الطاقة.. محرك الصراع في منطقة الشرق الأوسط وآسيا

الأربعاء 2014/04/30
باحتكارها لحقول النفط والغاز في العراق تكون شركات الطاقة الأميركية قد سيطرت على جزء من أهم مصادر الطاقة في العالم

لندن - مثلما أدى الصراع بين القوى الاستعمارية على المواد الخام إلى اندلاع العديد من الحروب، فإن حاجة الدول الصناعية إلى الطاقة سوف تؤدي إلى تصاعد الكثير من التوترات والنزاعات الدولية.

عرف العالم نوعا من “الهدوء” الظاهري بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الكتلة السوفييتية، وسيطرة نظام القطب الواحد الأميركي. وخلال هذه الفترة من “الهدوء” العالمي كانت الكثير من دول العالم بمختلف أنواعها الفقيرة والغنية والنامية والمتقدمة تشهد صراعات داخلية وأزمات اقتصادية وسياسية وتهديدات إرهابية واحتقانا اجتماعيا. وقد لعبت في تغذية هذه الصراعات والاضطرابات الداخلية “الخاصة”، سياسة خارجية للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

وظل الوضع على حاله لسنوات عديدة حتى بدأت ترتسم في الأفق ملامح خارطة جديدة للتوازنات الإقليمية والسياسات العالمية، يقول خبراء إن سطورها الأولى تشكّلت في أفغانستان ثم مع الغزو الأميركي للعراق في سنة 2003؛ ثم وصلت مرحلتها الثانية إثر اندلاع “ثورات الربيع العربي”، لتبلغ اليوم أخطر مراحلها وأهمّها مع اندلاع أزمة أوكرانيا، فيما الصراع الدائر في سوريا على أشدّه.

ملامح هذه الخارطة وفق قراءات المختصين تتضمن أيضا بداية الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، دون إغفال العلاقات الخفيّة بين تركيا وإيران، رغم خلافهما الظاهر حول ما يجري في سوريا، والصفقات السرية بين أنقرة وواشنطن. وهناك أيضا من يضمّن هذه الخارطة نتائج الانتخابات الأخيرة في الجزائر التي أفرزت فوز الرئيس “المقعد” عبدالعزيز بوتفليقة بولاية رابعة رغم المعارضة الشعبية الواسعة. ومؤخّرا دخلت على الخطّ العقوبات الأميركية التي فرضت على روسيا لحثها على تهدئة الأوضاع في أوكرانيا.

مكمن القوة لم يعد يقوم على الترسانات العسكرية إنما على السيطرة على مناجم الطاقة

مختلف هذه الأحداث، التي تجري أغلبها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى التحرك الأميركي المكثّف نحو آسيا، والمغازلة الصينية لأفريقيا، جمّعها الخبراء والمختصّون في الدراسات الاستراتيجية والسياسات الدولية، تحت عنوان واحد كبير هو “الطاقة”. فمكمن القوة لم يعد يقوم على الترسانات العسكرية الثقيلة والجيوش كثيرة العدد، إنما على السيطرة على مكامن الطاقة ومن هنا بدأ الصراع الروسي – الأميركي يتجلى في أبرز عناصره.

النزاع الروسي الأميركي المتجدد‏

في دراسة له في هذا السياق، يشير الباحث السوري عماد فوزي شعيبي إلى أن الصراع على التسلّح أنهك الروس، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، خاصة وسط غياب مخازن الطاقة الضرورية لأية دولة صناعية، فيما كان الأميركيون يتحرّكون في مناطق النفط عبر عدة عقود مكنتهم من النمو ومن السيطرة على القرار السياسي الدولي بلا منازعات كبيرة. ولهذا تحرك الروس باتجاه مكامن الطاقة (النفط والغاز).

