الطالبي العلمي سياسي مغربي يواجه خصومه باللكمات

العلمي يعتبر واحدا من بين أنشط السياسيين المغاربة ما أهله ليكون وزيرا للصناعة والتجارة والاتصالات اللاسلكية، ووزيرا منتدبا للشؤون الاقتصادية، ثم رئيسا لمجلس النواب، وها هو الآن وزيرا للشباب والرياضة.
السبت 2019/08/03
مشهد رياضي سياسي تشتبك فيه الأحزاب المغربية

تعرض رشيد الطالبي العلمي، وزير الشباب والرياضة المغربي، وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، لانتقادات ساخرة، بسبب تصريحاته حول إقصاء المنتخب الوطني من كأس أفريقيا للأمم، بعد ما ربط، خلال جلسة في البرلمان، تضييع اللاعب حكيم زياش لضربة جزاء بـ”التقواس”، وهي مفردة باللهجة المحلية تعني “النحس والعين” التي أصابت اللاعب المغربي في لحظة حاسمة، معيبين عليه اللجوء إلى هذا التفسير الغيبي وهو ينتمي إلى مشروع سياسي ليبرالي حداثي.

وتبريرا لما حدث، اتهم العلمي الخصوم بتحوير النقاش، حيث قال لهم “إنكم تنتظرون كعادتكم الفرص لتتلذذوا بهزيمة خصومكم، وهذه ليست بثقافة المغاربة، فكلما أصاب شخص مكروها ما، فإن المغاربة يهبون لمؤازرته والتخفيف من وقع المصيبة عليه، أما المتلذذون، فيجدون لذتهم في المتاجرة بآلام الشعوب”.

سر يعرفه الجميع

للعلمي تجربة سياسية زاخرة، حيث بدأ مشواره السياسي عمليا من مسقط رأسه مدينة تطوان شمال المغرب إذ انتخب بنفس المدينة في عام 1992، عضوا ثم نائبا لرئيس الجماعة الحضرية سيدي المنضري، كما شغل عضوية المجموعة الحضرية ورئاسة لجنة المالية والميزانية بكل من الجماعة والمجموعة، وعضوا بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بولاية تطوان وبالمجلس الإقليمي، مستندا على تحصيل أكاديمي متين بعدما حصل على دكتوراه في التدبير والمالية، تخصص المالية المحلية، من جامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، وبهذه العقلية في التدبير والمقاولاتية يعمل على مقاربة العمل السياسي.

بالكاد ابتعد هذه السنة خطوة واحدة عن الستين من العمر. لكنه يعتبر واحداً من بين أنشط السياسيين المغاربة داخل حزبه “التجمع الوطني للأحرار”. ما أهله ليكون وزيرا للصناعة والتجارة والاتصالات اللاسلكية، ووزيرا منتدبا للشؤون الاقتصادية والعامة، ثم رئيسا لمجلس النواب، وها هو الآن وزيرا للشباب والرياضة. لكن البعض يقول إن العلمي يتمتع بقوة غير مرئية جعلته مؤبدا في الحكومات المتعاقبة، إذ لا يكاد يخرج من وزارة حتى يتولى أخرى لنحو خمسة عشر عاما، ويعلق جل المتابعين للشأن السياسي بأن هذا السياسي يدبر موقعه الوزاري بنهج شعبوي يفتقر إلى التحليل الموضوعي.

وزير الشباب والرياضة يؤكد أن عددا كبيرا من الاتحادات ينخرها الفساد والزبونية والمحسوبية وغياب الكفاءة في تدبير المنتخبات المغربية في أغلب أنواع الرياضات، وهو ما دفع أعضاء الاتحادات إلى التصعيد ضد الوزير إذا واصل إطلاق تصريحاته التي تستهدفهم، مطالبين إياه بالكف عن ترويج الخطاب الشعبوي المغلّف بالجانب السياسي ليظهر بمظهر الراغب في محاربة الفساد لربح أصوات انتخابية، لكنه أرجع تلك الردود إلى أن هناك من لا يطيقه.

الكل مطلع على الاختلالات التي يعرفها قطاع الرياضة بالمغرب، وسبق للعاهل المغربي الملك محمد السادس، وأن أشار إلى أنه من التجليات الصارخة لاختلالات المشهد الرياضي، ما تتخبط فيه الرياضة من ارتجال وتدهور، واتخاذها مطية من طرف بعض المتطفلين عليها للارتزاق أو لأغراض شخصية، ودعا إلى وضع نظام عصري وفعال لتنظيم القطاع الرياضي يقوم على إعادة هيكلة المشهد الرياضي الوطني وتأهيل التنظيمات الرياضية للاحترافية ودمقرطة الهيئات المكلفة بالتسيير.

