الطاقة البديلة ستظل على مقعد البدلاء

ظلت فكرة الاعتماد على النفط كمصدر للطاقة فكرة مطلقة لعدة عقود، فالاستخدام الكبير للنفط جعل منه المصدر الرئيسي والاقتصادي للطاقة التي لا يوجد لها بديل اقتصادي آخر. ورغم اتجاه الدول إلى إيجاد بدائل طاقية أخرى لا سيما الطاقة المتجددة، إلا أن واقع الأمور يؤكد محافظة النفط على مكانته كأكثر طاقة من حيث الاستخدام.
الثلاثاء 2016/02/02
النفط مازال قادرا على قتال طواحين الهواء

لندن- كثر في السنوات الأخيرة الحديث عن الطاقة النظيفة كبديل، أنظف وأرخص، للطاقة النفطية؛ وقد ذهب تقرير أممي إلى القول إن الاستثمارات في الطاقة النظيفة مثل الرياح والطاقة الشمسية والوقود الحيوي أصبحت “منجما جديدا للذهب”. واستبشر علماء البيئة والمناخ خيرا، في السنوات الأخيرة، في ظلّ استمرار ارتفاع أسعار النفط، ما دفع أكثر نحو الاستثمار في الطاقة المتجدّدة.

ودفعت الحاجة إلى تجاوز أزمة الطاقة وسلبيات الاعتماد التام على النفط وتأثيرات الوقود الأحفوري على المناخ ومستقبل البشرية، دول العالم إلى التخطيط للتحول باتجاه تحقيق الطاقة المستدامة، وقد بلغت نسبة الاستثمارات في هذا المجال نحو 60 بالمئة، وسط توقّعات بأن تصل استثمارات القطاع إلى نحو 600 مليار دولار بحلول عام 2020.

لكن، يبدو أن تفاؤل أنصار الطاقة الخضراء ستغطّيه مسحة تشاؤم، فمثلما دفعت أسعار النفط الاستثمارات في هذا المجال إلى الارتفاع، فإنها تهدّد بتراجعها، أو على الأقلّ تعطيل المشاريع الخاصة بها وتأخير انطلاقها؛ حيث يتوقّع الخبراء أن انخفاض أسعار النفط بشكل حاد سيؤثر بالسلب على مصادر الطاقة النظيفة بدلا من أن يدفعها إلى الأمام.

والدليل على ذلك، أنه في أعقاب تراجع أسعار النفط، فقدت شركات الطاقة المتجددة أسهمها، فعلى سبيل المثال، انخفض تداول أسهم شركة باورشيرز ويلدجر هيل للطاقة النظيفة بنحو 30 بالمئة مقارنة بذروته خلال مارس الماضي، في حين تراجع تداول أسهم ذي فيرست تراست ناسداك كلين أدج غرين أنرجي بنحو 19 بالمئة مقارنة بذروته التي بلغها في مارس الماضي.

وسبب ذلك، وفق الخبراء، أن مبادئ عصر الثورة النفطية مازالت مترسّخة في العقلية الصناعية والاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن هؤلاء الذين كانوا يخطّطون للاعتماد على الطاقة الشمسية لأنها أرخص من الطاقة النفطية، قد يعيدون التفكير بعد تراجع أسعار النفط، ومع ذلك “مازال هناك أمل”، وفق فلورا تشانغ، الباحثة في مجال الطاقة. وتعترف تشانغ، في تصريحات لشبكة سي إن بي سي الأميركية، أنه سوف يكون لتراجع أسعار النفط بعض التأثير، ومثلما كان ارتفاع أسعار النفط المحرك الرئيسي للطاقة المتجددة، فإنه سيكون أحد أسباب تعطّل تطوّرها.

وينافس النفط الطاقة المتجددة بشكل مباشر فقط في حوالي 5 بالمئة من السوق، في تلك الأماكن حيث يتم استخدام النفط في توليد الطاقة، لا سيما الشرق الأوسط (المملكة العربية السعودية تستخدم النفط لتأمين 55 بالمئة من احتياجاتها من الكهرباء، و36 بالمئة في الشرق الأوسط ككل)، وفي منطقة البحر الكاريبي (جامايكا 91 بالمئة).

