الطاهر بن عيشة يساري مشاكس للإسلاميين والاشتراكيين معا

السبت 2016/01/16
من زيتونة تونس إلى عزلة الفكر في الجزائر

الجزائر - جمع بين الفكر والأدب والتاريخ والصحافة فلقب بـ”الموسوعة الثقافية”. ولما كان خزّاناً يضم في ثناياه جزءا من الذاكرة الجزائرية، تحالف ضده الإقصاء والتهميش مع داء الزهايمر.

ولم تنج من الذاكرة المتلاشية، سوى كتبٍ اصطفت في رفوف مكتبة تراكم عليها الغبار وخيوط العنكبوت كشاهد وحيد على فقد عظيم لرجل أقصته سلطة في ريعان العطاء، وهمّشه مجتمعٌ لم يعد للقامات مكانٌ بين ظهرانيه.

رحل عن عالمنا قبل أيام، الكاتب والمؤرخ والإعلامي المخضرم الطاهر بن عيشة عن عمر ناهز 91 عاما، بعد صراع مرير مع مرض عضال، وتم تشييع جثمانه بعيدا عن رسميات وبروتوكولات الذين همّشوه وأقصوه لما كان حيا يرزق.

العزلة الأمنية

يعد الطاهر بن عيشة واحدا من القامات الجزائرية في مجال الكتابة والتأليف والبحث والإبداع. عاش حياته بين النضال من أجل قضية التحرر من الاستعمار، وبين النضال من أجل أفكاره وقناعاته الفكرية والأيديولوجية خلال عقود الاستقلال، فتحالف ضده إقصاء السلطة وتهديدات الإرهاب الإسلامي، ليجد نفسه حبيس عزلة أمنية وفكرية، ولم يرحمه حتى مرضه الذي دمر ذاكرة تخزّنت في تلافيفها عقود من البحث والإبداع.

وإذ اعتنق بن عيشة اليسار كعقيدة سياسية وإيديولوجية، وكان على تواصل مع تشي غيفارا وكارلوس، فإنه كان مؤرخا جريئا وكاتبا مشاكسا. فقد فسّر بعضا من الثورات الشعبية التي عاشتها الجزائر منذ الاحتلال الفرنسي العام 1830 إلى غاية ما قبل اندلاع ثورة نوفمبر 1954، على أنها ثورات لأجل مصالح ونفوذ زعماء القبائل وليست لأجل معركة الحرية بمفهومها الشامل. وربطته صداقات برموز ومشايخ التيار الإسلامي في البلاد كالراحل أحمد حماني، وأجرى تحقيقات طويلة ومعمقة حول الأقليات الإسلامية في أرض السوفييت سابقا وأفريقيا.

طريد الجماعات الإسلامية

على عكس أطروحات التيار اليساري في الجزائر وفي المنطقة المغاربية فإن الرجل لم يشعل عداوات وخصومات مع الإسلاميين، ولو أن ذروته الإبداعية لم تعاصر تغوّل الإسلام السياسي في الجزائر والمنطقة عموما. ورغم أنه كان طريد الجماعات الإسلامية المسلّحة خلال حقبة التسعينات، إلا أنه ظلّ على تواصل نقدي مع رموز الفكرة الدينية ومعارضا شرسا لهم، لأنه كان يعتقد جازما ألا مشروع يضمن العدالة الاجتماعية ويكفل حق المستضعفين إلا الاشتراكية وحدها.

عكس كل المثقفين ووجوه النخبة الذين ركبوا موجة الولاء للسلطة بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، فإن الطاهر بن عيشة يعد الوحيد الذي اختار التغريد خارج السرب. واتخذ موقفا معارضا ومنتقدا لخيارات السلطة في مختلف الميادين، مبرراً ذلك بأن بوتفليقة لم يكن في يوم ما اشتراكيا

كان بن عيشة نموذجا فريدا من نوعه، فهو الوحيد الذي عاش معارضا ومنتقدا لأحزاب وجمعيات اليسار والاشتراكية في الجزائر، وكان يعتبرها عدوة لعقيدته لأنها تمارسها كخطاب أجوف لا يتناسق مع طموحات الشعب والطبقات الكادحة للعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات.