وبعد عشر سنوات من كلام الملك وللنهوض بالقطاع اعتبر العلمي أن أول عمل قام به هو تقييم الاستراتيجية التي وضعت سنة 2009 حتى يتسنى له معرفة المحاور التي تم التقدم فيها، والتي لا زالت تحتاج إلى العمل، مشيرا إلى أنه “تبين أنه فعلا على مستوى البنيات التحتية هناك نوع من التقدم، إلا أن المجهود الذي قام به المغرب، لم تواكبه المحاور الأخرى، وبالتالي وقع نوع من الخلط، أثّر بشكل سلبي على تنفيذ الاستراتيجية”.

لكن الانتقادات الموجهة للوزارة كثيرة وتخص التدبير المالي السيء والعشوائية حيث تصرف الدولة على القطاع كل أسبوع المليارات دون تحقيق نتائج إيجابية، وأن معظم النوادي الرياضية لا تملك رؤية تدبيرية متطورة إذ لا زالت تعيش على الدعم العمومي، كما لا يتم احترام دفاتر التحملات وعدم وجود مراكز التكوين.

حزب الأحرار يدافع عن العلمي، معلنا رفضه لما يسميه “الاستغلال السياسوي للرياضة” من طرف حزب العدالة والتنمية والمتعاطفين معه، كما يؤكد رئيس الحزب عزيز أخنوش الذي انتقد تسييس المجال الرياضي
حزب الأحرار يدافع عن العلمي، معلنا رفضه لما يسميه “الاستغلال السياسوي للرياضة” من طرف حزب العدالة والتنمية والمتعاطفين معه، كما يؤكد رئيس الحزب عزيز أخنوش الذي انتقد تسييس المجال الرياضي

ربطا للسياسة بالرياضة خرج حزب الأحرار مدافعا عن العلمي، معلنا رفضه لما أسماه “الاستغلال السياسوي للرياضة”، من طرف حزب العدالة والتنمية والمتعاطفين معه، وهذا ما أكده رئيس الحزب عزيز أخنوش، بانتقاده تسييس المجال الرياضي، خصوصا كرة القدم، في رسالة قوية موجهة للفرق البرلمانية التي انتقدت أداء الوزارة، ومن بينهم فريق”الحزب الإسلامي” داخل البرلمان. لكن الواضح أن فخ تداخل السياسي بالرياضي لم يقتصر فقط على أعضاء العدالة والتنمية إذا اعتبرنا انتقاداتهم للوزير استغلالا سياسويا، فقد دخل العلمي من كوة الرياضة ليوجه سهامه لخصومه مخاطبا إياهم بالقول “إذا أرادوا الصراع فنحن مستعدون لهم، ويجب عليهم أن يقولوا لنا من أين يأتون بالتمويل الأجنبي، أما نحن فمعروف مصدر تمويلنا، لأننا نأتي به من جيوب المناضلين المنتمين للحزب”.

الصراع إذن مرير بين العدالة والتنمية والعلمي كقيادي في حزب الأحرار بصفته وزيرا في حكومة يترأسها الحزب الإسلامي، فعندما منعت السلطات المحلية في مدينة “واد لو” بتطوان شمال المغرب جمعية “الرسالة للتربية والتخييم” المقربة من حزب العدالة والتنمية، من تنظيم تخييم لـ250 طفلا في إحدى مدارس المنطقة، قيل إن هناك حسابات سياسية وراء الموضوع، في حين أوضح العلمي بمجلس النواب يوم 15 من يوليو الماضي، أن المدرسة لا تتوفر فيها شروط السلامة الصحية، وأنه “لا يمكن أن نرخص لكي يقيم هؤلاء في بناية تتوفر على 4 طوابق”.

جدال لا متناه بين رؤيتين، ظاهرهما ترفيهي وباطنهما صراع سياسي، على اعتبار أن الجمعية لها ارتباطات مع العدالة والتنمية، وهذا ما رفضه العلمي. لكن الأمر يتجاوز ما هو غامض وغير واضح إلى جوانب أخرى أكثر وضوحا في الصراع بين الطرفين وسيستمر مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل.

وها هو عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية عبدالعزيز أفتاتي، يخرج مهاجما العلمي، متهما حزبه التجمع الوطني للأحرار، بربط علاقات تمويلية سرية مع جهات خارجية، في إطار تبادل الخدمات والمصالح التي تهدد مصالح المغرب. وبارك رئيس الحكومة سعدالدين العثماني هذا التوجه، بالقول إن الحزب “إذا تعرض للإساءة فمن حقنا الدفاع عنه”.

