الطاهر بن جلون يغامر بـ"السعادة الزوجية" في فاس

الأربعاء 2013/08/21


الروائي يدخل إلى عوالم العلاقة الزوجية وارتباطها بالواقع

نعلم أن موضوع الحياة الزّوجيّة بجوانبها المأساويّة، والسعيدة، شغل العديد من المبدعين الكبار، من القدماء والمحدثين. ويحضر هذا الموضوع في التراجيديّات الإغريقيّة، وفي "الأوديسيه" لهوميروس من خلال أوليس، وبينلوب. كما يحضر في مسرحيّات شكسبير، وراسين، وموليير، وإبسن. وبهذا الموضوع اهتمّ أيضا روائيّون كبار مثل فلوبير في "مدام بوفاري"، وتولستوي في "أنّا كارينينا"، وجيمس جويس في "أوليسيس". ولم يغفل كبار المخرجين السينمائيّين أمثال برغمان، ولوي بينويل، وفريتز لانغ عن الموضوع ذاته.

في هذا الشأن، انتبهت الرواية العربية إلى ثيمة العلاقات الزوجية في اتصالها بأشراط الواقع القيمية والثقافية، وخاضت فيها كثيرا على غرار ما فعل الروائي المغربي الناطق بالفرنسيّة الطاهر بن جلون الذي بعد أن خصّص روايتين للحديث عن والده، وعن والدته، أصدر رواية جديدة عن دار "غاليمار" بعنوان "السّعادة الزوجيّة"، وفيها يروي بالتّفاصيل المملّة أحيانا أطوار الزواج الذي يبدأ سعيدا، وينتهي بأزمات حادّة، وخصومات تعصف به، وتفرّق بين الزّوجين.

الكاتب في نصه

الزّوج رسّام له مواصفات الطّاهر بن جلّون نفسه. فهو من مدينة فاس، ومن عائلة تفتخر بمكانتها الاجتماعيّة، وبجذورها العريقة، وبتمدّنها. ومثل الطاهر بن جلّون، فهو يحظى بشهرة كبيرة في بلاده، وفي أوروبا، وفي العديد من البلدان الأخرى، ولوحاته تباع بأثمان باهظة. وهو يتمتّع بعلاقات واسعة في باريس، وفي عواصم أخرى خوّلت له التعرّف على شخصيّات ثقافيّة، وفنيّة، وسياسيّة مشهورة. لهذا يمكن القول إنّ شخصيّة الكاتب الذي هو الطاهر بن جلّون، وشخصيّة بطل روايته، الرسّام تختلطان ببعضهما، وتتمازجان، وتتماثلان حتى أنه يصعب التفريق بينهما. بل يخيّل لنا أحيانا أن الطاهر بن جلّون ينسى أن بطله الذي لا يسميّه أبدا، في حين تكتفي زوجته بتسميته "فلان"، رسّام يتواصل مع عالمه الداخلي، ومع العالم المحيط به من خلال الألوان، ليصبح كاتبا. وهذا ما يعكسه كابوس من كوابيس الرسّام. فهو يرى نفسه في المدينة العتيقة بالدار البيضاء محاطا بكائنات بشعة، ومشوّهة تريد محاكمته بسبب اختياره الكتابة بالفرنسيّة.

إلى نهاية الكابوس هي تصرّ على اتّهامه بذلك حتى بعد أن يسعى هو جاهدا لإقناعها بأنه رسّام، وليس كاتبا. بالإضافة إلى ذلك، أعتقد بأن الطاهر بن جلّون لم يفلح تماما في تقديم صورة تقنع القارئ بأن بطله رسّام، وليس كاتبا. فما عدا بعض المعلومات العامّة عن المعارض التي يقيمها هنا أو هناك، وعن اللّوحات التي يبيعها، وعن المتاحف التي يزورها، وعن رحلة ديلاكروا إلى المغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وعن إعجابه مبكّرا ببيكاسو، وبرسّامين آخرين، نحن لا نعثر في الرواية من بدايتها إلى نهايتها على ما يمكن أن يوحي لنا بأن السيّد "فلان" يتعامل مع الألوان، وليس مع الكلمات. ولا مرّة واحدة مثلا أولى هذا الرسّام اهتماما لواحدة من لوحاته، ودقّق فيها النّظر طويلا ليجعل القارئ ينفذ إلى عالمه الداخلي من خلال الألوان التي اختارها، والمعالجات الفنيّة للموضوع الذي رسمه. لذلك ظلّت شخصيّة السيّد "فلان" غامضة، وغائمة الملامح، بل "كارتونيّة" في بعض الفصول.


رواية "الزوجة"


إثر إصابة السيّد "فلان" بشلل نصفيّ بسبب خصومة حادّة مع زوجته، يعيش فترة مريرة، وعسيرة للغاية عرف خلالها اليأس، والخوف، وهواجس الموت. وساعيا إلى التّخفيف من وطأة الأزمة الصّاعقة التي حلّت به، نراه يستعين بصديق، وهو كاتب متوسّط القيمة، لكي يكتب فصول علاقته بزوجته منذ بدايتها وحتى إصابته بشلل نصفيّ.

