الطباعة ثلاثية الأبعاد تبدأ تغيير ملامح حياتنا

سباق عالمي لطباعة اللحوم والسيارات والطائرات والمباني والأدوية التي أصبحت مطروحة في المتاجر ومواقع التسوّق الإلكتروني.
الأحد 2019/10/20
من الطابعة إلى مائدة الطعام خلال دقائق

أين يمكن أن يأخذنا خبر طباعة لحوم لروّاد الفضاء من خلال طابعة ثلاثية الأبعاد، في ظل تسارع ابتكارات المواد المستخدمة في الطباعة في بناء المنازل والعمارات والجسور والدراجات والسيارات والطائرات والأدوية؟

تنهمك التقارير العملية في متابعة تأثير الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الواقع الافتراضي والمعزز وغيرها من العناوين المثيرة، في حين أنّ هذه التقنية قد يكون لها تأثير مزلزل على تفاصيل دورة النشاط الاقتصادي وجميع ملامح حياتنا على هذا الكوكب.

الحديث هنا لا يدور حول خيال علمي أو تحوّل تدريجي، قد لا ينتشر على نطاق عالمي إلا بعد عقود طويلة، بل عن انتشار متسارع للطابعات الصناعية والشخصية، التي أصبحت مطروحة في المتاجر ومواقع التسوّق الإلكتروني.

طباعة اللحوم

في الشهر الماضي، وصلت هذه الثورة إلى ذروة جديدة بتقديم أنسجة من لحم البقر والأرانب والسمك لرواد فضاء في المحطة الدولية، بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد، الأمر الذي يفتح أفقا هائلا لهذه التقنية.

قد لا يكون مذاق تلك اللحوم ونسيجها قريبا من اللحوم الطبيعية، لكن سرعة تطوّر الطابعات والمواد المستخدمة في الطباعة يمكن أن تردم الفجوة في المستقبل، إضافة إلى أنها ستتلقّى دعما كبيرا من تزايد الهواجس البيئية وارتفاع البصمة الكربونية لتربية المواشي. تلك التجربة، التي شاركت فيها شركات من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، أجريت في الجانب الروسي من المحطة باستخدام طابعة تمّ تطويرها في موسكو.

مخاوف من انتشار القرصنة والفوضى ووصول ملفات الطباعة الثلاثية الأبعاد إلى جهات خارجة عن القانون لتتمكن من طباعة مسدسات قادرة على عبور حواجز التفتيش الأمنية

وقد اختزل يوسف خسواني من شركة “3 دي بايو برينتنغ سولوشنز” الروسية التي طوّرت الطابعة ذلك الإنجاز بالقول “إنها لقمة صغيرة للإنسان لكنها لقمة كبيرة للبشرية”.

لا نريد هنا التوقف طويلا عند تلك التجربة الفضائية، رغم أنها ستفتح آفاقا أوسع للسفر في الفضاء لفترات طويلة مع توفير مقوّمات مستدامة للعيش في الفضاء، وربما إقامة محطات في كواكب أخرى.

لكنها على الأرض يمكن أن تحدث ثورة كبرى، بسبب الضغوط البيئية على تربية الماشية، المسؤولة عن نسبة كبيرة من الانبعاثات الضارّة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، إضافة إلى إزالة الغابات من أجل تربية الثروة الحيوانية.

وقد أدّى ذلك لانتشار صناعة البدائل النباتية، لكن طباعة اللحوم يمكن أن تسرق الأضواء وتدفع المستثمرين لتمويل تطويرها، لأنها يمكن أن تحقق انتشارا واسعا إذا اقتربت من مذاق ونسيج اللحوم الطبيعية.

حاليا، تقتصر خيارات أصدقاء البيئة والحيوانات على اللحوم الاصطناعية المنتجة من المواد النباتية. ويبدو أنّ الخطوة التالية ستكون انتشار إنتاج لحوم حقيقية بمساعدة الطباعة الحيوية.

الذكاء الإصطناعي
الذكاء الإصطناعي

وقد بدأت بالفعل شركة أليف فارمس الإسرائيلية الناشئة في إنتاج اللحم البقري الاصطناعي عبر محاكاة عملية تجديد الأنسجة العضلية الطبيعية في الأبقار، مع أن الخبراء يقولون إن إنتاجها على نطاق واسع قد يستغرق سنوات طويلة.

في تلك الأثناء تحرز الطباعة ثلاثية الأبعاد فتوحات متسارعة في صناعة مكوّنات المعدّات والسيارات والطائرات وقطع الغيار وبناء العمارات.

