الطاقة المتجددة تعد بحلول لمشاكل إنسانية مستعصية

مصادر للطاقة النظيفة تنعش الأسواق العالمية، والرياح والشمس تتصدران مصادر الطاقة المتجددة الأكثر جاذبية.
الاثنين 2018/12/10
تطور ملحوظ شمل أنواع المادة المصنعة وآليات التخزين

مصادر متعددة للطاقة النظيفة ما زالت في طور الاكتشاف، وإن استغلت بالشكل الصحيح ستكون لها فوائد عظيمة للبشر وللبيئة، والميزة الرئيسية لها هي أنها تتجدد باستمرار ولا تنضب.

تمثل الطاقة شريان الحياة لاقتصاديات الدول في جميع أنحاء العالم، ويزداد الطلب عليها كل يوم نظرا لتزايد النشاط الصناعي والاقتصادي والنمو السكاني، وقد تتوقف عجلة الحياة إلى حد كبير إذا ما غابت مرافقها الثمينة عن البشرية.

ويعد الوقود الأحفوري من بترول ومشتقاته وفحم وغاز طبيعي، المصدر الأساسي للطاقة، ونتيجة للاعتماد المكثف عليه في مختلف الصناعات منذ الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، برز اختلال في مكونات الغلاف الجوي حيث وصلت نسبة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون إلى أعلى مستوياتها، مما أسفر عن تغير مناخي حاد، ألقى بظلاله السلبية على العديد من المناطق حول العالم مثل موجات الحرارة العالية وحرائق الغابات والعواصف والفيضانات التي خلفت كما كبيرا من الدمار.

ومع توقع الوكالة الدولية للطاقة بأن الوقود الأحفوري سيظل مسيطرا على القطاع بحلول عام 2040، ويلبي نسبة 74 بالمئة من الطلب على الطاقة الأولية، فمن المؤكد استمرار تفاقم ظاهرة التغير المناخي وقد تخرج عن السيطرة.

وبلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون أكثر من 405.5 جزء في المليون من حجم الغلاف الجوي في عام 2017 وهو رقم قياسي لم يتم التوصل إليه منذ ملايين السنين، ما جعل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تدق ناقوس الخطر.

 وفي صورة عدم التحرك لتغيير المسار فإن التأثيرات ستكون مدمرة للحياة على الأرض وبشكل لا رجعة فيه.

وسيفضي ذلك أيضا إلى المزيد من التلوث البيئي الذي يأتي ضمن أبرز التهديدات التي تواجه الصحة العامة على مستوى العالم، إذ تشير التقديرات إلى أن 80 بالمئة من سكان المدن يستنشقون مستويات غير آمنة من الهواء الملوث، ما يتسبب في وفاة نحو سبعة ملايين حالة سنويا في جميع أنحاء العالم وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

أضف إلى ذلك الأضرار طويلة الأمد التي قد تلحق بالقدرات العقلية والمعرفية للبشر نتيجة التعرض المزمن للهواء الملوث والتي خلصت إليها العديد من الدراسات الحديثة.

وفي ظل تزايد مستمر للأسعار العالمية للمحروقات، يوازيه رفع للضرائب بنفس النسق من طرف الحكومات، تدهورت القدرة الإنفاقية وانتشرت على نطاق واسع، ولم يقتصر تأثيرها على المناطق الريفية والطبقات الدنيا فقط.

ولعل ذلك من الأسباب الوجيهة التي أدت إلى اندلاع مظاهرات عارمة في شوارع فرنسا مؤخرا منددة برفع أسعار الوقود ومتهمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإهمال الفقراء.

انتعاش قطاع الطاقة الشمسية الصينية ساعد على دفع عجلة الاستثمار العالمي في تكنولوجيا الطاقة المتجددة

وبحسب بيانات البنك الدولي يفتقر قرابة 1.2 مليار شخص -أي ما يعادل سكان الهند تقريبا- إلى إمكانية الحصول على الكهرباء في حين يعتمد 2.8 مليار آخرون على الأخشاب والكتلة الحيوية للطهي وتدفئة المنازل.

