الطاهر بنجلون يدين صمت المثقفين العرب

الأحد 2014/03/02
الطاهر بنجلون: كيف يصمت الكاتب وهو حامل رسالة الإسانية

أدان الكاتب المغربي الطاهر بنجلون صمت المثقفين والكتاب العرب على ما يجري في سوريا اليوم، حين ذهب إلى أن الكاتب ليس هو الأسلوب نفسه، كما ظل يردد “بوفون”، وهو ليس بائع حكايات، ولا منتج أفكار، يتاجر أو يتسلى بها، ولكن الكاتب هو الموقف نفسه. بهذه اللغة الحادة والصادقة سجل الكاتب المغربي المقيم في فرنسا، والحاصل على جائزة “الغونكور” العالمية، حضوره في الدورة العشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، بمدينة الدار البيضاء، وهو يحل ضيفا على فقرة “ساعة مع كاتب”، حاوره خلالها الناقد المغربي عبد الرحمن طنكول. وقد كان اللقاء فرصة تحدث فيها بنجلون، للقارئ العربي، عن روايته الأخيرة “استئصال الألم”، الصادرة في يناير الماضي عن دار “غاليمار” الباريسية.

شاعر أولا


استهل الناقد المغربي عبد الرحمن طنكول لقاء “ساعة مع كاتب”، الذي حاور فيه الكاتب المغربي الطاهر بنجلون، بالحديث عن الشعر. وكان عبد الرحمن طنكول قد تقاسم السؤال إياه مع الطاهر بنجلون، وتحديدا الشعر المكتوب بالفرنسية، منذ ستينات القرن الماضي، عندما جمعهما هذا السؤال الإشكال في مجلة “أنفاس″، رفقة مؤسسها عبد اللطيف اللعبي، إلى جانب الشاعر المغربي مصطفى النيسابوري، ثم محمد خير الدين والآخرين.

اليوم، يعود طنكول ليذكر صديقه الطاهر بنجلون بصفة الشاعر التي ما عاد يناديه بها أحد، وقد أصبح بنجلون روائيا عالميا بلا منازع. وكان “مولاي الطاهر” قد حاز جائزة الأركانة، في دورة سابقة، وهي الجائزة التي يقدمها بيت الشعر في المغرب لشاعر من شعراء العالم، على هامش كل دورة من دورات المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء. ما علاقة الطاهر بنجلون بالشعر اليوم.. ما إن حاول عبد الرحمن طنكول أن يقارن بين فوز بنجلون بالأركانة، وفوز الشاعر الفرنسي إيف بونفوا بالجائزة هذه السنة، وتتويج الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش بالجائزة في دورة 2008، حتى اعترض صاحب “الغونكور” على المقارنة، في نوع من التواضع الصريح والشفيف، وهو يشير إلى أن درويش إنما كان شاعرا خالصا لم يكتب غير الشعر، ولم يتعلق بسواه. ومع ذلك، يؤكد بنجلون أن الشعر قد ظل يكتسي أهمية أساسية في حياته وكتاباته، لكنه رفض تصنيف نفسه شاعرا، فكان شاعرا إنسانيا عظيما.

"الاستئصال"رواية تابع فيها الكاتب معاناة الرجال مع مرض التهاب الكبد، الذي يداهم الإنسان من حيث لا يحتسب

وكذلك الحال بالنسبة إلى الشاعر الفرنسي، الحائز على أركانة هذه السنة، والذي يعد، في نظر بنجلون، شاعرا إنسانيا وكونيا، أيضا، وهو الذي لم يبق حبيس الهوية الثقافية الفرنسية، وانفتح على العالم من نافذة العظيم وليام شكسبير، بعدما ترجم، من جديد، أعماله إلى الفرنسية، واعتنى بتقديمها وعرضها في شاعرية باذخة.