في الأسبوع الماضي أنشأت إيرباص مشروعا في مدينة ميونيخ الألمانية لتصنيع الطائرات دون طيار والسيارات ذاتية القيادة، بالشراكة مع شركة لوكال موتورز اندستريز، وهي شركة أميركية ناشئة للطباعة ثلاثية الأبعاد.

تنشغل الكثير من مختبرات العالم في تطوير الطابعات، وخاصة البحث في تطوير المواد التي تستخدم في الطباعة. ويرجح الخبراء أن تشهد قفزات ابتكارية كبيرة تضاعف دورها بشكل كبير في السنوات المقبلة.

وبعيدا عن تفاصيل المشاريع يمكننا أن نتخيّل التداعيات الايجابية والسلبية الكثيرة للابتكارات المتسارعة في تكنولوجيات الطباعة ثلاثية الأبعاد.

فوائد كبيرة

طباعة المباني حسب الطلب
طباعة المباني حسب الطلب

في الجانب المشرق ستؤدّي إلى إطلاق ثورة صناعية غير مسبوقة بمضاعفة الإنتاج الفوري حسب الطلب ورغبات الزبائن، ما يؤدّي إلى تقليل المخزون ورفع كفاءة سلاسل التوريد وما يتبعه من تسريع وتيرة الابتكارات.

وسيؤدّي تطوّر الطابعات إلى زوال الكثير من التكاليف التشغيلية، وتراجع الأسعار بشكل كبير وتوفير المزيد من البضائع والسلع ومعالجة أزمات الإسكان الكثيرة في العالم، حيث يمكن إنشاء أحياء ومدن جديدة بتكاليف منخفضة وخلال وقت قصير.

كما أنها ستتيح فرصا هائلة للتخصيص وتعزيز كفاءة المؤسسات والاستفادة من الموارد بشكل كامل، الأمر الذي يزيد المنافسة على تقديم الأفضل للمستهلكين.

وسيكون ذلك التطوّر مستداما ويمكن التحكم به بدرجة أكبر، إضافة إلى التأثير الإيجابي الواسع على البيئة من خلال شطب الكثير من نشاطات التصنيع والنقل والخدمات اللوجستية. وسيقلّص الكثير من الرحلات وحركة الزبائن للذهاب إلى المتاجر حين تنتشر الطابعات المنزلية ثلاثية الأبعاد.

وستتمكّن الشركات من مطابقة العرض والطلب بكفاءة عالية، بعد أن كانت من أكبر العقبات، إضافة إلى تقليص إنتاج النفايات المضرة بالبيئة الناتجة عن التصنيع والنقل، الأمر الذي يخفض الانبعاثات بدرجة كبيرة وانتفاء الحاجة إلى الكثير من معدّات الإنتاج.

وتشير التقديرات إلى أن الطباعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن تؤدّي إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 25 بالمئة من مستوياتها الحالية، بحلول عام 2025.

ويمكن للطباعة ثلاثية الأبعاد أن تُحدث ثورة في مجال التعليم وتوفير أدوات أفضل للطلاب، من الخرائط والأعضاء المجسّمة إلى نماذج المركبات الكيميائية.

وفي العام الماضي فجّرت شركة ابريشيا للمستحضرات الدوائية الأميركية نقلة نوعية، حين حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية، على استخدام عقار أنتجته بتقنية الطباعة المجسّمة، كدواء مساعد لعلاج الصرع.

ونجح جراحون صينيون في العام الماضي في زراعة جمجمة صنعت بالطباعة ثلاثية الأبعاد، لطفلة مصابة بمرض استسقاء الرأس، لتواصل نموّها بطريقة طبيعية. وجرت عملية مُماثلة في هولندا لمريضة عمرها 22 عاما.

مخاطر جانبية

أول تثبيت بيئي للتنوع البيولوجي ثلاثي الأبعاد
أول تثبيت بيئي للتنوع البيولوجي ثلاثي الأبعاد 

في المقابل ستحدث انقلابا هائلا في سوق العمل، يفوق تأثير انتشار الأتمتة والروبوتات، لأن الشركات لن تحتاج إلى الأيدي العاملة، حين تكتفي بابتكار نموذج واحد واستنساخه بالأعداد التي يحتاجها السوق.

كما ستشطب معظم وظائف قطاعات النقل والشحن والتخزين والتوزيع، حين تبدأ الشركات بطباعة منتجاتها قرب الأسواق فورا، وحسب الطلب دون الحاجة إلى إنتاجها وتخزينها، ليمتد التأثير إلى إلغاء دور المتاجر.