بضمير الغائب يروي لنا أنه عند بلوغه سنّ الأربعين، وبعد مغامرات وقصص حبّ كثيرة مع نساء من جنسيّات وثقافات مختلفة، اختار هذا الرسّام الذي أصبح مشهورا وغنيّا، التزوّج من فتاة بربريّة من جنوب المغرب، تقيم مع عائلتها التي هاجرت إلى فرنسا بحثا عن لقمة العيش. وهي تصغره بحوالي خمسة عشر عاما، وتتمتّع بثقافة واسعة، وبجمال فائق أثار إعجاب كلّ من النجم المعروف ألان دولون، بحسب الزوج، والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران بحسبها هي. وبعد فترة قصيرة من السّعادة، تتعدّد الخصومات بين الزّوجين، وتتكاثر، وتلتهب لأتفه الأسباب في غالب الأحيان.

ويحمّل الرسّام مسؤوليّة كلّ ذلك لزوجته، بما في ذلك إصابته بشلل نصفيّ. وفي وحدته القاسية يشرع في استعراض مغامراته الجنسيّة منذ فترة طفولته في فاس، إلى أن أصبح رسّاما مشهورا يتجوّل في كبريات مدن العالم. وفي الآن نفسه يرسم لنا صورة سيّئة لزوجته. فهي فظّة، ومعقّدة، ومهووسة بالسحر على طريقة عجائز جنوب المغرب. وهي لا تفكر فيه بل في عائلتها. والملفت للانتباه هو أن الرسّام الذي يروي لنا كلّ هذا متنقّلا بين باريس والدار البيضاء والعديد من المدن الأخرى لا يركّز إلاّ على موضوع علاقته بزوجته، غافلا تماما عماّ يجري في العالم من أحداث سياسيّة أو غيرها، ولا مرّة واحدة سمح لنفسه بالإدلاء برأيه في بعض الأحداث التي جدتّ في المغرب، أو في فرنسا، أو في أيّ مكان آخر من العالم خلال السّنوات الأولى من الألفيّة الجديدة، وهي السنوات التي تدور فيها أحداث الرواية.


كتاب الزوجة


تعثر زوجة هذا الرسام في أتلييه زوجها على مخطوط. وحالما تنتهي من قراءته، تشرع في رواية أطوار علاقتها مع زوجها الرسّام من وجهة نظرها. وبضمير الأنا، تعلمنا أنها تنتمي إلى عائلة بربريّة فقيرة من جنوب المغرب. وبعد أن تبنّتها عائلة فرنسيّة، سافرت إلى فرنسا، وتمكّنت من الدخول إلى الجامعة لتدرس الفلسفة، وتاريخ الفن. وفي هذه المرحلة تعرّفت على الرسّام المشهور، وتزوّجته لتكتشف سريعا أنه أناني، وجشع، وقاس، وزير نساء. فقد عثرت على صور كثيرة لعشيقاته من مختلف الجنسيّات. كما عثرت على أدلّة تثبت خياناته لها. وبحدّة تنتقد استعلاء عائلته، وتمدّنها "المزيّف، و"المفتعل". كما تعترف بأنها وجدت نفسها مجبرة على الاستعانة بساحرة عجوز من جنوب المغرب لكي تتخلّص من الاختناق الذي أصبحت تعيشه مع زوج "ماكر" "يأكل بسرعة"، و"يشتري السّاعات الثمينة"، و"يمارس الجنس بطريقة رديئة".


السعادة ثقيلة


الحقيقة أن هذه الرواية الجديدة للطاهر بن جلّون التي حملت عنوان "السعادة الزوجيّة" جاءت ثقيلة ومملّة وسطحيّة بشكل يوحي لنا بأن الطاهر بن جلّون الذي تألق فنّيا، ولغويّا في البعض من رواياته السّابقة هو الآن مهددّ بالسقوط في مهاوي الابتذال على مستوى الشّكل والمضمون، كما على مستوى اللّغة والأسلوب.

ومنذ البداية وحتى النهاية، لم أعثر على أيّة جملة لها ملامح فنيّة، أو شعريّة عالية. وثمّة فصول يطغى عليها التّكرار حتى أنه يخيّل لنا أن الطاهر بن جلّون يكتب دون أن يكلّف نفسه مراجعة ما يكتب. فهو متسرّع، تسرع الواثق من نفسه، ومن قدراته، الشيء الذي يعيقه عن التنبّه إلى عطب لغته وفساد أسلوبه، وإلى ما أصبح مبتذلا فنيّا، وجماليّا. فهل جفّت قريحة الطاهر بن جلّون إلى هذا الحد؟ يبدو أن روايته ألأخيرة "السعادة الزوجيّة" تتضمن الكثير ممّا يؤكّد صحّة رأي بعض النقاد الذين يعتقدون أن صاحب "ليلة القدر" لم يعد قادرا على أن يأتي بما يعيد له ألق شبابه الإبداعي والفني.

15