الطاهر الحداد.. مفكر إصلاحي خرج عن سلطة التشدد

الجمعة 2013/08/16
الطاهر الحداد.. المصلح والنقابي والسياسي

"لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين" هذا ما قاله عميد الأدب العربي طه حسين عن الطاهر الحداد وهو يلخص بذلك المكانة التي مثلها في عصره وأهمية الأفكار التي طرحها ودافع عنها. المفكر الإصلاحي التونسي الذي امتلك جرأة غير مسبوقة وتحدث عن المسكوت عنه في مجتمعه من خلال الحفر والتأمل النقدي في خبايا الفكر الإسلامي من أصول الفقه وآليات التشريع. المصلح والنقابي والسياسي أحدث انزياحا ملحوظا عن شيوخ التقليد والاتباع واختار لنفسه مسلكا آخر كان للعقل الناقد والمجتهد والباحث عن حقيقة الشريعة مرتبة مميزة فيه. فقد سعى الحداد في مطلع القرن العشرين بكل السبل إلى تحرير المرأة واستقلال تونس وسيرها في طريق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لذلك كان النموذج الصارخ للمثقف الواعي بمرحلته التاريخية لم يساير ثقافة القطيع، بل تحمل مسؤولية التوعية والتنبيه والنصح والإرشاد والتجريح والتعديل. ورفض أن يبقى وطنه يرزخ تحت عبودية العادات الفاسدة والأفكار الظلامية والآراء الرجعية.

لقد مثل الحداد صوت الحرية الرافض لكل الأفكار البالية التي لم تنجح في الخروج عن دائرة التفكير المنغلق على النص ولم تقدم تصورا اجتهاديا للواقع وللمسائل الحادثة. لذلك حاول من خلال كتاباته أن يكون بديلا عن ذلك الفكر الجامد ويطرح آراءه بكل وضوح ودون خوف. وبمناسبة احتفال التونسيين بذكرى عيد المرأة في الثالث عشر من أغسطس الجاري ولدور الحداد في الدفاع عن مكانة المرأة في المجتمع ولرؤاه الفكرية و النقدية عدنا هنا لمعرفة أكثر تفاصيل عنه وعن مقاربته الإصلاحية.

"التفكير بدء الحياة ولكننا نضع في وجهه سلاح التكفير لنثير عليه الشعب فمن أين نبدأ الحياة التي نطلبها للشعب"، هذا القول للحداد يقدم لنا صورة عن القيمة التي يعطيها الرجل للفكر وإعمال العقل ويدفعنا للرجوع إلى المرتكزات الأولية وبداياته في الترقي المعرفي والعلمي ليصل إلى هذا النبوغ وطرح الأفكار المختلفة والتي أحرج بها خصومه.

في صباح الرابع من ديسمبر ولد الطاهر الحداد سنة 1899 بتونس العاصمة، وتنحدر أسرته من الجنوب التونسي من منطقة الحامة التابعة لمحافظة قابس.

تلقى تعليما تقليديا، بدأ بالسنوات الست الأولى في مدرسة قرآنية، ثم درس الفقه الإسلامي في جامعة الزيتونة وبعد إتمام دراسته حصل حداد على رخصة موثق للعقود، لكن المثقف الشاب دخل في النهاية معترك السياسة.

كانت بداياته في الكتابة في جرائد "الأمة" و"مرشد الأمة" و"أفريقيا" ولم يكن يعرف أن تلك الكتابات ستحول إليه الأنظار وتكون محل نقاش وأخذ وعطاء بين زعماء البلاد في تلك اللحظة مما دفع الشيخ عبد العزيز الثعالبي يصطفيه من زمرة قليلة ليكون أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري التونسي.

تعرف الحداد على ابن جهته محمد علي الحامي الذي جاء بأفكار لا تتسع لها البلاد وأراد أن يقيم الدنيا ويغيّر الطبائع فكان الحداد عضده الأيمن ورأسه المفكر وعينه التي يرى بها الأشياء فأسس معه جامعة عموم العملة التونسية، ولم يكتب لتلك الحركة أن تعمّر طويلا بل سرعان ما بادرت سلطات الاستعمار إلى حلها.

لم ييأس الحداد بل واصل النضال وأرخ لتلك الحركة في كتابه الأشهر «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية» الذي صادرته سلطات الاستعمار ومنعت تداوله حتى لا يعمّ النور أرجاء البلاد وأفكار العباد، وفي تلك الفترة وضع حداد كتابا عن حقوق العمال، وأسس أول نقابة مستقلة في البلاد.

