقهم بمساعدة البيروقراطية الحكومية الشرهة أيضا للاستحواذ، والمستعدة لسحق كل من يقف في طريقها تماما كما يحدث لبطل هذا الفيلم.

الممثل الروسي الكسي سيريبرياكوف بطل هذا الفيلم استحق الفوز عن جدارة بجائزة أفضل ممثل في هذه المسابقة.

أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة الفيلم الروائي، فقد ذهبت إلى فيلم روسي أيضا هو “تجربة” للمخرج الكسندر كوت الذي اعتبره كثير من الحاضرين، الاكتشاف الحقيقي في المهرجان.

ويروي الفيلم قصة حب تدور على خلفية التجربة الهيدروجينية الأولى التي أجراها السوفيت في صحراء كازاخستان في أوائل الخمسينات، ولعل ما يميز الفيلم أنه صامت تماما، ويروي قصته من خلال الصور والنظرات.

فيلم "العجائب" يركز على فكرة العمل ومحاولة العثور على وسيلة للتماسك، رغم كل الظروف الاقتصادية الشاقة والخروج من المأزق الاقتصادي عن طريق التساند الأسري في كل الظروف


فرصة ثانية


كان أحد أفضل الأفلام التي عرضت في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة الفيلم النرويجي “فرصة ثانية” للمخرجة الموهوبة سوزان بير، ويروي الفيلم قصة تتميز بالاثارة والترقب، حول امرأة تنجب طفلا ترتبط به ارتباطا كبيرا مع زوجها ضابط الشرطة.

ولكن الطفل يموت نتيجة الاهمال أو الجهل بالطريقة الصحيحة للتعامل معه، ويجن جنون الأم التي لا تصدق أنه يمكن أن يكون قد توفي، تريد أن تستعيده بأي ثمن، ولا يجد زوجها حلا سوى أن يلجأ لارتكاب جريمة، تتمثل في سرقة ابن لزوجين من المشتبه فيهم، من مدمني المخدرات، تحت دعوى أنهما لا يستطيعان رعاية الطفل. لكن الفيلم ينهي الأمر بمأساة.

تقوم بدور الأم التي توفي وليدها والتي ترى أنها فقدت فرصتها الأخيرة، في الإنجاب، الممثلة النرويجية السويدية ماريا بونفي التي جسدت ببراعة ذلك الارتباط الشديد بوليدها، واستحقت بالتالي جائزة أحسن ممثلة.

ولعل المفاجأة الحقيقية تمثلت في فوز الفيلم العراقي- الكردي “ذكريات منقوشة على حجر” للمخرج شوكت أمين كوركي، بجائزة أفضل فيلم من العالم العربي، فالفيلم أقل كثيرا من عدد كبير غيره من الأفلام المتسابقة.

أما جائزة أفضل مخرج من العالم العربي فنالها المخرج اللبناني غسان سلهب عن فيلمه “الوادي”، الذي يروي قصة خيالية تدور على أرضية واقعية تماما، في لبنان المعاصرة حيث يظهر رجل تائه ضل طريقه، وفقد ذاكرته تنقذه أسرة لبنانية مارونية تقيم في منزل منعزل تماما وسط الطبيعة في الوادي، أفرادها يتناقشون ويثرثرون وهم يتناولون الطعام.

ولكن وجود هذا الغريب الذي تتعلق به إحدى فتيات الأسرة (الملاك)، يغير حياتهم ويدفعهم إلى التفكير في مغزى ظهوره، وكأنه نذير بالكارثة التي ستحدث فيما بعد، والتي تصل إلى حد دمار بيروت بالكامل، بعد أن تقصف بالطائرات التي يمكن أن تكون اسرائيلية أو قادمة من مكان آخر، ولكنها إشارة إلى ما ينتظر تلك المنطقة من دمار بسبب انصراف سكانها عن القيام بأي فعل حقيقي إيجابي جاد.

فريق فيلم "البقرات الثمانية عشرة" عند تسلمهم الجائزة


العجائب والصليب


فاز بجائزة الؤلؤة السوداء في مسابقة “آفاق جديدة” الفيلم الإيطالي “العجائب” للمخرجة الألمانية أليتشه رورواتشر. ويصور الفيلم أسرة من الطبقة العمالية الإيطالية تسعى لترسيخ أقدامها في منطقة جديدة تنتقل إليها، وتقيم عملا جديدا يتمثل في منحل لانتاج العسل، مع اهتمام خاص من جانب قناة تليفزيونية محلية بتجربة هذه الأسرة وغيرها من الأسر التي تعمل في مجالات مختلفة.

وقد وجدت شخصيا أن هذا الفيلم أصغر كثيرا من الجائزة، إلا أن منحها له يحمل معنى “تربويا”، يتمثل في تكريم فكرة التركيز على العمل ومحاولة العثور على وسيلة للتماسك، رغم كل الظروف الاقتصادية الشاقة والخروج من المأزق الاقتصادي عن طريق التساند الأسري في كل الظروف.

وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة “آفاق جديدة” الفيلم الألماني البديع “دروب الصليب” للمخرج ديتريتش بروغمان، الذي يعالج بأسلوب مبتكر للغاية، قضية التطرف الديني المسيحي، وقمع الطفولة من خلال قصة معاصرة، تصور طريقة تربية أسرة ألمانية لابنتها التي ترفض هذا التزمت والجمود وتسعى للتحرر من قبضة التطرف الديني.