ورغم الأرقام المسجلة في مجال الاستثمار في الطاقة البديلة، يبقى النفط سيد الطاقة في العالم، والدليل على ذلك الصراعات المندلعة في أنحاء متفرقة من العالم، وخصوصا في الشرق الأوسط، والتي يعتبر النفط، أحد أهم محرّكاتها وأسبابها. ويدعم هذا التوجّه التقرير السنوي لشركة أكسون موبيل، عملاق النفط الأميركي. حيث يشير تقرير العام 2015 إلى أن النفط بكل أنواعه سيستمر كأهم مصدر للطاقة في العالم لعقود قادمة.

وتتوقع أكسون موبيل أن يستحوذ النفط على 32 بالمئة من مصادر الطاقة في عام 2025. أما في عام 2040 فسيحافظ النفط على نسبة 32 بالمئة من مصادر الطاقة العالمية.

وسيكون النفط في عام 2040 عبارة عن 60 بالمئة من النفط الخام التقليدي والباقي عبارة عن نفط غير تقليدي، بالإضافة إلى سوائل الغاز الطبيعي وبعض السوائل البترولية الحيوية. وتشير التوقعات إلى ارتفاع استهلاك العالم للنفط من 90 مليون برميل في اليوم حاليا إلى 110 – 120 مليون برميل بعد 10 أعوام، وإلى 130 – 140 مليون برميل بعد 20 عاما.

وإلى جانب النفط، يعتبر الغاز من أهم مصادر الطاقة النظيفة. وقد أشار شيزهور تشو، أحد المدراء في مؤسسة أي.إتش.أس للطاقة، إلى أن الغاز الطبيعي، في الصين وأوروبا والولايات المتحدة، يزيد من المنافسة للحصول على الطاقة المتجددة أكثر من النفط. وأوضح أنه في هذه المناطق، يتم تداول الغاز الطبيعي عموما بشكل مستقل عن النفط، نظرا لتراجع أسعاره.

ويعتبر الغاز الطبيعي المسال من أرخص مصادر الطاقة حاليا. ويتوقع تشو أنه، في المدى القصير، قد تحبذ العديد من المرافق استغلال الغاز أكثر من مصادر الطاقة المتجددة. في المقابل لا يتوقع أن يؤثر تراجع أسعار الوقود الأحفوري على طلب الطاقة المتجددة بشكل كبير على المدى القصير والمتوسط.

مرحلة التشارك

وفق تقرير مؤسسة برنشتاين البحثية، من المتوقّع أن يمرّ العالم إلى مرحلة المزج والتشارك بين الطاقات، حيث سيتم الاعتماد على الطاقة النظيفة والفحم والنفط، في نفس الوقت لكن بنسب متفاوتة، وتكون الغلبة فيها للنفط، وذلك لأن حياة البشرية لا تتحرّك، في الوقت الحالي، إلاّ بالمشتقات النفطية مثل وقود السيارات والطائرات؛ فيما مازالت السيارات ووسائل النقل التي تتحرّك بالطاقة الشمسية، محلّ تجارب وأبحاث ولم تخرج بعد إلى سياق الاستعمال الشخصي.

حياة البشرية لا تتحرّك إلاّ بالمشتقات النفطية مثل وقود السيارات

والطّاقة المتجددة، أو الطاقة المستدامة، هي الطّاقة المستمدة من الموارد الطبيعية التي تتجدد أي الّتي لا تنفد؛ ويطلق عليها أيضا اسم الطاقة الخضراء، لأنها، وعلى عكس الطاقة المنتجة من الوقود الأحفوري، البترول والفحم والغاز الطبيعي، لا تنشأ عنها مخلّفات كثنائي أكسيد الكربون أو غازات ضارة أو تعمل على زيادة الاحتباس الحراري.

وتتوقع مؤسسة أي.إتش.أس أن أسعار النفط ستظل منخفضة على مدى السنوات القليلة المقبلة، وبالتالي سيؤثر ذلك على طلب الطاقة المتجددة.

وعلى مدار السنوات الست الماضية، نما قطاع الطاقة الشمسية بحوالي 50 بالمئة سنويا، وهو معدل أسرع من أي مصدر آخر للطاقة، كما هبطت أسعاره بنسبة 80 بالمئة منذ العام 2005، ليصبح أقدر على منافسة النفط والغاز والطاقة النووية، وهو نمو دفع وكالة الطاقة الدولية إلى رفع توقّعاتها بشأن الطاقة الشمسية، التي تمثل حوالي 1 بالمئة من الطاقة في العالم اليوم، المرجح ليصبح 27 بالمئة بحلول عام 2050.