ويضيف الباحث في دراسته، التي حملت عنوان “الصراع على الشرق الأوسط: الغاز أولا”، أن ملامح هذا الصراع بدأت تتشكّل سنة 1995 “حين رسم بوتين استراتيجية شركة غاز بروم لتتحرك في نطاق وجود الغاز من روسيا، فأذربيجان، فتركمانستان، فإيران (للتسويق) وصولا إلى منطقة الشرق الأوسط، وكان من المؤكد أن مشروعي السيل الشمالي والسيل الجنوبي سيرسمان عودة روسيا إلى المسرح العالمي ومن أجل إحكام السيطرة على الاقتصاد الأوروبي الذي سيعتمد لعقود على الغاز كبديل للنفط أو بالتوازي معه ولكن بأولوية أكبر لصالح الأول. وهنا كان على واشنطن أن تسارع إلى تصميم مشروعها الموازي (نابوكو) لينافس المشروع الروسي على قسمة دولية على أساسها سيتعين القرن المقبل سياسيا واستراتيجيا.

ويشكل الغاز فعليا مادة الطاقة الرئيسة في القرن الحادي والعشرين سواء من حيث البديل الطاقي لتراجع احتياطي النفط عالميا أو من حيث الطاقة النظيفة. ولهذا، فإن السيطرة على مناطق الاحتياطي (الغازي) في العالم يعتبر بالنسبة إلى القوى القديمة والحديثة أساس الصراع الدولي في تجلياته الإقليمية. وهذا الصراع يتجاوز الحرب الأميركية الروسية، ليشمل القوى الصاعدة الجديدة على غرار الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.

هذا الأمر يفسّر الحرب الدائرة حول أوكرانيا اليوم، فهذا البلد الأوروبي السوفييتي السابق تمر به العديد من أنابيب الغاز التي تمد شرق أوروبا بالطاقة و13 بالمئة من الغاز الذي يتم مده إلى الاتحاد الأوروبي، مما يجعل المسيطر على الوضع هناك يمتلك ورقة ضغط قوية.

توزيع مخازن الغاز العالمي
أهم الأحواض التي تحتوي على المخزونات الرئيسية من الغاز المعروفة في العالم حتى الآن تتوزع على النحو التالي:

*حوض غرب سيبيريا، وتبلغ احتياطياته 643 تريليون قدم مكعبة من الغاز.

*حوض الربع الخالي في صحراء شبه الجزيرة العربية، 426 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وهذا الحوض لم تجر فيه عمليات تنقيب كافية حتى الآن، ويمتد إلى الجنوب من الحدود السعودية، وإلى الشمال من حدود اليمن وسلطنة عمان، وتعمل حاليا في هذه المنطقة الشركة السعودية – الصينية للغاز، وهي مشروع مشترك تسهم فيه أرامكو السعودية مع المؤسسة الصينية للبترول والبتروكيماويات (3).

* حوض شرق البحر المتوسط، 345 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ويحتوي هذا الحوض أيضا على كميات ضخمة من الاحتياطيات النفطية تبلغ 3.4 مليار برميل من النفط، إلى جانب كميات كبيرة أيضا من سوائل الغازات.وتشمل هذه الاحتياطيات 223 تريليون قدم مكعبة من الغاز في حوض دلتا النيل، إضافة إلى 5.9 مليار برميل من الغازات السائلة، و1.7 مليار برميل من النفط. كما يحتوي الحوض الكبير على 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز في منطقة حوض المشرق، قبالة شواطئ قبرص ولبنان وسوريا.

* حقل غوار الكبير في شمال شرق المملكة العربية السعودية، 227 تريليون قدم مكعبة من الغاز.

* حزام حقول الغاز على امتداد الخليج العربي (حزام زاجروس) الذي يصل إلى العراق وإيران، ويحتوي على مخزونات تصل إلى 212 تريليون قدم مكعبة من الغاز.