وأمام هذين الشاعرين الإنسانيين، يرفض الطاهر بنجلون أن يصنف نفسه شاعرا، من هذا العيار، رغم أنه لا يزال يعتبر الشعر انشغالا شاغلا من انشغالاته الأدبية بالغة الأهمية والجاذبية، إلى جانب الرواية. أما درويش، يقول بنجلون، فقد انصرف إلى الشعر انصراف العشاق، وتعلق به ولم يتعلق بغيره، وسكنه وأقام فيه، وكان محمود درويش، الذي ظل يبحث عن وطن لم يعثر عليه، قد أقام مدى حياته في الشعر، واتخذه وطنا وسكنا. وهذا، ربما، ما جعل محمود درويش يمر بسرعة، من أمامنا، ويعبر هذه الحياة، بشكل خاطف، يقول الطاهر بنجلون، لأنه لم يمتلك أرضا، من أجل الإقامة، فأقام في مسكن الشعر.

سوريا والصمت المزعج


كانت فقرة “ساعة مع كاتب”، ساعة حاسمة بالنسبة إلى الطاهر بنجلون، وموعدا أعلن من خلاله أنه لا بد أن تكون للأدب مهمة ومسؤولية في ظل التحولات والانفجارات الراهنة، مؤكدا في هذا السياق أن الأدب أمر ضروري، وإن كان محدود القدرة على صنع التغيير المباشر، يقينا منه أنه لا بد أن يكون للأدب صوت ننصت إليه، عندما يعاني طرف أو جزء من جسد هذا العالم من الألم، كما يحدث وينزف الآن في سوريا، يقول الكاتب.

عن الوضع السوري، تساءل الطاهر بنجلون كيف يمكن للنخب العربية المثقفة أن تقف موقف المتفرج على مسلسل وجحيم الانتهاكات الصارخة للحق في الحياة والحرية، مدينا ومستنكرا ما أسماه “الصمت المزعج”، ومن المثقفين خاصة، تجاه ما يحصل في سوريا، تحت آلة القتل التي يحركها نظام بشار الأسد وعصاباته من سفاكي الدماء وأزلام النظام الوحشي الذي يقترف منتهى الإجرام على أرض الشام. صحيح أن الكاتب لا يحمل في يده سلاحا، بل قلما، لكنه يحمل “رسالة إنسانية نبيلة”، على مذهب الطاهر بنجلون. من هنا، يرى صاحب رواية “ليلة القدر” أن ما يجري في سوريا ليس قدرا مقدرا، بل هو اغتصاب للعدالة والحرية، ومساس بالحق في الاختلاف والحياة، ما يقتضي الإدانة المطلقة والكلية من قبل الجميع، ومن ضمنهم الكتاب وعموم الفنانين والمبدعين. صحيح أن الكتابة إن هي إلا كتابة، وحلم وخيال، وسرد وشعر وجمال، يقول الكاتب، غير أنه إذا كان الهدف من الكتابة هو تزكية السلطة ومباركة أعمالها، أو الصمت على أفعالها، فالأمر سيان، ومن الأفضل أن لا يكتب الإنسان شيئا مذكورا.

بنجلون يدين الصمت "المخزي" للمثقف العربي

الرواية أخيرا

أما رواية “الاستئصال”، أو “استئصال الألم”، وهي الرواية الأخيرة للكاتب، فقد كانت منتهى هذا اللقاء وغايته. رواية تابع فيها الكاتب معاناة الرجال مع مرض التهاب الكبد، الذي يداهم الإنسان من حيث لا يحتسب، ما لم ينتبه ولم يأخذ احتياطاته، وما لم يكشف عنه مبكرا، ليجد نفسه في عداد ضحايا سرطان “البروستات”.

هذا، وقد زار كاتبنا العديد من الحالات، وانتقل إلى عيادة الكثير من المستشفيات، ووقف على آلام مشابهة، فتاكة وقاتلة، قبل كتابة الرواية أو حين الكتابة. ويكشف الطاهر بنجلون أن انشغاله باستئصال الألم والورم، هو المقابل لتشبث المبدع بالحياة، وإصراره على المواجهة، ومقاومة الموت، سواء أكان مرضا عضالا، أم كان مرضا من أمراض التسلط والتحكم، التي تمارس القتل، بدورها، ضدا على الكائن الإنساني، وحقه في البقاء والانعتاق والارتقاء. من هنا، انتقل (الروائي/ الراوي) إلى المستشفى، فضاء لاستطلاع أمر المرض ومرارته. وهي التجربة نفسها التي عاشها بطل الرواية، في الواقع، وهو يستكشف وضعه الصحي، ويتطلع إليه، وما إذا كان المرض متربصا به هو الآخر.