ولاشك أن الموضوع شديد المعاصرة، ولكن لاشك أيضا أن الفيلم هنا هو الأسلوب، بمعنى أن أهم ما يلفت النظر في الفيلم هو الطريقة التي يعالج بها موضوعه، طريقته في تقسيم الفيلم إلى فصول تحمل عناوين من الكتاب المقدس، وكيف يسبح عكس المعنى المقصود في الكتاب، حيث يبدو وكأنه يصنع من الطفلة ضحية، تماما مثل المسيح نفسه.


حول "سيفاش"


جائزة أفضل ممثل حصل عليها التركي دوغان أزجه بطل فيلم “سيفاش” للمخرج كان موجديجه، الذي قام بدور الطفل أصلان، الذي يريد أن يتميز عن أقرانه في تلك القرية النائية التركية، التي يمارس فيها الكبار ويتراهنون كثيرا على مصارعة الكلاب.

وهو نوع من التسلية الوحشية البشعة التي يتصارع خلالها كلبان يمزقان بعضهما البعض أمام تشجيع وحماس الرجال، وهي المبارزة التي يصطحب شاهين الشقيق الأكبر لأصلان الصبي معه إلى أحدها، حيث يرتبط الطفل بالكلب المدعو “سيفاش” الذي هزم شر هزيمة في المبارزة ويصر على اصطحابه للبيت ورعايته، لكنه يستخدمه أيضا في مبارزة مع كلب يملكه صبي آخر.

والفيلم في الحقيقة يمتلئ بالكثير من المشاهد المزعجة في عنفها ووحشيتها تجاه الحيوانات، ولا نجد أنه يصلح لأن يشاهده الصغار، ناهيك عن أن الجائزة التي ذهبت لبطله الصغير، هي جائزة لا يستحقها بالتأكيد.

فقد كان هناك الكثير غيره من “الممثلين المحترفين” الذين استحقوا الفوز بهذه الجائزة، ومنهم بل وفي مقدمتهم، الممثل الكبير الياس سامان بطل الفيلم الجورجي البديع “جزيرة الذرة”.

جائزة أفضل ممثلة ذهبت إلى الممثلة الكورية الجنوبية يون دا كيونغ عن دورها في فيلم “في مكانها” للمخرج ألبرت شين، وفي هذه المسابقة فاز فيلم “ذيب” للمخرج الأردني ناجي أبو نوار بجائزة أحسن فيلم من العالم العربي.

وكنا أول من نشر مقالا نقديا في “العرب” عن هذا الفيلم عقب عرضه في مهرجان فينيسيا- البندقية - السينمائي في سبتمبر الماضي. وهو فيلم متميز، لكن الجائزة كان ينبغي أن تذهب إلى الفيلم الجزائري البديع “حمى” للمخرج لياس سالم. لكن لجنة التحكيم رأت منح جائزة أحسن مخرج من العالم العربي لمخرج فيلم “الوهراني” دون منحه جائزة أحسن فيلم!

يصور “الطاغوت” من خلال قصة واقعية، ما وصلت إليه الأحوال في روسيا اليوم بعد نهاية الاتحاد السوفيتي، وكيف أطلقت أيدي رجال المال والأعمال لتستولي على الملكيات الفردية التي لا يستطيع أصحابها التصدي لهم بالقانون


الفيلم الوثائقي


مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة تضمنت هذا العام 17 فيلما منها 7 أفلام لمخرجين عرب. وذهبت جائزة اللؤلؤة السوداء إلى فيلم “فيرونغا” للمخرج الكونغولي أورلاندو فون اينزيدل.

ويصور الفيلم كيف يتآمر عدد من الاحتكارات الأجنبية بالتعاون والتنسيق مع عدد من المسؤولين البيروقراطيين في الداخل، باستخدام الرشوة واستغلال النفوذ، من أجل نهب ثروات محمية فيرونغا الطبيعية التي تعتبر من كنوز التراث الانساني، وتقع في شمال الكونغو.

وكانت جائزة أحسن فيلم وثائقي طويل من العالم العربي من نصيب فيلم “البقرات الثمانية عشرة” أو (المطلوبات الثمانية عشرة)، الذي اشترك في إخراجه كل من الفلسطيني عامر الشوملي والكندي بول كوان، وهو من الأفلام المدعومة من صندوق “سند”.

وتنطلق فكرة الفيلم من قصة حقيقية وقعت في مدينة بيت ساحور بالضفة الغربية في الثمانينات، وكانت إحدى الشرارات التي أشعلت الانتفاضة الفلسطينية في 1988، عندما قرر سكان المدينة مقاطعة البضائع الإسرائيلية والبدء بإنتاج الحليب عن طريق شراء 18 بقرة وتربيتها واستخدامها في إنتاج الحليب والجبن.

الأمر الذي أثار ثائرة الاحتلال الإسرائيلي واعتبرت السلطات الإسرائيلية البقرات تهديدا للأمن القومي الإسرائيلي، وبدأت حملة للقبض عليها وإعدامها.

ويستخدم المخرجان في الفيلم الرسوم المتحركة وإعادة تمثيل الحدث، والوثائق المصورة والمقابلات المباشرة مع عدد كبير من سكان بيت ساحور الذين شاركوا في تلك “العملية”.

أخيرا.. أيا كانت الجوائز فإن ما يبقى في النهاية تلك المتعة الفنية التي أحس بها جمهور المهرجان، وهو يشاهد الكثير من الروائع.

16