الطاهي لا يغسل الصحون

الاثنين 2015/11/16

رفع الزوج يديه متفاخرا بغرور أمام باب المطبخ يدعو زوجته بتملق بصفته هذه المرة “صاحب فضل” يقوم به خارج واجباته التي اعتاد عليها، فقد طبخ اليوم للأسرة الملفوف والمقلي والمشوي والمحشي، داعيا زوجته إلى استنشاق النكهات أولا قبل تذوقها! إلا أن الصدمة استحوذت على ملامح وجه المرأة ولم تفق منها برغم رائحة الطعام النفاذة.

وقفت الزوجة في باب المطبخ أشبه بتمثال فيلسوف متسائل وحاولت ممارسة دور الحكيم كي لا تلبد الطقس أو تستفز زوجها الذي قام بدور استثنائي هذا اليوم.

كان المطبخ أشبه بلوحة سريالية للفوضى، لا تعبير أدق من أن الزوج الطباخ قد حوّله إلى متحف خزف بعد أن اجتاحه قطيع من الفيلة!

فهل الزوج عندما يدخل المطبخ أشبه بالفيل في متحف خزف؟ حقيقة الأمر هذا ما فعله الرجل، لقد ترك الأواني المستخدمة والملاعق والصحون متسخة مع بقايا الخضروات المقشرة، والسوائل الحمراء تلوث طاولة المطبخ، المغسلة سُدّت بالبقايا والماء المتّسخ ظل راكدا.. خلاصة الأمر المطبخ يحتاج لتنظيفه أضعاف ما بذله الرجل من جهد ووقت في الطهي.

سألت الزوجة محافظة على رباطة جأشها: لكن الأمر ليس كذلك، إنك عثت خرابا في المطبخ من أجل أن تقدم لنا وجبة طعام واحدة لا غير، هل تعتقد أن الطهي يعني الفوضى، أم فعل مواز لوضع واستخدام الأدوات والمقادير في أماكنها بلمسة ذوقية تنم عن نظافة وترتيب بلا تبذير.

عاد الزوج إلى طريقته المعتادة بالتعالي وفرض الأمور بصفته السيد، وتلاشت فرحته بالإنجاز الطبخي!، وردّ عليها مسوغا فوضويته “ومتى كان الطاهي يغسل الصحون؟”.

إذا لم يكن الطهي لمسة حسية مرتبطة بالمكان والذائقة معا، يصبح فوضى حقيقية، ولا قيمة لأي طعام يخرج من مطبخ قذر، أما الفوضى التي يمارسها بعض الرجال في المطبخ، فهي نتاج طبيعي للفوضى في أدمغتهم “لا أدعي هنا عدم وجود نساء فوضويات”، وبطبيعة الحال تمتد إلى فوضى حياتهم وذائقتهم لأنهم لا يتمتعون بأريحية المكان، لذلك لا يقدّرون الجهد في تنظيف البيت ويتركون أعقاب السجائر أينما جلسوا أو يرمون ملابسهم ومناشفهم أينما شاؤوا.

القبح نتاج الفوضى، ولو تسنى للعين أن تدمع مثلا كردة فعل على ما تراه من قبح، مثلما تدفعنا حاسة الشم إلى سد أنوفنا حيال الرائحة الكريهة، لتغيّرت ذائقتنا البصرية وفق الناقد هربرت ريد. لكن تكيّف بعض الرجال مع الفوضى بصفتها واقعا مـعيشيا، أمر لا يختلف عن الرائحة الـتـي تنبعث من أجسادهم في يوم صيفي ساخن.

24