عزل الحداد اجتماعيا، فلزم بيته الفقير، مواصلا هناك الكتابة، فكتب الشعر والخاطرة الأدبية. وفي العام 1981 بعد وفاة الرجل بسنوات طويلة، ظهر كتابه الإشكالي الثاني: "التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة". ولا يُعلم إلى الآن سر اختفاء ذلك النص المكمل لفكر الحداد طوال تلك السنوات، وكيف عثر عليه ونشر.

واجه أثناء حياته، ولا تزال أفكاره التنويرية العالية تواجه إلى اليوم، هذه المنظومة الظلامية المغلقة على أوهامها وتأويلاتها وحكمها وأوامرها المتناقضة.

رحل الحداد مبكرا يوم السابع من ديسمبر 1935 ، بعد أن بلغ عامه السادس والثلاثين بأيام، وبعد أن أنهكه المرض ودمرته العزلة. وبعد أن أخرجته فتاوى الشيوخ من الملة والدين وحولته إلى مجرد زنديق ومنبوذ لا يستحق الرحمة ولا الاهتمام.

لكن الشعب التونسي ونخبته وسلطته كانوا أوفياء لهذا الطليعي الذي ضحى من أجلهم ومن أجل نهضتهم، فقاموا بتكريمه على أكثر من صعيد، كان أهمها تضمين مجلة الأحوال الشخصية، التي صدرت عام 1956، الكثير من أفكاره واقتراحاته.


منجزه الفكري


العديد من النضالات التي قام بها الطاهر الحداد في حياته القصيرة وحقق ما عجز عنه الكثيرون الذين أمد الله في أنفاسهم. ولكن جل دارسي الرجل يقرون أن أهم ما توصل له يتمثل في مصنفه "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي حاول فيه نقد الصورة التي كرسها بعض الشيوخ عن المرأة باعتبارها كائن غير مساو للرجل في الحقوق. فقدم رؤية مغايرة تخرجها من سلطة العقلية الأبوية والعشائرية التي سادت وقتها في المجتمع التونسي.

الرؤية الاجتهادية للحداد حول المرأ ة قدم فيها الوضع المأساوي للمرأة التونسية، الذي يرجعه البعض إلى الإسلام بينما الإسلام براء منه وبين الحداد أن الشريعة الإسلامية لا تتنافى مع حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل.

وحلل في كتابه الحدود الفكرية للعقليات السائدة داعيا إلى إرساء تفكير حديث يساهم في الحضارة الإنسانية. وذلك يتطلب حسب الحداد تحرير المرأة من سجونها كي تساهم في مصير بلادها إذ أنها تمثل نصف المجتمع "والنصف الآخر بين أحضانها".

الوضع الردئ للمرأة هو الذي دفع المفكر الإصلاحي للمطالبة في كتابه بتغييره إلى الأفضل وخلق الشروط لذلك، فقد كانت المرأة قاصرة لا حول ولا حقوق لها إذ يقع تزويجها طبقا لإرادة أبيها الذي يخول له تزويج ابنته البكر دون مشورتها، وقد تكره أن تتزوج رجلا لا تتجاوب معه ولو كان شيخا وكانت غير راغبة فيه.

ومع كل هذا الظلم والاضطهاد فإن المرأة تلعب دورا مهما في مجالات عديدة، فهي التي تعتني بالأطفال وتربيهم وبشؤون المنزل من طهي وغسل وتنظيف وهي ظروف كانت شاقة خصوصا في الأرياف حيث تغيب جميع المرافق الضرورية كالماء والوقود والكهرباء.

ويرى المصلح التونسي ضرورة أن تصلح تلك الأوضاع المزرية للمرأة وضمان حقوقها، وذلك يستوجب تثقيف الفتاة وتمكينها من التعليم على غرار الذكر حتى تتمكّن من تربية أطفالها تربية صالحة ومن المساهمة، إلى جانب الرجل، في النهوض بمجتمعها.

ويعتبر الحداد أن كل هذه الأوضاع هي وليدة تقاليد ناجمة عن عقلية أبوية وعشائرية قديمة. فمن المفروض تجاوز هذه العقلية البالية وإصلاح وضع المرأة طبقا لمقتضيات العصر خصوصا أنّ كل هذه المعاملات تجاه الأنثى تعود في حقيقة الأمر إلى الممارسات الاجتماعية للإسلام التي تتناقض تماما مع روح الدين الإسلامي وجوهره.