وتثير إمكانية استنساخ الأسلحة مخاوف من وصول التقنية إلى جماعات خارجة عن القانون بعد أن تمكّنت مجموعة تطلق على نفسها اسم “ديفينس ديستربيوتد” من تصنيع أول مسدس باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، وأطلقت عليه اسم “المحرر” ما أثار قلق أعضاء في الكونغرس الأميركي.

ويخشى كثيرون من وصول ملف التصميم ثلاثي الأبعاد إلى الإنترنت، وبالتالي يتمكّن من يملك طابعة ثلاثية الأبعاد من إنتاج مسدس، لا يوجد عليه رقم متسلسل، ولا يخضع لأي عقبات تنظيمية أخرى.

وهناك مخاوف أخرى من انتشار القرصنة والفوضى الاقتصادية، حين يستطيع أي شخص استنساخ ما تقع يده عليه دون اعتبار لحقوق الملكية الفكرية، إضافة إلى إحالة مئات الملايين إلى البطالة.

في كل الأحوال، ليس أمام جميع الشركات العالمية الكبرى سوى التسابق للاستثمار في هذه التكنولوجيا، التي لا يمكن تفادي زحفها الحتمي، لأن التأخر في احتضانها قد يؤدّي إلى انهيار تلك الشركات، خلال المنعطفات المتسارعة لهذه التكنولوجيا.

ولا يكاد يمرّ أسبوع دون مفاجآت نوعية كبيرة في تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد، تحتلّ عناوين الأخبار وتشير إلى تحوّلات كبيرة في المستقبل القريب.

سباق حتمي لا يمكن إيقافه

الطباعة ثلاثية الأبعاد، أفقا هائلا لهذه التقنية
الطباعة ثلاثية الأبعاد، أفقا هائلا لهذه التقنية

في وقت سابق من العام الحالي توصّل أميركيون إلى ابتكار تقنية جديدة تسمح باستخدام الضوء في تحويل السوائل إلى أجسام صلبة ذات طبيعة معقدة في تصميمها، بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد في غضون دقائق.

وأطلقوا على الطابعة المجسّمة الجديدة اسم “ربليكيتور” وتعني الجهاز الذي يخلق نسخة مطابقة، في إشارة إلى جهاز ظهر في سلسلة أفلام الخيال العلمي “ستار تريك”، وكان بمقدوره طباعة كل شيء، بناء على طلب المستخدم.

وأكدوا أن الطابعة ستنقل ما تقدّمه الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى مستويات جديدة من الدقّة، حيث تصنع أجساما أكثر نعومة في ملمسها، وأكثر تعقيدا في تصميمها مقارنة بالنتائج التي تحققها الطابعات المستخدمة في الوقت الحالي.

وفي الإمارات تمّ إنشاء أوّل مصنع لمفاصل الركبة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في مدينة دبي، وهو الأوّل من نوعه في العالم لإنتاج مفاصل تستجيب للمقاييس البيولوجية لسكان منطقة الشرق الأوسط والدول الآسيوية.

وتمتد الثورة التي تعد بها الطباعة المجسمة إلى آفاق لا حصر لها، تمتد من طباعة المعدّات المنزلية والشخصية، إلى النماذج المعمارية وصولا إلى استخدامات طبية كثيرة، مثل الأطراف الصناعية وأطقم الأسنان.

وتشير عناوين الأخبار الواردة من الصين إلى أنها تقود العالم في الاستخدامات الواسعة لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد، بعد أن وضعها في أولويات أهدافها الاقتصادية، وأنتجت طابعات عملاقة لبناء المساكن والعمارات المرتفعة والجسور.

وفي الشرق الأوسط تنفرد الإمارات بإعطاء اهتمام كبير بمستقل هذه التقنيات المستقبلية. وقد وضعت دبي منذ عام 2016 استراتيجية لتطوير الطباعة ثلاثية الأبعاد تهدف إلى طباعة 25 بالمئة على الأقلّ من جميع المباني الجديدة في دبي. وتمّ بالفعل طباعة أوّل مكاتب في مركز دبي المالي العالمي.

ويشير تسارع الابتكارات والفرص الناشئة عن الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى أنها ستنفتح الآفاق لعصر من المنتجات والخدمات والتطبيقات الجديدة، وأنها ستأخذنا إلى عالم جديد من الفرص تفوق الخيال.

17