الطاهر بن جلون كاتب مُختلف حوله بين ثقافتين

الأحد 2014/02/09
الطاهر بن جلون: حظي أدبه باستقبال أفضل في الاوساط الفرنكوفونية

مؤخّرًا، أنجزت دراسة أكاديميّة جديدة باللغة الفرنسيّة تفحص مدى استقبال أعمال الطّاهر بن جلّون في العالم العربي وفي العالم النّاطق باللغة الفرنسيّة، مع التّشديد على مكانته في العالم العربيّ، حيث ظلّت رواياته تثير جدلا كبيرا، لما في معظمها من خلخلة لتابوهات الدّين، السّياسة والجنس.

هذه الدّراسة أنجزتها ربى سمعان فلسطينيّة من النّاصرة، بعنوان “استقبال الطّاهر بن جلّون في العالم العربيّ وفي العالم النّاطق باللغة الفرنسيّة: نقاط الالتقاء والاختلاف”.

ولأنّ نظريّة الاستقبال تنصّ على أنّ استقبال النّصّ يتأثّر بعدّة عوامل، منها: الخلفيّة الثّقافيّة للقرّاء ومن يتلقّون النّص، والسّياق التّاريخيّ الذي تمّ فيه استقبال النّصّ، والسّيرة الذّاتيّة للكاتب. فإنّ هذه العوامل مجتمعة من شأنها أن تعطي تفسيرا للمكانة المرموقة التي احتلّها الطّاهر بن جلّون في الغرب، حيث الدّول النّاطقة بالفرنسيّة، مقابل الموقف النّقديّ المتحفّظ الذي لازمه في العالم العربيّ. تتألّف الدّراسة من ثلاثة فصول، تتناول على التوالي “استقبال الخطاب السّياسيّ للطّاهر بن جلّون في العالم العربيّ” من خلال تحليل ثيمة الهجرة في رواية “أن ترحل”. والوقوف عند مكانة المرأة في العالم العربيّ عامّة والمغربيّ خاصّة، من خلال روايتيّ “ليلة القدر” و”طفل من الرّمل”. ثمّ فحص موضوع الاضطهاد السّياسي عبر “تلك العتمة الباهرة”. والتّطرّق لما سمّي بربيع الدّول العربيّة من خلال روايته “بالنّار”.

هذه الموضوعات معا شكّلت مادّة رواياته، وهذا الخطاب السّياسي منح الطّاهر بن جلّون شهرة واسعة في الغرب، وتمّ اعتبار مؤلّفاته مصدرا موثوقا للمعلومات حول ما يحدث في المغرب وكذا في العالم العربيّ. في المقابل فإنّ هذه المعلومات أثارت غضب العديد من النّقاد العرب والمغاربة الذين وجدوا أنّ مؤلّفاته لا تنقل الواقع، بل تُظهِر تملّقا وتحريفا لا أساس له من الصّحّة، وتهدف هذه الأعمال إلى تشويه صورة العرب والمغاربة. ويعتقد هؤلاء النّقاد العرب والمغاربة بأنّ النّفي الطّوعي للطّاهر بن جلّون إلى فرنسا لا يمنحه الحقّ بأن يكون لسان حال هؤلاء المغاربة، ولا يحقّ له أن يتناول موضوعات تمسّ هؤلاء الذين يعانون من الواقع القاسي في أوطانهم. من ناحية أخرى، وجد نقّاد آخرون أنّ مؤلّفات ابن جلّون ذات بعد يدافع عن حقوق الفئات الأكثر تهميشا.

نقاد عرب ومغاربة اتهموا ابن جلون بمحاولة تشويه صورة الانسان العربي


شيء من التطرف


وتؤكّد سمعان على شيء من التّطرّف في بعض المواقف السّلبيّة من أدب الطّاهر بن جلّون، لأنّه حقيقةً يكتب عن الواقع الأليم ويعكس ما فيه من شخصيّات تعاني من الفقر، والبطالة، والاستغلال الجنسيّ، والتّمييز والعنف، بهدف تسليط الضّوء على معاناتها وللتّعاطف معها.