حلبات البرلمان

العاهل المغربي الملك محمد السادس، يشير دوماً إلى التجليات الصارخة لاختلالات المشهد الرياضي، وما تتخبط فيه الرياضة من ارتجال وتدهور، ويدعو إلى وضع نظام عصري وفعال لتنظيم القطاع الرياضي يقوم على إعادة هيكلة المشهد
العاهل المغربي الملك محمد السادس، يشير دوماً إلى التجليات الصارخة لاختلالات المشهد الرياضي، وما تتخبط فيه الرياضة من ارتجال وتدهور، ويدعو إلى وضع نظام عصري وفعال لتنظيم القطاع الرياضي يقوم على إعادة هيكلة المشهد

عادة ما تكون قاعات البرلمان حلبة للصراع بين العلمي والعدالة والتنمية سواء في الجلسات العامة أو الشهرية أو في اللجان، فقبل التصويت النهائي على مشروع القانون 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، انتقد العلمي بشكل ضمني المرافعة النقدية التي قدمها فريق العدالة والتنمية بخصوص القانون المذكور، قائلا “من الأحسن ألا أتكلم وإلا لن يعجب كلامي بعض الأشخاص”، ويقصد برلمانيي العدالة والتنمية. لترد عليه القيادية في “البيجيدي” آمنة ماء العينين بالقول “مرفوض رفضا قطعيا أن يصادر وزير حق برلماني في الانتقاد أو أن يملي عليه ما يقول سواء أكان في الأغلبية أو المعارضة لأن البرلماني هو من يراقب الوزير بمقتضى الدستور وشرعية الانتخاب، وليس العكس. اتركونا ساكتين فنحن إذا تحدثنا سنقول كلاما لن يعجبكم”.

ولم يسكت عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، معتبرا أن حزب العدالة والتنمية، إنما يسعى عبر التشكيك في المؤسسات السياسية والمنتخبين والبرلمان إلى تخريب البلاد.

تصريح العلمي زاد من حدة التوتر مع حزب العدالة والتنمية، ليتساءل سليمان العمراني نائب أمين عام حزب العدالة والتنمية “لماذا إذن أنتم باقون في حكومة يقودها حزب بالمواصفات التي ذكرتَ؟ ولماذا تبقى هذه الحكومة أصلا؟ شيء ما ليس على ما يرام. نريد معرفة هل هذا موقف شخصي رغم خطورته أم هو موقف الحزب؟ لا بد من الوضوح”. وفي إطار تشويقي رد العلمي قائلا إن “التجمع يتوفر على مسار الثقة وعلى أرضية تمّ التوافق عليها، وهي أرضية تنطلقُ من الديمقراطية الاجتماعية التي تعزّز روح المبادرة الفردية والحرية وتنظيم الأسواق”، مشيراً إلى أنّ “الحزب يتوفّر على مشاريع بديلة ستغير حياة المغاربة إلى الأفضل”.

ما لم يعجب العلمي أن يدخل غريمه في السياسة على خط لعبة الكرة ذات الشعبية الطاغية، فهذا الأمر قد يغير من قناعات البعض وسلوكه السياسي خصوصا الشباب. لكن ما لا يدريه الوزير أن الشباب مرتبط بالرياضة كلعبة لا بالوزارة كوظيفة سياسية.

آراء حسب الأجواء

يكيف العلمي آراءه حسب موقعه ومصالحه الحزبية كعضو فعال في التجمع الوطني للأحرار، ففي مرحلة كان فيها حزبه يتفاوض مع العدالة والتنمية للدخول إلى الحكومة بعد انسحاب الاستقلال نهاية العام 2013، واكتفى هو بمنصب رئيس مجلس النواب مؤقتا، نفى أن يكون أي حزب بالمغرب له صبغة أيديولوجية قائلا إن المطلوب من الأحزاب هو التدبير والتنمية، والتمسك بها بشكل أعمى بات متجاوزا، وهل تحتاج التنمية إلى أيديولوجيا؟

وبقدرة قادر تغيّر منطق التحليل لدى الرجل معتبرا التمسك بالأيدولوجيا بشكل أعمى بات متجاوزا، ما يحكم النظام العالمي ككل ليس الأيديولوجيا وإنما تحديات التنمية، مثل التحول الديموغرافي وتكنولوجيات المعلومات والتواصل، ومحاربة الفقر وإشكالية المياه، والطاقة والتشغيل. لكنه في مناسبة أخرى سجل أنه من باب الديمقراطية الاجتماعية، ومن خلال الأيديولوجيا التي يرتكز عليها حزبه، بأنه لا يرى أبعد من أنفه، بل قال “أرى كيف تتطور الخارطة الجيوستراتيجية، وكيف يمكن للمغرب أن يتموقع فيها مستقبلا بأطره ومواطنيه”.