ويدعو الحداد إلى وجوب اعتبار "الفرق الكبير بين ما أتى به الإسلام وما جاء من أجله". فما أتى به من أحكام حول العبيد والإماء وتعدد الزوجات والإرث يتعلق بعقلية الجاهلية. فإذا بقيت هذه العقلية بقيت هذه الأحكام "وإذا ما ذهبت ذهبت أحكامها معها".

أمّا ما جاء الإسلام من أجله و"هو جوهره ومعناه فيبقى خالدا بخلوده كعقيدة التوحيد ومكارم الأخلاق وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس".

فالحدّاد بهذا الرأي يفرّق بين أركان الإسلام وفرائضه وعباداته وقيمه التي من المفروض أن تكون ثابتة لا نقاش فيها وبين الأحكام التي تنظّم حياة الناس ومعاملاتهم التي هي ظرفية وبالتالي تخضع إلى نواميس التطور التاريخي.

أما الشريعة فينظر إليها الحداد نظرة مخالفة لشيوخ التشدد والتقليد، فهي برأيه "جاءت مرنة متسعة المعاني من أجل قبول أطوار الحياة الإنسانية".

وفي مقاربته لها اعتمد الحداد القراءة المقاصدية للنظر في مواضيع عديدة كالعبودية وتعدد الزوجات والإرث واضعا الأحكام المتعلقة بهذه القضايا في إطارها التاريخي مبينا أنها أخذت، عند نزولها، بعين الاعتبار الأوضاع والعقليات السائدة في المجتمع العربي مع العمل على إصلاحها بصفة تدريجية.

فكان ذلك الشأن بالنسبة إلى العبودية التي كانت منتشرة عند ظهور الإسلام .فلا يمكن إلغاء هذه الظاهرة الاجتماعية دفعة واحدة دون مصادمة مصالح الناس وبالتالي تنفيرهم من الدين الجديد، فاكتفى الإسلام في بداية الأمر بتليينها والحد منها قصد إبطالها تدريجيّا.

وبنفس المنطق تعامل الحداد مع وضع المرأة الذي كان مزريا في العهد الجاهلي وقد عمل الإسلام على تغيير العقلية السلبيّة تجاه المرأة السائدة عند ظهوره، فقاوم ازدراء المرأة والتشاؤم من ولادة الأنثى وكان النبي يتباهى، لمقاومة هذه العقلية، بكونه أبا البنات.

كما أعطى الإسلام حقوقا للمرأة لم تكن متوفّرة لها من قبل، من ذلك حقّ التصرّف في أملاكها وحقّها حسب الإمام أبي حنيفة النعمان في اختيار زوجها وفي تولّي خطّة القضاء. وبصفة عامة لا شيء في القرآن والسنة يمنع المرأة من تولي مناصب في الدولة وفي المجتمع مهما كانت.

ويعتبر الحداد أن الإسلام عمل على إرساء المساواة تدريجيا بين الرجل والمرأة وذلك وفقا لجوهره الذي يقوم على العدل والمساواة بين الناس. وعلى هذا الأساس عالج منذ ظهوره الأوضاع السائدة في هذا الشأن كقضية تعدد الزوجات وقضية الإرث قصد إصلاحها.

الحداد في منجزه الفكري "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" دعا صراحة إلى الاجتهاد في الإسلام طبقا لمبادئه الخالدة التي تقوم على العدل والمساواة ولا تتناقض مع إرسائها تدريجيا وطبقا لنواميس التطور التاريخي.

محنة الحداد


أفكار الحداد التنويرية في ذلك الوقت لم تكن لتمر بالسهولة المرجوة داخل المجتمع التونسي، بل واجهت حملة مضادة رافضة لها. وتنامى ذلك الرفض بعد صدور كتابه "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" لتلحق الحداد عدة صفات أطلها شيوخ التشدد والانغلاق وصلت حد التكفير.

ونتيجة لذلك الهجوم والتشويه مُنع الحداد بقرار رسمي من مواصلة دراسة الحقوق، وشُكلت لجنة فتاوى خاصة للنظر في أمره.

