الطباعة من حيرة العقل إلى الألواح والورق والليزر

الأحد 2015/04/19
الطباعة صناعة بدأت بالتبشير الديني لتصل إلى تحقيق الأحلام ثلاثية الأبعاد

في ظلال التاريخ البشري هناك أحداث شكَّلَت نقاطَ تحوُّل هامة في مسيرة تطوُّرِ الإنسان على هذه الأرض، فالكائن الذي هبطَ على البسيطةِ ظلَّ آلاف السنين يحاولُ أن يتأقلَمَ مع صيرورةِ الأيام، فاستعملَ يدهُ وقدَمَهُ للضربِ وسخَّرَ كل إمكانياتِهِ للقتلِ تحقيقاً لبقائِهِ حيَّاً في سبيل الحصول على قوت الأيام، ذلك الإنسانُ الذي بدأ حياتَهُ بالقتل استغرق آلاف السنين ليبتكرَ الأحرف التي يُخزِّن بها يومياته ومعاني حياتهُ.

وإن كانت اللغةُ كما تُشيرُ كثيرٌ من النظريات الأدبية، توافقيةً بين البشر، ولا قاعدةَ مشتركة رسمت بناءَ الأبجديات أو أماكن تخزينها فإن المصادر تشير إلى أنَّ بداية الكتابةِ كانت على الرمل ثم انتقلت إلى جذوعِ الأشجار، لتأخذَ صيغةً مُختلفَةً في مصر عبر ورق البردي ولتكون في أبهى صُوَرِهَا عند السومريين في رُقُمٍ طينيَّةٍ اختزنت تاريخَ تلك الحضارات إلى أن اكتشفَ ضابطٌ فرنسيٌّ حجر الرشيد ليفكَّ ألغازَ اللغةِ الهيروغليفيَّةِ المصرية القديمة وليفكَّ شيفرةَ تلك السنوات المظلمة سابقاً في التاريخ.

الطباعة والخلود

إذن، نحنُ أمام محاولاتٍ حقيقيةٍ يسعى الإنسان من خلالها لحفظِ أحداث أيامِهِ وقد بدأَت بإرهاصاتٍ بسيطةٍ مثل الكتابة على الألواح الفخارية وصولاً إلى الكتابةِ عبر أزرار الحاسب الآلي أو إرسال الكلمات عبر الهواء من خلال جهاز الفاكس، ومن الطبيعي أن يظلَّ هاجسُ البقاءِ عند الإنسان يُشكِّلُ ضرورةً لهُ في مختلفِ مناحي أيَّامِهِ فأراد أن يتطوَّرَ مع تطوِّرِ العلوم فكان النسخُ بآلاتٍ بدائيَّةٍ وصولاً إلى الطباعة ذات الأبعاد الثلاثيَّةِ المنتشرةِ اليوم في الألفيَّةِ الثالثة.

وبالنظر إلى خوف الإنسان من الفناء فإن سعيهُ الدائم نحو الخلود شكَّل لهُ هاجساً في محاولات التسجيل لضمان استمرار حضوره وبقائِهِ وتوثق أيَّامِه، ومع تسارع الحياة بدأ التحوُّل نحو السرعة التي فرَضت نفسَها بقوَّةٍ على الواقع البشري، فاهتدى إلى صناعة الآلة الطابعة التي أخذت أشكالاً متعددة وصولاً إلى ما هي عليه اليوم بدقَّتِها المتناهية التي تطبع آلاف النسخ بل ملايين النسخ من الصحف اليومية وغيرها من المطبوعات بعد أن كان نسخُها يستغرق سنوات على يد الورَّاقين.

فإذا كانت الوِراقَةُ مهنةً سائدةً في ذروة العصر العباسي فإنَّ الطباعة اليوم هي المهنةُ الأكثر التصاقاً بالحياة، فكلُّ المناهج التعليمية تعتمد عليها في إرساء المعلومة فضلاً عن دورها في حفظ الآداب والعلوم ودخولها في تفاصيل الحياة اليومية التي نعيشها من معاملات تجاريَّةٍ وأوراق النقد، فالطباعةُ اليوم وإن أخذَت شكلاً يتعلَّقُ بالنشاطات التجارية إلا أنَّها تبقى في صورتِها الحقيقية التي وُجِدَت لأجلها بصفَتِها الوسيلة الحافظة لآداب الشعوب وثقافتِهِا وتاريخها وحضارتها.

الآلات تدون الحياة

في الثلث الأول من القرن الخامس عشر توصَّلَ رجلٌ من ألمانيا يدعى يوهانز غوتنبرغ لصناعةِ آلة طباعةٍ، وربَّما في تلك اللحظة التي صنعَ فيها الحروف البارزة والمتحرِّكة لم يكن يتوقَّع يوماً أن تنتشر هذه اللغة، ولتأخذَ منذ العام 1800 شكلاً جديداً من الحديد على يد أيرل ستانهوب لتعملَ بعدها باستخدام أسطوانةٍ تُدار بالطاقةِ البخارية ولتقوم في العام 1814 صحيفة التايمز اللندنية بإنتاج 1100 نسخة في الساعة الواحدة كسابقةٍ عالميَّةٍ في ذلك الوقت.