ومنذ ظهور الخلافات الروسية الأميركية في أوكرانيا، والتي ترجمت في بداية العام 2009 بوقف موسكو إمدادات الغاز عن أوروبا، بدأ الأوروبيون بالعمل على مخطط جديد يسمح لهم بالالتفاف حول إمدادات الغاز الروسي، وجاء تطبيق هذا الأمر في تموز 2009 من خلال التوقيع في أنقرة على اتفاقية مشروع خط أنابيب “نابوكو” (Nabucco) لنقل الغاز من آسيا الوسطى والمنطقة العربية مرورا بتركيا ونحو عمق الاتحاد الأوروبي، وقد أطلق القادة الأوروبيون عليه “مشروع القرن” ودعمته الولايات المتحدة، إلا أن موسكو وصفته بأنه “مشروع معاد لروسيا”. ولكن هذا الخط والذي من المفترض أن يمتد على ما يقارب مسافة الـ3300 كيلومتر والذي يعتمد في الأصل على نقل الغاز الطبيعي من تركمانستان التي تملك رابع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، واجه ضغوطا روسية تسببت في تراجع تركمانستان ودول وسط آسيا عن انضمامهم للمشروع.

خط العرض 33

دراسات عديدة ربطت بين ما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط، وما جرى سابقا في أفغانستان، وما يتم التخطيط له داخل مراكز القرار الأميركية من سياسة مستقبلية تستهدف الضفّة الآسيوية، وبين ما يسمى بـ”خط العرض 33". فهذا الخطّ المار بأغنى منابع النفط والغاز، صار هو الخندق الأمامي للمواجهات الجديدة، وهو البديل الأمثل للصراع القديم على طريق الحرير، وفق الباحث كاظم فنجان الحمامي.

وقد عرّفته بعض الدراسات على أنه خط الاقتصاد العالمي الذي يربط الشرق الأقصى بالأوسط وصولا إلى ضفاف أوروبا، إنه أساس الأزمة التي تعيشها المنطقة اليوم. وهذا الخط مفتاحه سوريا، ويمر بالعاصمة طهران وينتهي في بكين عاصمة الصين، كما يعزل روسيا ويفككها جغرافيا واقتصاديا.

ويبيّن الحمامي أن خط العرض 33، شمال خط الاستواء، هو الذي سيحقق الأهداف الأميركية ويساعدها على فرض هيمنتها على ما يسمى (المنطقة الأميركية الوسطى)، المتمثلة بأقطار الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فخط العرض 33 لا يمثل بالضرورة دربا لقوافل الحرير، لكنه يماثله من حيث القوة والأهمية، في كونه شريان الطاقة الرئيس في العالم، وهو أيضا شريان النفوذ والسلطة.

وتعد سوريا والعراق وإيران ولبنان من الأقطار الواقعة على حافات الخط 33، وهو الخط الذي يمر ببكين وكابل وطهران وبغداد ودمشق وبيروت، ويغذي الأطماع الأميركية منذ اليوم الذي فكرت فيه واشنطن باحتلال أفغانستان والعراق، وفرضت فيه الحصار على إيران وخلقت الأزمات في باكستان وحرّكت الفتن في سوريا الواقعة في بوابة البلدان المحاذية لقناطر (نابوكو).

ويربط كاظم الحمامي بين هذا المخطط وما يجري في سوريا اليوم قائلا، إن قناطر خط نابوكو جاءت لتضع حدا للصراع القديم بين المعسكر الروسي وأنصاره والمعسكر الغربي وتحقق الحلم بنقل الغاز (أهم مصادر الطاقة) من آسيا الوسطى والمنطقة العربية إلى قلب الاتحاد الأوروبي مرورا بتركيا، بدعم مطلق من البيت الأبيض.

سوريا في قلب الصراع

كشف تقرير صدر عن وزارة الطاقة الأميركية أن استهلاك العالم من النفط سينمو بأكثر من 5 بالمئة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ليصل إلى أكثر من 12 مليار برميل يوميا بحلول عام 2025، وسيزيد أيضا استهلاك العالم من الغاز الطبيعي بنسبة 57 بالمئة مقارنة بالاستهلاك الحالي، مما سيترتب عليه نقص كبير في الكميات المعروضة وارتفاعات متواصلة في الأسعار، وهذا سيترتب عليه مزيد من التنافس والصراع من أجل الحصول على الطاقة وسيكون الشرق الأوسط قلب هذا الصراع وساحته.