وقد انطلق المؤلف في هذا مما يشبه بحثا ميدانيا، في الواقع، وبحثا أكاديميا، من خلال التقارير والاستطلاعات ذات الصلة بالمجال الطبي، والتي تؤكد أن ما يزيد عن 70 في المئة من الرجال هم معرضون للإصابة بهذا الداء، ما بين الستين والسبعين من العمر. على أن منطلق الحكي هنا، بل والتفكير في المادة الروائية، والرواية نفسها، إنما ينطلق من تجربة شخصية، كما يعلن عن ذلك بنجلون نفسه، في غاية من الصراحة و الصدق الأدبي كما الفني. كل ذلك فضلا عن الزيارات التي قام بها للمستشفيات، من أجل الوقوف على حالات خاصة، وهي زيارات انتهت إلى جمع حكايات من الألم المضاعف، كاد فيها الناشر نفسه، من قسوة المادة المعروضة، أن يعترض على العمل من أوله إلى ألمه.

من جهة أخرى، يكشف الطاهر بنجلون عن داعي الكتابة، والحافز المباشر الذي كان من وراء تحرير الرواية، بل وتخييلها، أيضا. فقد جاءت كتابة هذه الرواية باقتراح من صديق للطاهر بنجلون، وهو طبيب أخصائي، دعاه إلى الكتابة عن هذه التجربة، وهذا الألم الإنساني، وكيف يعاني منه الرجال اليوم.

وقد عرض هذا الصديق على الطاهر بنجلون حالة أحد المرضى، في البداية، والذي لم يتحرج في الحديث عن المرض، لتكون حكايته منطلق الرحلة نحو استكشاف الألم روائيا.

هذا مع العلم أن أغلبية الرجال يلتزمون الصمت تجاه هذا المرض، الذي يقتلهم في صمت أيضا. من هنا، جاءت الكتابة، لدى الطاهر بنجلون، دائما، شجبا للصمت، ومحاولة لاستنطاقه وتكسير جداره المنيع، وما يخفيه من وراء الجدار.

وعلى مستوى الشكل، انبنت الرواية بشكل عنيف وأليم، يوازي ألم الرواية على مستوى الحكاية. من هنا، يقول الطاهر بنجلون، فقد جاءت الجمل قصيرة، ومركزة، أشبه ما تكون بصرخات وأنات، وبجروح غائرة في جسد الرواية. ذلك أنه وبدل أن تتجه الجملة ممتدة على مساحة الورقة وسطحها، تبدو وكأنها تمتد في عمق الصفحة، كأنما تريد أن تستأصل الورم الألم هي الأخرى. على أن الرواية إذا ما كانت ألما، يقول الكاتب، فقد تصير بلسما أيضا.

ومن عنف هذه الرواية، وأجوائها الأليمة، كان قد تشكل لدى ناشر الرواية نفسه تخوف من مصيرها ورواجها، على أنها سوف تكون صادمة للقارئ، قد تجعله يتفاداها أو يتهرب من قسوتها وأجوائها المرعبة.

غير أن بنجلون سوف يصر على إخراج الرواية، وبالعنوان نفسه، فيه الكثير من التحدي والمقاومة. لأن مقاومة المرض نفسه إنما تبدأ بمواجهته، يقول بنجلون.

والمثير، يضيف بنجلون، أن ردود الأفعال التي أثارتها هذه الرواية، إنما صدرت من النساء، أكثر من الرجال، مع أن الموضوع والألم إنما يعني الرجال أساسا. كما أن الرواية قد حققت، وفي ظرف شهر واحد فقط، رقما قياسيا، مقارنة مع باقي الأعمال الروائية الموضوعة في رفوف مكتبة الطاهر بنجلون السردية، أو التي نفدت من الأسواق، مثلما نفدت إلى ذاكرة القارئ العربي والعالمي، أيضا، ورسخت في ذهنه، مثلما رسخ في ذاكرتنا وحاضرنا وأسئلتنا الكبرى كاتب اسمه الطاهر بنجلون.

14