الطبخ فن انصهار الأجانب في المجتمع الأميركي

المجتمع الأميركي متعدد الأعراق والإثنيات والثقافات، فهو يشبه مكونات الطعام التي توضع في وعاء الطهي، ولكل منها مذاقها وخصائصها، وعندما تذوب مع بعضها وتمتزج تصبح شيئا جديدا، ومختلفا وأفضل، كما شأن المجتمع الأميركي الذي انصهرت فيه ثقافات متعددة.
الخميس 2016/08/11
بانوراما الطعام على موائد الأميركان

نيويورك - انعكست موجة الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية من كافة بقاع الأرض على طبيعة المطبخ الأميركي وتنوع المأكولات، فتجد الطعام الإيطالي والهندي والأفغاني والكوري، كما يمكن أن تجتمع جنسيات مختلفة في مطعم عربي أو صيني، وقد رافق هذا التنوع رغبة الأميركيين في تعلم فنون الطبخ الأخرى لتكتمل متعة الأكل مع متعة الطبخ، وأصبح المطبخ الأميركي الأكثر تنوعا في العالم بعد أن جلب المهاجرون معهم عاداتهم وثقافتهم الغذائية.

تفتح دميرة عطالله باب بيتها مرتدية ثوبا حريريا ملونا، وتعتمر غطاء رأسها الملفوف على هيئة عمامة. تقيم دميرة في الطابق الثاني بمنزل مبني بالحجر الأحمر بضاحية بروغ بارك، جنوب نيويورك، التي تتسم بحضور قوي لطائفة اليهود اليمينيين المتطرفين. لكن دميرة مسلمة، وتعيش هناك منذ عامين، في هذا المنزل المكون من حجرة واحدة، فقيرة الديكور، إلا من طاولة لا تتسع للكثير من هذا الترف، ولكنها لا تخلو من طعام أبدا.

تقول المرأة ذات الـ58 عاما “عندنا في أوزبكستان، في الحالات العادية نقدم للضيف شيئا من طعامنا في الحال”، مضيفة “أما إذا ما كان الضيف يريد أن ينصرف سريعا، فإن الشاي الأخضر الذي نقدمه بيد بينما اليد الأخرى مضمومة ومستقرة على موضع القلب، سيفي بالغرض”.

على أريكة بالقرب من الطاولة، يجلس دان وجيسيكا، يحتسيان الشاي الأوزبكي الأخضر من كأس بلا مقبض، قدمت لهما دميرة أقراص خبز من صنع يديها، “بالنسبة إلينا الخبز يمثل أهمية كبرى، نظرا لأن هذه الأقراص ترمز لقرص الشمس، لذا يجب تناول كسرة منه، أما قطعة المنتصف فتجلب الحظ”.

يختبر دان وجيسيكا الخبز، جاء الاثنان إلى بروغ بارك لكي يتعلما من دميرة الطهي على الطريقة الأوزبكية، دفعا 165 دولارا (150 يورو) مقابل هذه الدورة التعليمية التي مدتها ست ساعات. وتعمل دميرة منذ شهرين لصالح رابطة المطابخ “ليغ أوف كيتشنز” ، وهي مدرسة لتعليم فنون الطهي المختلفة، أطلقت عليها الصحافة المحلية “مطبخ الأمم المتحدة”، لأن هدف هذا المشروع هو مساعدة اللاجئين على العمل من منازلهم، بصورة تمكنهم من الاندماج في المجتمع الجديد عن طريق تعليم أساليبهم في الطهي وعاداتهم الثقافية لأبناء المجتمع المضيف.