البعض يقول إن العلمي يتمتع بقوة غير مرئية جعلته مؤبدا في الحكومات المتعاقبة، إذ لا يكاد يخرج من وزارة حتى يتولى أخرى لنحو خمسة عشر عاما، ويعلق جل المتابعين للشأن السياسي بأن هذا السياسي يدبر موقعه الوزاري بنهج شعبوي يفتقر إلى التحليل الموضوعي
البعض يقول إن العلمي يتمتع بقوة غير مرئية جعلته مؤبدا في الحكومات المتعاقبة، إذ لا يكاد يخرج من وزارة حتى يتولى أخرى لنحو خمسة عشر عاما

وعندما اقترب من رئاسة مجلس النواب في العام 2014، قال “إن وصولي إلى منصبي مع الدينامية الجديدة قد يشكلان دفعة أخرى لتحسين صورة المؤسسة، وسنعمل سويا من أجل ابتكار آليات لفعل ذلك”، لكنه بعدما ترك منصبه والتحاقه بوزارة الرياضة، لم تتغير الصورة، فلازالت نفس العقليات والسلوكات طاغية الأمر الذي أخّر البت في العديد من القوانين التنظيمية، رغم أنه قال آنذاك إنه “يجب أن تكتب لها الولادة النهائية”، حتى الدبلوماسية البرلمانية لم يذهب بعيدا في إعادة النظر فيها بشكل جذري اتقاء للخصومات وكل أشكال التصادم، ولو أنه أكد أنها “عمل يتعين علي فعله ولو دفعت ثمنه غضبا من أشخاص معينين”.

وهو لا يتوانى في سبيل تحقيق أهدافه السياسية والاستثمارية ولا يقبل أن يقف في طريقه أي شيء حتى وإن دعا إلى إجراء تعديل على بعض فصول الدستور، معتبرا أن بعض السياسيين لا زالوا لم يستوعبوا مضمون الدستور الذي أقره المغرب قبل حوالي ثماني سنوات.

عكس ما هو معمول به في الأحزاب الأخرى يقول العلمي “إن لدينا القناعة المطلقة بأن لا مكانة لعبادة شخص أو صناعة زعيم”، وحتى لا يقال إنه مثل خصومه يستغل العمل الاجتماعي لأهداف سياسية يؤكد أن حزبه “يمارس العمل الاجتماعي بكل شفافية بفضل مساهمات مناضليه ومناضلاته ومغاربة أحرار يريدون الخير لهذا البلد، وليس مثل البعض”، وهنا يقصد العدالة والتنمية.

لكن كل هذا لا يلغي أن الوزير التجمعي مطالب بالرد على قضية التهرب الضريبي، بعدما قضت المحكمة الإدارية بالرباط ابتدائياً بإدانته لكونه لم يؤد حوالي مليار و200 مليون سنتيم، لفائدة الخزينة العامة للمملكة عن شركته التي تحمل اسم “نورفي كوير”، وذلك بعدما رفع ضده الخازن العام للمملكة نورالدين بنسودة دعوى قضائية، وبعد التخفيض القانوني رفض تأدية 800 مليون سنتيم، والتي رفض تقديمها بدعوى التقادم.

وبعد عامين من هذه الواقعة المعروضة امام المحاكم لازال العلمي يقوم بمهامه داخل الحزب والوزارة وكأن شيئا لم يقع، مدافعا عن امتيازاته كرجل أعمال وسياسي تحت مظلة حزب يريد أن يكتسح الانتخابات المقبلة في القرى والمدن، وعلى اعتبار أن التهرب الضريبي ضرب لمبدأ التكافؤ والعدالة الاجتماعية، فالمفارقة تكمن في أن الوزير عبّر عن أسفه بشأن هجرة الأدمغة التي تبني الأوطان والمجتمعات، قائلا إن “الإحساس بعدم وجود عدالة اجتماعية يدفعنا إلى الإحباط”.

والسؤال الذي يطرحه الجميع هل ستكون هناك فرصة للمكاشفة والمصارحة، بعدما أكد العلمي أنه “يجب علينا التوقف للاعتراف بالخطأ في كل مرة فشلنا فيها، وأن تكون لنا الشجاعة، كمغاربة، للتشبث أيضا بما نجحنا فيه؟”.

12