الطباخ الشيوعي

السبت 2017/10/07

أما فيلم السهرة الذي دعبلتني عليه مصادفة باب تشرين المنعش، فكان اسمه “مراتي مدير عام” وكنت شاهدته في منتصف السبعينات بسينما بابل خزنة ذكريات العائلة كلها ببغداد العباسية العزيزة.

تظهر في الفيلم حبيبتي شادية صحبة الهادئ صلاح ذوالفقار وعادل إمام في أدواره الأُول ومديحة كامل ملكة الإغراء بعد هند رستم وناهد شريف وشمس البارودي.

هذا العمل اللطيف يقع بباب الكوميديا وأكاد أجزم بأن صاحب السينما طيب الذكر والذاكرة عبدالرزاق أبوعارف كان طلب من مديرها حجي محمد أبوثائر أن يفتش عن فيلم ضحّاك بمقدوره أن يمتصّ بعض أحزان جمهور السينما الذي كان شاهد قبل ذلك شريطا موجعا للحلوة شادية عنوانه “نحن لا نزرع الشوك” وفيه تعيش شادية مصيبة عظيمة جعلت منظفي دار السينما بغنى عن استعمال الماء في مسح البلاط، إذ تكفّل بحر الدمع الساخن الذي أسالته الناس على أول نواح شاديتي “والله يا زمن” بغسل الكاشي وجرف قشور الكرزات وأعقاب السجائر ومناديل الورق التي يسميها أهل العراق كلينكس، حيث ازدهر ذلك المصنوع الحديث وربما تم تخصيص نصف إنتاج المعمل لزبائن هذا الشريط وتداعياته العائلية.

كنت شاهدت الشريطين أزيد من عشر مرات قبل أربعين سنة مجانا، مستغلا وقوفي بباب السينما خلف عربانة الكرزات المكسرات والنساتل والسجائر، وكان أخي جواد يملك المطعم الوحيد الطالع من جسم السينما وقد اشتهر بسندويجاته الباردة التي منها الروست واللسان والمخ والبتيتة جاب والكفتة، قبل أن يتفتق عقل أخي الشيوعي أبوعادل عن تلك الإضافة المذهلة، فنصب بباب بابل بعد العرض الأخير الذي ينتهي قبل انتصاف الليل بقليل، قدرا ضخما لأكلة الباجة العراقية المشهورة، وكان سنده في تلك المقامرة المدهشة هو أن السينما كانت محاطة بمجموعة طيبة من البارات والملاهي الليلية التي كانت أشهرها حانات عشتار واسطيفان وملهى الحرية والنجوم وبغداد وأن زبائنها سيخرجون قبل الفجر في حال رائعة من التعتعة والسكر وانفتاح الشهية فيقبلون علينا فرادى وزرافات، لكنه اقترف خطأ تكنيكيا عندما أوكل السهر لي ولأخي جعفر، وجاء بأحد أصدقائه الفقراء الذي لا علم له بأسرار وطلاسم تشريب الباجة وكانت شهادته لاحتلال منصب الطباخ الباججي الأول هي شيوعيته فقط.

لم يأت الزبائن طبعا، وكانت مبيعاتنا من منتصف الليلة حتى عياط ديك الفجر، هي أقل من عشرة صحون منها ثلاثة لي ولجعفر وللطباخ المبتسم والرابع لكنّاس الصباح مكلّف أبوهيلة.

24