أسعار النفط لا يمكن التنبؤ بها

وقد انخفض سعر الألواح الشمسية المولدة للكهرباء بأكثر من 80 بالمئة منذ عام 2008، مما جعل الطاقة الشمسية تنافس الوقود التقليدي بشكل متزايد. ففي الولايات المتحدة، مثلا، تعادل أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية الأسعار أو تفوق بأفضل من 40 بالمئة من محلات السوبرماركت الأميركية وبين 30 و60 بالمئة من المدارس الحكومية والخاصة الأميركية. ووصلت أسعار طاقة الرياح إلى أدنى مستوياتها في عام 2014، أي أقل من أسعار الكهرباء بالجملة في خمس من بين سبع مناطق.

في المقابل ليس هناك نقص في التوقعات لسوق النفط، ولكن أسعار النفط لا أحد يمكنه التنبؤ بها. تختلف التوقعات للسنوات الخمس المقبلة ما بين 20 دولارا و 100 دولار للبرميل. بخصوص عام 2016، يتوقع الخبراء أن يكون سعر البرميل في أوائل أغسطس في حدود 59 دولارا للبرميل، أي بزيادة 20 دولارا عن آخر الأسعار المسجلة، والتي كانت في حدود 40 دولارا.

تاريخيا، يتأثر سعر برميل النفط الخام بالأوضاع السياسية والاجتماعية، فضلا عن العرض والطلب. وقد بلغ أدنى مستوياته في ديسمبر عام 1998، عندما بلغ سعر البرميل 16 دولارا، ثم ارتد السعر ليصل إلى 143 دولارا في أغسطس عام 2008، ليتراجع في الأسواق العالمية إلى 46 دولارا في أغسطس العام الحالي.

وعدم وضوح في التوقعات بشأن مستقبل أسعار النفط يجعل الأعمال والقرارات السياسية صعبة للغاية، كما هو الحال مع مستقبل الطاقة البديلة، فبينما يقول خبراء إنها لن تتأثّر كثيرا بهذا التراجع، يرى آخرون أن تراجع أسعار النفط سيطيل من عمر التحول من عصر النفط إلى عصر الطاقة الخضراء والبديلة.

وتتوقع مؤسسة أي.إتش.أس أن أسعار النفط قد تظل منخفضة على مدى السنوات القليلة المقبلة، وأنه من المرجح أن يؤثر ذلك على طلب الطاقة المتجددة إذا تواصل تراجع أسعارها نسبيا لفترة أطول من ذلك. بدوره يقول بنك سيتي غروب الاستثماري العالمي إن تراجع أسعار النفط سيوجه ضربة خطيرة لمصادر الطاقة المتجددة، لكن سيبقى الأمر مقتصرا على الوقت الراهن، فتوقعات المستقبل البعيد لمصادر الطاقة المتجددة لا تزال مشرقة.

وهو ما يؤكّد أيضا، تقرير بيرنشتاين الذي يرى أن الاستثمار في القطاع سيمثل “حاجزا كبيرا” إذا عادت أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل مفاجئ. في المقابل لن تتغير كلفة أشعة الشمس مع مرور الوقت. ولئن لم تحظ تكلفة الطاقة الشمسية اليوم في مقابل أسعار النفط بالاهتمام المناسب، فإنها ستكون على مدى السنوات العشرين القادمة، هي الأهم.

لكن، وحتى يتحقّق ذلك، يرى سيتي غروب أنه “ينبغي أن تكون الطاقة الشمسية منافسة للنفط في الشرق الأوسط عندما يفوق سعر النفط حوالي 30 دولارا، أما الرياح فيجب أن تنافس النفط عندما يتجاوز سعر البرميل 23 دولارا. لكنها اليوم، و”حتى مع تقلص أسعار النفط بشكل كبير حيث تراوح سعر البرميل بين 50 و60 دولارا، تواجه مصادر الطاقة المتجددة الأكثر نضجا مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية صعوبة في منافسة الجيل الجديد من النفط في الشرق الأوسط”.

وبالنظر إلى المستقبل، يمكننا أن نكون على ثقة من أن أسعار الطاقة الشمسية وطاقة الرياح سوف تستمر في الانخفاض، وسوف تتم كهربة النقل على نحو متزايد، في ظل نمو السيارات الكهربائية بأكثر حدة من السيارات التي تجمع بين ما هو هيدروكربوني وبترولي. وفي الوقت نفسه، فإن سعر توليد الطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري لا يزال خارج التنبؤ أكثر من أي وقت مضى، كما هو الحال عن تاريخ تفوق الطاقة البديلة على الطاقة النفطية.

13