يرتكز جانب من الدراسة على “العلاقة بين مكانة الطّاهر بن جلّون في العالمين العربيّ والفرنكوفونيّ وبين الحيّز الذي تشغله الثّقافة العربيّة، المغربيّة والإسلاميّة في مؤلّفاته”.

في هذا السّياق، تمّ تفسير نفور الطّاهر بن جلّون من الإسلاميّين ومن بعض الممارسات في المجتمعات الإسلاميّة على أنّه إهانة للدّين الإسلاميّ وتقليل من شأنه. ولدحض هذا الادّعاء، تمّ تحليل سبع روايات ومجموعة قصصيّة واحدة بعنوان “الحبّ السّاحر”، وهي كلّها تخصّص حيّزا كبيرا لأركان الإسلام، وتشكّل دليلا على المعرفة العميقة للطّاهر بن جلّون بالدّين الإسلاميّ. وقد كان التّركيز هنا على الصّلاة، والحجّ والآيات القرآنيّة. والرّوايات الّتي تمّ تحليلها هي “ليلة القدر، تلك العتمة الباهرة، طفل من الرّمل، الكاتب العموميّ، ليلة الغلطة، الرّجل المحطّم، أن ترحل”. أثار بعض النّقّاد جدلا حول انتماء ابن جلّون لعروبته، بسبب موقفه النّقديّ من المجتمع العربيّ. في حين اهتمّت الأوساط الغربية بمواقفه إزاء مجريات الأحداث في العالم العربيّ. وقد اتّهمه بعض النّقّاد العرب والمغاربة مجدّدا بمحاولة تشويه صورة الإنسان العربيّ وتعزيز الأفكار النّمطيّة ضدّه، رغم أنّ القضايا التي تناولها ليست بعيدة أبدا عن واقعنا العربيّ.


العلاقة بالعربية


وتتناول الدراسة، أيضا، العلاقة بين الطّاهر بن جلّون واللغة العربيّة، وتأثيرها على مكانته في العالم العربيّ. مع العلم أنّه درس في معظم حياته في مدارس فرنسيّة وعاش لفترة طويلة في فرنسا. وعلى الرّغم من تمجيده للّغة العربيّة، إلا أنّ ادعاءه بأنّ اللغة العربيّة لا تتيح التّعبير بشكل واضح وصريح عن كافّة مواضيع الحياة، كونها لغة القرآن، أثار غضب الناقد المغربيّ محمّد برادة الذي أشار إلى أنّ الطّاهر بن جلّون ألغى بادعائه هذا كلّ الجهود التي تمّ استثمارها، على مدار القرن العشرين، لتطوير وملاءمة اللغة العربيّة للتّجارب الحياتيّة المختلفة. وبشأن انتماء ابن جلّون إلى بلده المغرب، وصف نقّاد فرنسيّون مؤلفاته بأنّها مغربيّة بامتياز، وبأنّ قراءتها تعتبر رحلة في المدن والقرى والأحياء المغربيّة. وينكشف القارئ على الواقع السّياسيّ في المغرب، الأطباق والمأكولات، والممارسات الدّينيّة والشّخصيّات الوطنيّة المغربيّة.

وأشار بعض النّقّاد العرب إلى أنّ ابن جلون يفتخر بانتمائه إلى الثّقافة المغربيّة الغنيّة التي ساعدته على كتابة رواياته. من جهة أخرى، اتّهمه آخرون بجعل المغرب موضع سخرية أمام القارئ الفرنكوفوني، وبأنّ الشّخصيّات التي يكتب عنها لا تمثّل المغاربة.