وقد يكون “الزيتوني” الوحيد الذي تخرّج من الجامعة الإسلامية، ليعتنق التيار اليساري ويحافظ في نفس الوقت على صداقات فكرية وإبداعية مع بعض رموز التيار الإسلامي، على غرار سعيد الزاهري وأحمد حماني. ظل يعتقد أن الاشتراكية هي أحد مقاصد الدين الإسلامي، مستشهدا بحديث الرسول محمد “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه”، وهو الحديث الذي بقي يستند إليه كمرجعية لخلق عقيدة “الإسلام الاشتراكي”.

الكاتب والإعلامي محمد بوعزاة يقول عن بن عيشة “قد تختلف معه أو تتفق، لكن الرجل في كل الحالات يفرض عليك احترامه الكبير، لثقافته الواسعة في الدين والأدب، في التاريخ والفلسفة، في تاريخ الشخصيات البارزة وطنيا وعالميا وإسلاميا، فهو موسوعة متنقلة وذاكرة حية عن التاريخ في الوطن بل والتاريخ الإسلامي رغم اتهامه باليسارية، تحترمه أيضا لوطنيته المفرطة، ولتعففه عن المادة وعن المناصب أو الجري وراءها”.

قاطع بوتفليقة في زمن الولاء

رغم تقدم بن عيشة في السن، وما عاناه في حياته من صعوبات ومتاعب وتقلبات، وما ناله من قسوة الحياة وأهوالها ومرّها ومن تشريد عن بيته وزوجته وأبنائه خلال سنوات الإرهاب الأعمى في التسعينات، حيث كان مهددا بالموت والقتل في كل لحظة مثله مثل كل الصحفيين والمثقفين المتميزين، وكذلك رغم أنه كان أول صحفي جزائري يُجْبر على التقاعد المسبق دون السن القانونية للتقاعد في الجزائر التي ناضل وجاهد من أجل إستقلالها، ورغم كل هذا، إضافة إلى السجن الذي عاناه زمن الاستعمار، فإنه كما يقول بوعزاة عنه، كان “شيخ المجادلين اليساريين دون منازع، صامدا ضد ثقافة الجحود والنكران والنسيان وضد الانحرافات أيّا كان شكلها”.

الجماعات الإسلامية المسلحة خلال حقبة التسعينات لاحقت بن عيشة بهدف اغتياله إلا أنه ظل على تواصل نقدي مع رموز الفكرة الدينية ومعارضا شرسا لهم

عكس كل المثقفين ووجوه النخبة الذين ركبوا موجة الولاء للسلطة بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، فإن الطاهر بن عيشة يعد الوحيد الذي اختار التغريد خارج السرب. واتخذ موقفا معارضا ومنتقدا لخيارات السلطة في مختلف الميادين، مبرراً ذلك بأن بوتفليقة لم يكن في يوم ما اشتراكيا. وإنما كان مختفيا في عباءة الاشتراكية، ولا قناعة لديه بالوفاء للرسالة التي رافع لأجلها طيلة عقود كاملة في مختلف المحافل السياسية والاجتماعية.

بسبب مواقفه تلك فقد تعرض الرجل لإقصاء مرٍّ في حياته، فحتى أرشيف كتاباته في صحف تلك المرحلة كـ”الثورة والعمل”، أو سلسلة التحقيقات الإذاعية والتلفزية “مع التراث” التي كرسها للبحث في شؤون الأقليات المسلمة في الاتحاد السوفييتي سابقا وأفريقيا، قد اختفت بإيعاز من جهات عليا في مؤسسات الإعلام، لتضيع بذلك خبرة ثرية من أمام الأجيال الشابة.

عصا موسى

عمل بن عيشة صحفيا محررا مع السعيد الزاهري في صحيفته “عصا موسى” التي أصدرها في العام 1950. وكان ينفق على إصدارها الطيب العقبي، ولكن السلطات الاستعمارية أوقفت هذه الصحيفة بعد صدور 16 عددا منها، بسبب المواقف الجريئة التي كانت تتضمنها ضد الاستعمار وسياسته الاندماجية وضد أعوانه.

يعترف بن عيشة بأنه “أول مَنْ أقنع الأديب والروائي الراحل الطاهر وطار باعتناق الفكر اليساري”. ويشدد على أن اليسار ليس “كفرا ولا زندقة “، وأن “اليساري القويم الخادم للمجتمع والمتشبع بالقيم والمبادئ، أفضل من المتأسلم الدجال المتاجر بالدين”، ويروي بأن أحد أصدقائه منذ مرحلة الشباب كان يساريا ومع ذلك فلم تكن سجادة الصلاة تبرحه أينما حل وارتحل.