الأميركي ريتشارد هُو قام في منتصف القرن التاسع عشر بتطوير مكنات طباعة تنتِج أكثر من 8000 صحيفة في الساعة الواحدة وليكون العام 1865 علامةً فارقةً حيث استطاع الأميركي وليم بولوك الوصول إلى المطبعة الورقيّة المُتَّصلة فائقة السرعة التي تعمل بنظام الإمداد الورقي المتَّصل.

الأميركي وليم بولوك يتمكن من الوصول إلى المطبعة الورقية المتصلة فائقة السرعة التي تعمل بنظام الإمداد الورقي، وكان ذلك اليوم مختلفا في التاريخ حيث انطلق أصحاب المنابر عبر خطاب جماهيري أدى إلى انتشار الفكر التنويري الذي واجه التصلب في الفكر الديني ذلك الوقت وانتصر عليه

كان ذلك اليوم مختلفاً في تاريخ عصر النهضة الأوروبي حيث انطلق أصحابُ المنابر عبر خطابٍ جماهيري مع توفير القدرة على الانتشار من خلال المطابع ممّا أدى إلى انتشار الفكر التنويري الذي واجَهَ كلَّ التصلُّب في الفكر الديني ذلك الوقت وانتصرَ عليه بالكلمة المنشورة التي لولا الطباعةُ لم تستطع الوصول إلى الجماهير العريضة.

لا بدَّ من الاعتراف أنَّ مكنات الطباعة تأخَّرَت بالوصول إلى الشارع العربي الذي اعتاد على الورق من قبل، فحسب المصادر التاريخية وصَلَت معارك الفتح العربي الإسلامي إلى أطراف الصين في العام 751 حينها أسر المسلمون مجموعة من الخبراء الصينيين المختصين في صناعة الورق فقاموا بنقل هذه الصناعة ليؤسسوا أول مصنعٍ للورق في سمرقند .

ولتنتقل هذه الصناعة إلى بغداد بعد أن تمَّ تأسيس مصنعٍ للورق فيها في العام 900 وليكون التالي في مرّاكش عام 1100 وفي الأندلس في العام 1150، هذا الانتشار الحقيقي للطباعة في مراكز متعدِّدة لعب دوراً هاماً في بناء الحضارة العربية والإسلامية وأدَّى إلى ازدهار حركة التأليف والإبداع والترجمة والنقل والنسخ وما بات يُعرَفُ في ذلك الوقت بالوِراقَة، وبالرغم من تطوُّر هذه الصناعة إلَّا أنَّهُ لا يوجد مبرِّر تاريخي لتأخُّر دخول المطابع إلى البلاد العربية حتى مطلع عام 1800.

مطابع عربية في أوروبا

في بحث معمق نجدُ أن المطابع العربية كانت قد انتشرت في أوروبا فكان أوَّلُها تلك التي أمر بها البابا يوليوس الثاني ودشَّنها البابا ليون العاشر عام 1514، ليتبعها الكاردينال فرنندودي ميتشي في روما عام 1584 بإقامة المطبعة الشرقية المديتشية والتي نشرت العديد من الكتب العربية ربَّما كان أهمَّها كتابَي القانون والحياة لابن سينا، ولتظهر بعد عشر سنوات من هذا التاريخ أي عام 1595 على يد توماس أربينيوس في مدينة ليدن الهولندية التي ما تزالُ تعلِّم اللغة العربية وآدابَها في جامعتها التاريخية منذ أكثر من أربعمائة عام حتى اليوم.

ولكن على صعيد الجغرافية العربية لا بدَّ من الإشارةِ إلى تلك التجربة التي تعودُ إلى حلب السورية عام 1702 حيثُ تمَّت طباعةُ أوَّل كتاب بالعربية واليونانية على يد البطريرك أثناسيوس الرابع بينما تشير المصادر إلى مطبعةٍ أنشأها رهبان دير مار قزحيا في لبنان عام 1585 وتلَتها بعد ذلك العديد من المحاولات التي تكلَّلَت بالنجاح في كثير من الأحيان ولكن لا بدَّ من القول إنَّ المطابع التي تأسَّست في مدن بلاد الشام منذ القرن السابع عشر كانت تهتم بشكلٍ واضح بالإصدارات التبشيرية المسيحية حتى ما باتَ يُعرَف بعصر النهضة العربية حيث أخذت الإصدارات شكلاً آخراً.