وتبيّن ربى حصري، في تحليل لمركز كارنغي، حول “سوريا وخارطة الطاقة المتغيِّرة في الشرق الأوسط”، أن سوريا ليست مُنتِجا هاما للنفط أو الغاز في الشرق الأوسط، إلا أنها قادرة على تحديد شكل خارطة الطاقة الإقليمية في المستقبل استنادا إلى ما ستؤول إليه الانتفاضة السورية. فموقع البلاد الجغرافي يتيح منفذا إلى المتوسط للهيئات التي ليس لها مخرج إلى البحر، والتي تبحث عن أسواق لمنتجاتها من الهيدروكربون، كما للدول التي تريد منفذا إلى أوروبا من دون أن تضطرّ إلى المرور عبر تركيا. فرهان العراق وإيران كبير على الجهة السورية التي ستدير طرق الوصول إلى البحر، حتى أن موسكو تضع رهانا كبيرا، ولا عجب أن سوريا ما بعد الأسد ستكون حتما عامل تغيير في قواعد اللعبة في مجال الطاقة بالمنطقة.

هذا التحليل تؤيّده دراسة أخرى صدرت عن مركز حمورابي تؤكّد أن المتتبع للأحداث في سوريا، يلحظ أن أهم خلفيات الصراع فيها يعود إلى الغاز الطبيعي، إذ هناك مشروع مدعوم من واشنطن لإنشاء أنبوب جديد يجر غاز قطر إلى حمص ومنه إلى أوروبا، وتحتل مدينة حمص وريفها موقع القلب الجغرافي، فهذا المشروع يمنح أيضا كلا من تركيا وإسرائيل مزايا استراتيجية في معادلة تجارة الغاز العالمية، واحتياجاتهما إليه.

وفي ظل هذه الأحداث وهذه الحسابات الجديدة، أكدت روسيا على عدم موافقتها على خطط استثمار الغاز في المتوسط، إلا بعد حصولها على ضمانات غربية بعدم تغيير النظام في سوريا، إما على الصعيد الإيراني مقابل هذا المشروع القطري يوجد مشروع إيراني سوري قوامه مد أنبوب يأتي من إيران ويمر عبر العراق إلى حمص، ويتفرع منها إلى كل من اللاذقية وطرابلس. وتخلص بسمة ماجد حمزة، الباحثة في مركز حمورابي، إلى أن الصراعات المشتعلة اليوم، وخصوصا في سوريا، وإن بدت في ظاهرها صراعا عسكريا وسياسيا، فإنها في الأصل صراع من أجل النفط والغاز الطبيعي.

التوسع الصيني والهندي في قطاع الطاقة في الخليج يمثل واحدا من التحديات المهمة التي تواجه سياسات واشنطن


اكتشافات شرق المتوسط


دخلت في السنوات الأخيرة دول جديدة إلى نادي الدول المنتجة للنفط في المنطقة مثل جنوب السودان واليمن، وكذلك ظهور مصدر جديد ومهم للطاقة، وهو الغاز الطبيعي. وتم اكتشاف الغاز في بعض المناطق التي كانت موطنا تقليديا للنفط، وبعض المناطق الجديدة، ومن أهمها منطقة حوض المشرق (Levant basin).

ووفق دراسة للباحث إبراهيم نوار، صادرة عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، فقد تم اكتشاف كميات ضخمة من الغاز في هذا الحوض الذي يقع في المياه العميقة شرق البحر المتوسط، والذي يتميز باحتوائه على طبقة عميقة من الغاز، وربما من النفط أيضا، طبقا لتقديرات هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية، والشركات العاملة في التنقيب عن الغاز فيه. وهذه الاكتشافات، وفق دراسة إبراهيم أنور، تزيد من أهمية منطقة الشرق الأوسط كمخزن عالمي عملاق للطاقة، ومن ثمة سوف ترتفع حدة التنافس الدولي على ثروات هذه المنطقة التي تجتاز مرحلة صعبة في تاريخها.

7