كما يعاني العديد من المزارعين في الدول النامية من عجز لتأمين كلفة المحروقات ما يدفعهم أحيانا إلى هجرة الأنشطة الزراعية، وقد يسبب ذلك نقصا فادحا في الغذاء.

ولمواكبة تلك التحديات التي تعد من أكثر مشاكل العالم إلحاحا يرى الخبراء أنه بات من الضروري التنويع في مصادر الطاقة، وذلك عبر زيادة الاستثمار وتمويل البحوث، ووضع سياسات وأطر تدعم ثقافة الابتكار في مجال الطاقة المستمدة من الطبيعة، والتي تتجدد باستمرار ولا تنضب، وتنتج في الغالب من الرياح والمياه والشمس والمد والجزر والطاقة الحرارية الأرضية والكتلة الحيوية، وأهم ما يميزها كونها طاقة نظيفة وصديقة للبيئة.

وتتصدر طاقة الرياح والطاقة الشمسية مصادر الطاقة المتجددة الأكثر جاذبية بالنسبة لمعظم دول العالم.

وقد يتطلب توليد الطاقة من الرياح استثمارات كبيرة لإقامة توربينات ضخمة تنطوي على تصميمات هندسية معقدة وبنى قوية، ومع ذلك فالطاقة التي تنتجها نظيفة ورخيصة، وأقل ثمنا لكل ميغاوات في الساعة من الطاقة المولدة من المفاعلات النووية والتي تخلف نفايات سامة ومشعة.

وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2016 إلى أن كلفة إنتاج توربينات الرياح انخفضت بما يزيد عن 30 بالمئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

ولعل ذلك من أهم الأسباب التي جعلت العديد من الدول الأوروبية وكوريا الجنوبية والصين تبدي اهتماما ملحوظا بطاقة الرياح، وتستثمر في هذا المجال.

وتعد الطاقة الشمسية أيضا من الطاقات المتجددة الأكثر رواجا، فكوكب الأرض يستقبل حوالي 174 بيتاوات من الإشعاعات الشمسية لا ينعكس منها إلى الفضاء الخارجي سوى ما يقارب 30 بالمئة.

وتستثمر الصين بشكل كبير لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، وهي دولة رائدة على المستوى العالمي في هذا المجال، حيث تبلغ القدرة الإنتاجية لمحطاتها التي تعمل بالطاقة الشمسية 130 غيغاوات، وهي أكبر مصنع للألواح الشمسية بنسبة 60 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي.

وساعد انتعاش قطاع الطاقة الشمسية في الصين على دفع عجلة الاستثمار العالمي في قطاع تكنولوجيا الطاقة المتجددة وباتت أسعار الألواح الشمسية آخذة في الانخفاض.

مساعي لمضاعفة توليد الطاقة حتى في ظروف الطقس الغائمة والمتقلبة
مساعي لمضاعفة توليد الطاقة حتى في ظروف الطقس الغائمة والمتقلبة

وسجل حجم الاستثمار في الطاقة الشمسية 160.8 مليار دولار في عام 2017 بزيادة قدرها 18 بالمئة، وتسهم الصين بنحو نصف حجم الاستثمارات، أي بحوالي 86.5 مليار دولار.

في حين تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية بواقع 56.9 مليار دولار من الاستثمارات.

وشهد قطاع تكنولوجيا الطاقة الشمسية تطورا ملحوظا لم يقتصر فقط على نوع وشكل الألواح بل شمل أيضا أنواع المادة المصنعة وآليات التخزين.

ويسعى العلماء لرفع معدل حساسية الألواح الشمسية للضوء بهدف مضاعفة توليد الطاقة حتى في ظروف الطقس الغائمة والمتقلبة.

وتجلت تكنولوجيا الطاقة الشمسية في العديد من التطبيقات الذكية، وعلى سبيل المثال قررت السلطات في ولاية جنوب أستراليا مؤخرا التعاون مع شركة “تسلا” لتحويل آلاف المنازل إلى أكبر محطة لتوليد الكهرباء في العالم بغية تمكين الأسر من الاستفادة من ادخار كبير في فواتير الكهرباء.

وأقيم في فرنسا في الفترة الأخيرة في منطقة نورمندي مشروع غير مسبوق في العالم يتمثل في طريق مغطى بالألواح الشمسية لإنتاج طاقة كهربائية تكفي لإنارة مدينة يسكنها خمسة آلاف شخص.