مدارس لتعلم إعداد الطعام الأجنبي

مبادرة كورية

تجدر الإشارة إلى أن هذه المبادرة، أطلقتها ليزا غروس، وهي ابنة مهاجرة كورية، حينما كانت صغيرة كانت جدتها تقيم معهم، وكانت تعد لهم أطباقا لذيذة من طعام بلدهم الآسيوي، وكلما حاولت ليزا مساعدتها، كانت تنصحها بالتركيز على دروسها أفضل، ولكن عندما بدأت تطهو لنفسها، وجدت أنها بحاجة إلى تعلم إعداد أطباق محلية كورية، إلا أن جدتها كانت قد رحلت عن هذا العالم. وتقول ليزا “حينئذ، فكرت إذا لم يكن بوسعي تعلم طهي طعام كوري مثل جدتي، فإنه لا يزال بوسعي العثور على شخص كوري آخر ليعلمني”.

ليزا ابنة المهاجرين الكوريين، في الثالثة والثلاثين من عمرها الآن، وقد نجحت في تأسيس رابطة المطابخ، التي كانت نواتها الأولى طاهية كورية، أما الآن فتعمل بها تسع طاهيات من اليابان والأرجنتين وترينيداد ولبنان واليونان والهند.

الطاهية الهندية، ياميني، استعرضت مهارتها في المطبخ الهندي أمام مقدم البرامج التلفيزيونية الشهير ستيفن كولبرت، وحظي الشريط المصور بمشاهدة واسعة عبر الإنترنت.كانت فكرة ليزا غروس ملهمة للكثيرين مما أدى إلى ظهور العديد من المدارس المماثلة، من بينها “إيت أوف بيت” التي تقدم الطعام المنزلي وتستعين بلاجئين لطهي أطباق محلية من مطبخ بلادهم. في حالة جيسيكا ودان، قامت دميرة بدعوتهما لتعلم فنون الطهي الأوزبكية في منزلها. “بسرعة .. المايسترو دميرة تطهو”، كتبت الطاهية الأوزبكية هذه العبارة على مناديل السفرة الحمراء التي توزعها على زبائنها.

وتحكي جيسيكا بينما تقشر البصل “حضرنا جميع دورات رابطة المطابخ، وكل مرة نجرب أطباقا محلية لذيذة، لم نعرف لها مثيلا من قبل”، فيما تؤكد أن “هذه الدورات هي أفضل شيء حدث لها في حياتها في نيويورك”.

من جانبه عبر دان عن سعادته قائلا “أطهو كل ليلة في المنزل لخطيبتي، من قبل كنا نذهب لتناول الطعام في منزل صديق أوزبكي، ولكني قررت في النهاية تعلم طهو هذه الأطباق بنفسي”.

تتضمن قائمة طعام اليوم التي ارتجلتها دميرة لحم بتلو مشويا في الفرن “ديملاما” يقدم مع “أشيك شوشوك” وهي عبارة عن سلاطة طماطم بالبصل. وتقول دميرة “بحسب المعتقدات التراثية الأوزبكية من يأكل بمفرده، يشاركه الشيطان طعامه، تجب مشاركة الطعام مع شخص آخر، ولهذا أبوابنا مفتوحة دائما للضيوف الذين قد يأتون فجأة”.

درس في وجبة نباتية لبنانية

الطريف في الأمر أن دميرة طبيبة، أما زوجها فهو بروفيسور في مادة التاريخ بالجامعة، فازا منذ عامين في قرعة “الغرين كارد” وحصلا على الإقامة في نيويورك، حيث يعيش اثنان من أبنائهما. تقول المهاجرة الأوزبكية “فكرت، ماذا أريد أن أفعل هنا: ممارسة الطب؟ لا؛ أردت أن أفعل شيئا أحبه بالفعل، الطهي، أستقبل ضيوفا، وأطهو معهم وأتناول الطعام معهم، أعتقد أن هذه أفضل وسيلة للتقارب بين الثقافات”.

في البداية، عندما جاءت دميرة إلى الولايات المتحدة، فكرت في تعلم الطهي على الطريقة الأميركية، ولكن أصدقاءها سخروا منها قائلين “ما معنى هذا؟ طعام صيني أم إيطالي؟ لا يوجد طعام أميركي جيد، الهمبورغر في أفضل الأحوال”.