وأفضت إلى إصدار قرارها وكان محتواه: "لقد تطاول الحداد على شرع الله وسنة نبيه الكريم وأخرج نفسه من الدين والذمة، فهو كافر ويُمنع الحداد من الزواج بمسلمة ولا يحق له التقدم بطلب كهذا"، وأرغمت الصحف على عدم النشر له على اعتبار السموم التي تحويها مقالاته، ودفعت العديد من الأقلام للرد عليه ولدحض أفكاره وآرائه من ذلك كتاب "الحداد على إمرأة الحداد" للشيخ محمد الصالح بن مراد و "سيف الحق على من لا يرى الحق" للشيخ عمر البري المدني. وإضافة لذلك قام المحافظون في جامع الزيتونة بمهاجمة الحداد بشراسة نادرة تمثّلت خصوصا في مصادرة كتابه وسحب شهادة الزيتونة منه، ولم يجد الحداد في محنته هذه مساندة تذكر سوى من بعض المثقفين المستنيرين.

لكن مع ذلك وبرغم المحاصرة التي لقيها الحداد ورغم رفضه من قبل قوى التشدد إلا أن أفكاره بقيت قائمة الذات في أوساط النخب التونسية المستنيرة، وخلقت الأرضية التي مهدت الطريق لصدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس 1956 أي حوالي أربعة أشهر بعد الإعلان عن الاستقلال، وعبرت هذه المجلة عن رؤى الحداد بل كانت تجسيما لها على أرض الواقع بعد أن آمن بها الرئيس بورقيبة ورأى في الحداد رائد تحرير المرأة التونسية.

التحرير كان ضرورة ضد العقول الجامدة التي وقفت ضد الإصلاح وضد الأفكار التي نادى بها الحداد، وليصف الحبيب بورقيبة تلك العقول بعد ذلك بالقول: "عقول جامدة وقلوب طمس عليها حتى صارت تعتقد أن العادات والبدع هي من الدين".

لقد اتبع العديدون بعد الاستقلال منهاج الحداد في قراءته لأحكام الشريعة الإسلامية وضرورة تطورها ومواكبتها للواقع، فكان الحداد بمثابة المنظّر لهذه المجلة بينما عمل الحبيب بورقيبة على تجسيم هذه النظرية وذلك رغم معارضة جلّ رجال الدين.

وكانت بنود مجلة الأحوال الشخصية تتناغم مع مشروع الحداد حول تحرير المرأة وضمان حقوقها من ذلك تحجير تعدد الزوجات وانعقاد الزواج برضى الطرفين وتحديد السن القانونية له، وإخراج الطلاق من سلطة الزوج. كما أقرّ القانون الجديد حرية المرأة وحقوقها وذلك بالتأكيد على حقّها في السفور ومساواتها مع الرجل في جميع المجالات كالتعليم وتعاطي الوظائف والمسؤوليات.

وبرغم من الأفكار التي دعا إليها الحداد ومشروعه الفكري الذي حلم به إلا أن قوى الجذب إلى الوراء وقوى التشدد والتزمت والانغلاق وأصحاب الرؤية الأحادية والذين يعتقدون أنهم يملكون الحقيقة، سعت إلى إجهاض رؤاه ومشروعه حيا وميتا. فقد عانى الرجل من تسلطهم حيا وهاهم بعد الثورة كما تشير التقارير الإعلامية يعتدون على قبره بعد أن شهدت تونس صعود تيار إسلامي متطرف يستغل تغاضي حكومة "النهضة" عنه لمهاجمة رموز وثوابت للتونسيين، ويعمل على التراجع عن حقوق ومكتسبات اجتماعية هامة على رأسها حقوق المرأة.

لقد قاسى الحداد من مجتمع تنكر له ورماه بالإلحاد حتى انهارت قواه، وأنهكت أعصابه وعاجله الموت على حال سيئة، لكن أفكاره وحدها ظلت تنير سبل كل من يسلك طريق العقل والاجتهاد.

لم يعش المصلح التونسي كثيرا كما المبدع الآخر التونسي أبو القاسم الشابي، ولكن لا تقاس قيمة الرجال بأعمارهم بل بما حققوه على أرض الواقع والإضافات النوعية التي أنجزوها لمجتمعاتهم.

الطاهر الحداد كان من أولئك الرجال الذي تمكن من الوصول إلى تحريك البرك الآسنة بثورة عقله الرافض للتقليد والجمود والرضا بالموجود. فوجد في الشريعة مساحة واسعة للتحرك أنار خلالها عتمات من الجهل عششت طويلا في عقول البعض وجعلتهم لا يرون فيها إلا نصوصا منغلقة لا تسمح بالتأويل والاجتهاد وإعمال العقل. لقد نجح الحداد في ثورته على العقول الجامدة ووضع الأسس الفكرية للمساواة والعدل بين الرجل والمرأة وقدم مقاربة مستنيرة للشريعة وأحكامها أهلته لأن يكون من رواد النهضة في التاريخ التونسي.

12