مدينة حلب السورية تشهد في العام 1702 أول تجربة طباعة بالآلات في العالم العربي في العصر الحديث حيث تمت طباعةُ أول كتاب بالعربية واليونانية على يد البطريرك أثناسيوس الرابع وكانت المطابع التي تأسست في مدن بلاد الشام تهتم بشكل واضح بالإصدارات التبشيرية المسيحية

في العام 1798 بدأت الحملةُ الفرنسيَّةُ على مصر بقيادة نابليون بونابرت الذي أحضرَ مع حملتِهِ العسكرية مجمَعاً علميَّاً يتضمَّنُ مطبعة مجهَّزَةً بأحرف عربية وتركيَّة ويونانية حيث أصدرَ العديد من المنشورات وقد امتازَت تلك المطبعةُ بالدقة العالية حيث استمرّت بالعمل طيلة ثلاث سنوات متواصلة وانتهى وجودها في مصر مع توقيع اتفاقيّة العريش التي قضَت بإنهاء الحملة الفرنسية ولتظلَّ مصر دون مطبعةٍ لمدَّة عشرين عاماً حيثُ أنشأ محمد علي باشا مطبعةَ بولاق الشهيرة وباشَرت من فورها بإصدار أوّل جريدةٍ رسميَّةٍ مصرية تحت اسم الوقائع فضلاً عن المنشورات الأخرى الخاصَّة بالحكومة والكتب العسكرية والطبيَّة والهندسية والتاريخية وغيرها.

وبعد انتشار إصدارات بولاق بدأت مرحلة تكاثر المطابع وخصوصاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيثُ شكّلَت فترةُ حكم محمد علي باشا مرحلةً جديدة في تاريخ الطباعة العربية.

تغيير العالم ديمقراطياً

شكَّل ظهور الطباعة منذُ لحظتِها الأولى في العالم العربي تغيراً ديمقراطيَّاً على صعيد التعليم والثقافة على حدٍّ سواء حيثُ صارَت المعلومةُ في متناول الجميع دون استثناء بعد أن كانت حكراً على فئةٍ مُحدَّدةٍ يحقُّ لها تداول المخطوطات والكتُب النفيسة لقلَّتِها، وبصورةٍ أدق لقد كان انتشار المطابعِ حافزاً لتأسيس صحافةٍ عربيَّة، فالصحافةُ بشكلٍ أو بآخَر كانت نتاجاً لوفرةِ المطابع التي قدَّمَت خدماتها بشكل كامل للارتقاء بالإصدارات الصحفيَّةِ الجديدة المتنوِّعة.

وقد استغلَّ الحكَّام المتعاقبون على المنطقة العربية بتفاوتٍ واضحٍ بالطبع تلك السلطة التي امتلكَتهَا الدولةُ على المطابع فقامت بالسماحِ تارةً بإيجاد مناخٍ حر وديمقراطي، بينما ساد كثيراً قمعُ الحريَّات العامة وإغلاق الصحُفِ والمطابع في حوادث تاريخيَّةٍ كثيرة، ولكن لا بدّ من الاعتراف بجهود أولئك الأوائل الذين خاضوا معارِكَهُم على جبهاتٍ مُتعدِّدة لتحقيق التنوير ومواجهةِ المشكلات التي تقف عقبةً في وجهِ تحقيق وعي الإنسان العربي، فساهمَت المطابعُ في مراحلَ مختلفة بتحرير المواطن العربي، ولكنَّها سرعانَ ما تخافَتَ دورُها في ظل فرض الرأي الواحد بمراحلَ لاحقة.

من جهةٍ أخرى فإنَّهُ بالنظر إلى العصور الوسطى الأوروبية وعصور النهضة فيما بعد وكذلك عصور الظلام في الشرق وما تلاها من تنوير شعَّ على كلَّ حاضرات العالم سنجدُ أنَّ ظهور المطابع وانتشارها لعِبَ دوراً هاماً في نهوض الشعوب، فإذا كانت الكتابة علامة فاصِلةً بين زمَنين هما التدوين واللاتدوين فإنَّ النشر عبر الطباعة أحدثَ ثورةً في العالم حيثُ باتت المعرفةُ في تناول الجميع بعد أن بدأت بخطواتٍ بدائية ما لبثَت أن أخذت شكلاً آخراً عبر عقودٍ من الزمن وتذلَّلت الصعاب أمام الإنسان الذي يقهر المستحيل لتلبيَةِ احتياجاتِ التسارع الرهيب في الحياة.

فخاضَ المشوار كاملاً حتى النهاية وأرسى دعائم الرُقيِّ بصناعة المطابع بوصفِها دعامةً أساسيةً من ركائز بناء النهضة الناجحة، وإذا كانت سيرةُ المطابع قد وُجِدَت بهدَفٍ تبشيري ديني فإنها سرعان ما تطوّرت لتأخذ شكلاً آخرَ بدأ مع الأدب ولم ينتهِ مع الهندسة التي سخّرت علومُها لكلِّ ما يتعلَّق بفنونها فرأينا تقنيَّات جديدة مؤخَّراً ربَّما كانت في طيِّ الأحلام فكانت الطباعة ثلاثية الأبعاد والفراغية وتلك التي تعتمدُ على طباعة المجَّسمات، ولا بدَّ أن نقول إنَّهُ لولا الطابعات البسيطة منها والصغيرة والكبيرة والعظيمة لما استطعنا اليوم أن نتواصل أو ننجِزَ ما يُعينُنا على المعرفة والنهضة، ولكُم أن تتخيَّلوا هذا العالم دون الطابعات التي بدأت بفكرةٍ بسيطة ثمَّ استطاعت أن تتدخَّل في كل نواحي الحياة.

10