القارئ الفرنسي، يعتبر ابن جلّون الأديب المغربيّ المقيم في فرنسا والممثل لأبناء شعبه، في حين يراه القارئ العربيّ على أنّه المغربيّ الغريب


تابو الجنس


وخصصت الباحثة فصلا من دراستها لـ”تقييم مدى استقبال ابن جلّون في العالم العربيّ من خلال تابو الجنس″. وفي هذا الباب تمّت المقارنة بين المشاهد الجنسيّة في النّص الفرنسيّ الأصليّ وبين النّص المترجم إلى العربيّة. لقد انعكس الموقف السّلبيّ في قسم من هذه التّرجمات التي اختلفت عن النّص الأصلي. فالقراءة المتمعّنة لهذه المشاهد توصلنا إلى أنّ بعض المترجمين قدّموا لنا ترجمات صحيحة ومهنيّة، لكنّهم أبدوا حساسيّة ثقافيّة، ودأبوا على تهذيب اللغة المستخدمة لوصف المشاهد الجنسيّة الجريئة. وافتقرت ترجمات أخرى إلى المهنيّة والدّقّة، خاصّة السّوريّة منها، إذ تمّ حذف مشاهد جنسيّة كاملة واستبدال العبارات الجنسيّة، بما في ذلك أسماء الأعضاء التّناسليّة عند الجنسين، وتوفير ترجمات غير صحيحة.

والتّرجمة الأفضل كانت لرواية “مأوى الفقراء” حيث ترجمت المشاهد الجنسيّة إلى العربيّة بشكل دقيق رغم جرأتها. وذلك يعود لربّما إلى أنّ غالبيّة شخصيات هذه الرّواية هم أجانب، وبالتّالي فإنّ الحرية الجنسيّة عندهم ليست مستهجنة.

لا ريب في أنّ الطّاهر بن جلّون حظي باستقبال أفضل في الأوساط الفرانكفونيّة مقارنة بالعالم العربيّ.

ولكنّ استقباله بالعموم في العالمين العربيّ والغربيّ كان للمواضيع التي عالجتها رواياته، في حين لم يحظ الجانب الفنّيّ الأسلوبيّ لكتاباته على اهتمام مماثل. بالمجمل، كان تقييم رواياته ذاتيًّا متأثرًا بالأفكار النّمطيّة، وبالفرضيّات المسبقة “المذوّتة” لدى القارئ العربيّ والفرنسيّ، كما أنّ إلمام كلا القارئين بالسّيرة الذّاتية لابن جلّون كان له أثر بالغ الأهميّة على استقباله في هذين العالمين.

فبالنّسبة إلى القارئ العربيّ بشكل عام والمغربيّ بشكل خاص، لم يخُض الطّاهر بن جلّون في جميع التّجارب التي عايشها أبناء جيله، لهذا فإنّه غير قادر على تناول قضاياهم في رواياته. في حين اعتبره القارئ الفرنسيّ ممثّلًا عن المجتمع العربيّ والمغربيّ والإسلاميّ.


هوية الكاتب


وفي المحصّلة، ترى الدّراسة أنّ ابن جلون قدّم أدبا ملتزما، حذِرا بعض الشّيء، في العديد من القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة. إضافة إلى أنّه لم يوجّه إصبع الاتّهام نحو الاستعمار المسؤول عن الواقع الصّعب السّائد في العالم العربيّ.

تجدر الإشارة إلى أنّ اللغة لعبت دورا مركزيا في تحديد مكانة الطّاهر بن جلّون في العالم العربيّ والفرانكفونيّ. إذ جعلته اللغة الفرنسيّة أحد أهمّ الأدباء المغاربة في فرنسا، لكنّها حالت بينه وبين القارئ العربيّ.

لأنّ اللغة الفرنسيّة غير شائعة في العالم العربيّ، باستثناء المغرب العربيّ ولبنان. وفي هذا السّياق، ليس واضحا ما إذا كان تقييم القارئ العربيّ لروايات الطّاهر بن جلّون يرتكز على النّصوص الأصليّة أم على التّرجمات، التي لم تكن دقيقة في معظمها.

ورغم الاختلافات بين طريقة استقبال كلّ من الطّرفين للطّاهر بن جلّون، إلا أنّه يبقى “الآخر” بالنّسبة إلى كلّ واحد من الطّرفين. فبالنّسبة إلى القارئ الفرنكوفوني، يظلّ ابن جلّون الأديب العربيّ المغربيّ المقيم في فرنسا والذي يمثّل أبناء شعبه. في حين يراه القارئ العربيّ على أنّه المغربيّ الغريب الذي يحاول أن يكون فرنسيًّا.

14