تقلب دميرة في كاسرولة مخيط “البوميجون” وهي سلاطة أشبه بالباباغنوج العربي، ولكن تضيف إليه الكاتشب بدلا من الطحينة. تضحك دميرة قائلة “هذه الوصفة من مطبخ جدتي، ولكني أضفت إليها الكاتشب على الطريقة الأميركية، لعلي قد تأمركت قليلا”.

المطبخ العربي

على الرغم من أن الكثير من الأميركيين يعشقون المطبخ العربي، ويترددون على المطاعم التي تقدم مذاقاته، إلا أن معظمهم لا يستطيعون إعداد تلك الأطباق بأنفسهم، لذلك يزور المغرمون بالطعام العربي منزلا لبنانيا ليتعلموا وجبات شرقية.

لمعرفة الشعور الذي يمكن أن تمنحه رابطة المطابخ، انضم كل من كريس كراولاي وماكس، وروبين، إلى فصل الطبخ النباتي مع جانيت شوقي، وهي مدربة لبنانية. وعند وصولهم إلى شقة اللاجئة اللبنانية في حي “باي ريدج” ببروكلين، نيويورك، اجتمعوا في غرفة الجلوس حيث كانت الجدران مزينة بأيقونات كاثوليكية وصور الأسرة. كان زوجها يشاهد برنامجا تلفزيونيا عندما كانوا بصدد درس الطبخ، وانضمت ابنتها إلى المجموعة لتناول طعام العشاء. وفي الأثناء استرجعت جانيت أيام الماضي عندما سألوها عن ذكريات تناول الطعام مع عائلتها.

المطبخ العربي لذيذ المذاق صعب الإعداد

ويقول كريس “استهللنا مساءنا بوجبة غداء خفيفة، على غرار ما تفعله جميع رابطات الطبخ. وقد اشتملت الوجبة على فطيرة السبانخ، واللبنة، وخبز محشو بالجبن والكشك. بعد تناول الطعام والحديث العرضي، استمعنا إلى جانيت وهي تروي علينا قصتها”.

ولدت جانيت في مدينة زحلة اللبنانية، وهي واحدة من أكبر المدن المسيحية في الشرق الأوسط، وهاجرت إلى الولايات المتحدة في عام 2006.

في لبنان كانت تعمل مدرسة لغة فرنسية، وقالت إنها لم تكن تعرف الطبخ حتى بعد أن تزوجت. ومع ذلك، قالت إنها سرعان ما اكتشفت شغفها بذلك، وتقول جانيت “بعد أن شاهدت مدى سعادة زوجي وهو يأكل الكبة التي أعدها بيدي، أردت أن أفعل ما هو أفضل”.

ويقول كريس “بعد أن تبادلنا الحديث قليلا حول أنفسنا، غادرنا المطبخ، وقضينا معظم فترة ما بعد الظهيرة نعد الفاصوليا الخضراء ونشكل عجين السميد. كان وقتنا في المطبخ ملائما ودافئا، حيث كانت جانيت تجيب على الأسئلة، وتثير الطلاب، وتشجع الحوار، حدثتنا عن تعلّمها كيفية إعداد “بينا ألا فودكا” (أكلة أميركية) وعلمتنا كيف نحضر الكشك الذي جلبته معها من زحلة. وأنهينا العشاء بالبسكويت مع القهوة التركية”.

ويضيف كريس “تقدم رابطة المطابخ أكثر من مجرد تعلم الطبخ وحفظ بعض الوصفات، فالتروي في التعلم يجعل التجربة أشبه بقضاء فترة ما بعد الظهيرة مع العمة المفضلة لديك أو جدة أحد أصدقائك. إنها فرصة للتفاعل ذات مغزى عميق مع الناس يمكنك أن تمر عليهم مرور الكرام إذا ما صادفتهم في الشارع”.

الكثير من الأميركيين يعشقون المطبخ العربي
20