وفي خطوة أخلاقية تجاه البيئة، أطلقت ألمانيا أول سيارة تعمل بالطاقة الشمسية للحد من ظاهرة التلوث في المدن، من طرف شركة “سونو موتورز” في ميونيخ، وتهدف الشركة إلى مساعدة ألمانيا على تحقيق هدف وطني متمثل في إنتاج مليون سيارة كهربائية بحلول عام 2020.

واستجابة للتحديات الكبيرة للطاقة الضخمة المتعلقة بتشغيل مكيفات الهواء والتي يقدر عددها بحوالي 1.6 مليار مكيف في جميع أنحاء العالم، و135 مليون وحدة جديدة تباع سنويا (وفقا لتقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية)، طور باحثون من المختبر الوطني للطاقة المتجددة الأميركي نوافذ ذكية متعددة الوظائف مصممة بنسخة عضوية من الألواح الشمسية تعمل كمولدات كهربائية وعوازل حرارية للمحافظة على برودة المنازل صيفا وتدفئتها شتاء.

وفي إطار مشروع طموح يهدف إلى إنارة السماء ليلا، وتعويض مصابيح الشوارع المكلفة في مدينة تشنغدو، تخطط الصين لإطلاق قمر اصطناعي مضيء يكون ساطعا بما فيه الكفاية، وذلك بفضل طلاء عاكس يمكنه من تحويل أشعة الشمس إلى الأرض محاكيا طريقة عمل القمر الحقيقي، وذلك بحلول عام 2020.

من الضروري التنويع في مصادر الطاقة، وذلك عبر زيادة الاستثمار وتمويل البحوث، ووضع سياسات وأطر تدعم ثقافة الابتكار في مجال الطاقة المستمدة من الطبيعة

وتعد الشمس مصدر طاقة لا ينضب، ولطالما فتن العلماء بالعملية التي تعتمد عليها في توليد الضوء والطاقة، والمتمثلة في الاندماج النووي، وهي عملية تفاعلات يتم فيها دمج نواتين من الهيدروجين لتكوين نواة أثقل ما يولد كما هائلا من الطاقة دون حدوث تلوث إشعاعي في البيئة.

 وعلى ضوء ذلك، راودتهم فكرة ثورية تتمثل في محاكاة الشمس وتجسيد تلك العملية على الأرض، للحصول على طاقة وفيرة ونظيفة وفعالة من حيث التكلفة، وبديل أكثر أمنا لطاقة الانشطار النووي التي تسعى العديد من الدول إلى الاستغناء عنها على أعقاب كارثة مفاعل فوكوشيما في اليابان والذي دمرته أمواج المد البحري سنة 2011.

وفي خطوة أولى لترويض تلك الطاقة التي لا حدود لها، لصالح المجتمع البشري، تمكنت الصين من خلال مفاعلها توكاماك الملقب بـ”الشمس الاصطناعية” من بلوغ درجة حرارة تفوق 100 مليون درجة مئوية، أي ست مرات أكثر من حرارة الشمس.

 ويعتقد العلماء أن هذه الحرارة المثلى تمهد الطريق أمام عملية الاندماج النووي، ولكن الأهم هو الحفاظ عليها لوقت طويل.

وبدافع البحث عن الطاقة النظيفة والرخيصة، صوب فريق من العلماء من معهد ستيفنز للتكنولوجيا بالولايات المتحدة عيونهم نحو الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا.

وتمكن العلماء فعلا من توليد الكهرباء من تزاوج الفطر والبكتيريا الزرقاء وهي كائنات دقيقة تحول ضوء الشمس إلى كهرباء بصورة طبيعية.

وتنطوي مثل هذه الأفكار والابتكارات الثورية في مجال تكنولوجيا الطاقة المتجددة والنظيفة على أهمية كبرى، وإن وضعتها الدول نصب اهتمامها واستثمرت فيها فقد يفتح ذلك مستقبلا جديدا للطاقة، يضمن مستوى معيشيا أفضل للناس، ويعالج الكثير من مشاكل التلوث البيئي والتغير المناخي التي تؤرق دول العالم.

12