اعتناقه لليسار كعقيدة سياسية وأيديولوجية وتواصله مع تشي غيفارا وكارلوس، لا يمنع بن عيشة من التفكير كمؤرخ جريء وكاتب مشاكس. فقد فسر بعضا من الثورات الشعبية التي عاشتها الجزائر على أنها ثورات لأجل مصالح ونفوذ زعماء القبائل وليست لأجل معركة الحرية

جاب أفريقيا والعديد من الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى وأسبانيا، وأنتج للتلفزيون الجزائري عشرات الحلقات عن الإسلام في عصوره الزاهية وخاصة في الأندلس، وبيّن في تلك الحلقات أنه مدافع شرس عن الإسلام في بعده الحضاري والإنساني والاجتماعي، وعن العدل الذي حقّقه خصوصاً في ظل خلفاء من أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز.

الحضارة الإسلامية والحكم

يرى بن عيشة بأن “رقيّ الحضارة الإسلامية كان بفضل الحكم الراشد، الذي لا فرق فيه بين الحاكم والمحكوم، وأن شيوع العدل والمحبة في تلك الحضارة مرده الحوار الراقي الذي يشارك فيه العلماء إلى جانب الحاكم. ويبينون للناس أوجه الصواب من الخطأ بالحجة والمنطق وبالتأويل القائم على استخدام العقل والخالي من الشعوذة والدجل، وليس عبر فتاوى مغلوطة تبرر قتل العلماء والأئمة والشعراء والحكماء وحتى قتل الرضّع والنساء والشيوخ والأبرياء بغير حق مثلما يحدث اليوم، وهي فتاوى يزرعها دخلاء على الإسلام وجهلة لا صلة لهم لا بالعلم ولا بالإسلام”.

وما زال الكثير من المثقفين في الجزائر يتذكرون أفكار الرجل الجريئة التي طرحها في محاضرته المعنونة بـ”اليسار في الإسلام” التي ألقاها في إحدى دورات “الفكر الإسلامي” خلال حقبة السبعينات. وجنّد خلالها وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية الراحل الدكتور مولود قاسم، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الراحل أحمد حماني، عددا من الأئمة وعلماء الدين للرد على أفكاره.

بن عيشة أول صحفي جزائري يجبر على التقاعد المسبق في الجزائر التي ناضل وجاهد من أجل استقلالها

المحاضرة الشهيرة استغرقت ساعتين. تبعتها مناظرة على امتداد ثلاث ليال كاملة، كان النقاش فيها خلال شهر رمضان حادا، يبدأ بعد صلاة التراويح مباشرة ولا ينتهي إلا قبيل كل فجر. ومع ذلك، لم يستطع خلالها الحضور بمن فيهم الوزير الموسوعي مولود قاسم وعالم الدين أحمد، من مغالبة اليساري الزيتوني بن عيشة.

يذكر هؤلاء بأنه لما استفز أحمد حماني المحاضر بشأن لقبه قائلا له: كل الناس يُنْسَبُون لآبائهم، إلا أنت يا بن عيشة فإنك تُنْسَبُ إلى أمك، وعندها ابتسم الرجل ورد عليه “يشرفني أن أكون ثاني اثنين يُنسبان لأمهما: عيسى بن مريم عليه السلام والطاهر بن عائشة”.

الاشتراكي المتحرر

شدّ الرحال في فتوته إلى جامعة الزيتونة في تونس في العام 1942 لمواصلة دراسته الثانوية، وهناك حصل على شهادة التطويع. ثم انتقل إلى العاصمة الجزائرية، حيث احتك برجال الحركة الوطنية من حزب الشعب، حزب البيان، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث كتب في الكثير من صحفهم، وله مع قياداتهم ذكريات طويلة، نشرها أشتاتا في بعض ما كتب من الصحف.

كما كانت له علاقة بالحزب الشيوعي الجزائري لفترة من الزمن أوائل الخمسينات. يذكر عنه قوله “إن الاشتراكية جميلة ومعدنها طيب، إنها تعني في النهاية الحق المتساوي من الشمس على البشرية جمعاء. هي مذهب كل العظماء من الكتاب والشعراء”.
15