الطبخ كمشروع ثقافي

الخميس 2015/06/04

في أكتوبر الماضي أصدر روائي هولندي من أصل مغربي، هو الكاتب عبدالقادر بن علي، كتابا عن الطبخ، طبع منه إلى الآن أكثر من 70 ألف نسخة في خمس طبعات متتالية، وكانت النسخ تختفي من السوق بمجرد نزولها.

إقبال القارئ الهولندي على هذا الكتاب فاق توقعات الناشر والكاتب على حد سواء. عندما سألت بن علي في أحد حواراتي الأخيرة معه، عن سبب اهتمامه بالطبخ، وهو الروائي المشهور الذي صدر له أكثر من 20 كتابا، ويقدم برنامجا تلفزيونيا على واحدة من أكثر القنوات الهولندية مشاهدة، والفائز بجائزة ليبريس الأدبية، عندما سألته عن الدوافع وراء هذا الكتاب، الذي فاجأ به الجميع، قال من جملة ما قاله، إنه يقاوم الإرهاب بالطبخ. وإن كتاب الطبخ، هروب سوريالي من واقع الكاتب الحالي، وإن البحث عن الهوية لا بد أن يمر من المطبخ.

وفسر بن علي إقبال القارئ الهولندي على كتاب الطبخ بأنه، بدوره، في حاجة لمعرفة الآخر من خلال ثقافته التي يشكل المطبخ جزءا لا يتجزأ منها. وقال “عندما ينسد الأفق وينعدم الحوار ويكثر سوء الفهم بين الشعوب، ولكي ينأى الكاتب بنفسه عن النزاع الأيديولوجي والثقافي، لا بد من العودة إلى وسائل التواصل الأساسية، وأساليب الحوار المبدئية في الثقافات، ولا بد أن يعود الكاتب إلى اهتماماته الأولية وميولاته التي كونت شخصيته، ومنها المطبخ، ليخاطب غيره من الناس بلغة سلمية، ليفهمهم من هو، ويقدم لهم صورة محايدة وصافية عن نفسه، بعيدا عن كل الأحكام والانطباعات والعوامل التي غلفتها، حقا وباطلا، على مر الزمان.

في الوقت الذي لا يخجل فيه كاتب بهذا الحجم من إصدار كتاب عن الطبخ، صرف فيه الكثير من الوقت والجهد والمال، فقد ذكر أنه قضى وقتا طويلا يقرأ كتب الطبخ ويقتني النادر منها، في مشروع ثقافي اعتبره الأهم في مسيرته الأدبية، وفي خطوة من النادر جدا أن يقدم كاتب أو روائي عليها، لا زال كثير منا، نساء ورجالا، ينظر إلى المطبخ بوصفه مضيعة للوقت ومهمة من لا مهمة له، وهناك من يتعالى على دخوله، ويستنكر على نفسه وقفة المطبخ فيوكلها لغيره، واضعا بذلك أهم جزء من حياته، ومن تربية أبنائه وتكوين شخصياتهم إلى غيره.

المطبخ ليس مهمة ربة البيت وحدها، وليس مسؤولية توكل إلى المرأة دون غيرها، إنه أكثر من ذلك بكثير، ولا بد أن يكون للرجل رأي ومسؤولية وشراكة حقيقية فيه لا تقل عن مسؤولية المرأة. فالمطبخ ركيزة مهمة في ثقافة الشعوب، وهويتها ومنه نفهم أنفسنا وغيرنا، لذلك تتعامل الأمم المتقدمة معه بجدية مفرطة لا تقل عن الجدية التي توليها لمواضيع مصيرية أخرى، مثل تربية الأطفال، والعمل، وأسلوب الحياة.

21