الطبقة السياسية في تونس.. بؤس البدائل وغياب الكفاءات

زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ينتدب الحبيب الجملي كرئيس حكومة مكسور الجناح ليحكم من ورائه.
الثلاثاء 2019/11/19
شبكة علاقات متحالفة مع الفساد تسيطر على البرلمان والإدارة وتتحكم بالإصلاحات

صعود الأحزاب والمجموعات، التي تصنّف نفسها كقوى حامية للثورة، زاد من إرباك المشهد السياسي في تونس ويهدّد بتعميق الأزمة الاقتصادية، فهذه القوى لا تريد أن تحكم، أو أن تدعم من بينها من يحكم. وعلى العكس فهي تتحرّك لخلق مناخ يحول دون تشكيل حكومة تبدأ بتحقيق سيل الوعود “الثورية” التي رفعت خلال الحملات الانتخابية. وترتهن في ذلك إلى منطق الصراع الأيديولوجي الذي يختصر نفسه في شعار “أنا ومن بعدي الطوفان”.

تونس – تقول المؤشّرات المختلفة إن تونس مقبلة على سنوات صعبة، وقد تفقد “دولة الإدارة”، التي صمدت طيلة تسع سنوات من عمر الثورة، قدرتها على التحمل وتتحوّل البلاد إلى بلد فاشل بالمقاييس الدولية. والأمر هنا ليس تخويفا ولا “فزاعة” تطلقها “الدولة العميقة” التي بدأت تفقد نفوذها لفائدة الدولة الجديدة؛ “دولة التجريب” التي تؤسس لها قوى ما بعد احتجاجات 2011.

ويكفي أن تلقي نظرة على مكونات البرلمان الجديد لتعرف نوعية الكفاءات التي ستقود تونس في المرحلة المقبلة، خاصة أن البرلمان هو من سيتولى خلال أسابيع قليلة التصديق على الموازنة الجديدة. كما أن لجانه ستتولى مراقبة أداء الحكومة التي يفترض أن تتشكّل خلال شهر أو اثنين، واقتراحه مشاريع قوانين “ثورية” لتصويب قوانين قديمة ساهمت في الوصول باقتصاد البلاد إلى وضع صعب.

الملاحظة الأبرز أن عددا كبيرا ممن فازوا بمقاعد في البرلمان الجديد كانوا نوابا سابقين، ومنهم من عمل خلال تجربة المجلس التأسيسي (20111-2014) أيضا.. فماذا يمكن أن يقدّم العشرات، ممن فشلوا في أدائهم.. بالتأكيد لا شيء سوى أن وجودهم يظهر للناس أن اختيار الأحزاب لمرشحيها لا يتم وفق الكفاءة والخبرة وإنما بمقياس الانتماء الحزبي أولا ولترتيب صفقات واتفاقيات تحت الطاولة.

كتل بلا برامج

برلمان مشتت
برلمان مشتت

أغلب النواب صعدوا إلى البرلمان لاعتبارات لا تضع في اعتبارها كيفية تطوير أداء المؤسسة التشريعية (أم المؤسسات) أو التأثير من خلالها لتصويب الخيارات الاقتصادية والاجتماعية غير العادلة، أو فتح معركة حامية مع الفساد الذي بات سمة عامة في كل تفاصيل حياة التونسيين، وخرج إلى الضوء وأصبح شيئا مشاعا بعد أن كان في فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ظاهرة سرية في محيط محدود بمقربين من العائلة الحاكمة.

وهناك نواب عادوا إلى البرلمان مجددا بالرغم مما أثير حولهم من شبهات فساد، وتنقلوا من يافطة حزبية إلى أخرى، وبعضهم يستظل تحت ظلال الجمعيات الرياضية الكبرى ليعود متحديا إرادة الغاضبين على أدائه والملفات التي يحتويها سجله في الفساد.

لكن الأهم، أن الكثير ممن تمّ تصعيدهم إلى البرلمان ليسوا كفاءات في أي ميدان، إما لكونهم متفرغين للنشاط السياسي منذ سنوات، أو كانوا مساجين سياسيين

ولا يعلمون بدقة أوضاع الإدارات والمؤسسات، وحتى إن استلموا حقائب وزارية أو أداروا مؤسسات حكومية، أو استلموا لجانا برلمانية مؤثرة، فستكون حساباتهم سياسية حزبية أكثر من البعد الخادم للإدارة أو الوزارة.

وهناك نوع ثالث محدود الإمكانيات في المجال الإداري وفي المجال العلمي، وينتمي إلى مؤسسات هامشية، أو عاطل عن العمل، وهو ما يجعل استلامه لأي مؤسسة مضرا بها، خاصة أن عددا من هؤلاء صعد ضمن موجة الشعبوية الكاسحة التي تلت انتخاب الرئيس الجديد قيس سعيّد.

 الرئيس يمتلك صلاحيات محدودة في النظام السياسي الذي يسيطر عليه البرلمان ومن ورائه رئيس الحكومة، .لا يمتلك بدائل فعلية تمكنه من ممارسة ضغوط على طبقة سياسية محكومة بالصراعات

وينطلق الخط الشعبوي الصاعد، ويضم مجموعات طارئة في البرلمان مثل حركة الشعب وائتلاف الكرامة، الإسلامي الغاضب على حركة النهضة، من اتهام القديم بالفساد وضرورة بناء جديد على أنقاضه. لكن لا أحد يمتلك رؤية لتنفيذ

 هذا الجديد سوى شعارات عامة تتم صياغتها في مواقع التواصل الاجتماعي، في شكل شعارات محدودة أو نصوص مقتضبة لبعض المحامين أو رجال التعليم الأساسي أو الثانوي، وهم الفئة المهيمنة على الخط الشعبوي الصاعد.

وفضلا عن غياب الكفاءات والبرامج داخل البرلمان، فإن الأحزاب ذاتها لا تمتلك في صفوفها أو بين أنصارها كفاءات نوعية يمكن أن تنهض بمهمة خدمة البلاد وتغطي على استقالة رجالات المنظومة القديمة وكفاءاتها التي هاجر أغلبها للعمل مع مؤسسات دولية، وعلى رأسها الصناديق المالية. وهذا ما يفسر غياب البدائل لاختيار رئيس الحكومة الجديد، ما اضطر النهضة إلى البحث عن “تكنوقراط درجة عاشرة” ممثلا في رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي، بعد ضغوط ومعارضة قوية لمنع ترشيح رئيس حكومة من داخلها.

الغنوشي الحاكم الفعلي

الغنوشي يحقق أولى أهدافه
الغنوشي يحقق أولى أهدافه 

لا يعدو البحث عن تكنوقراط مختص في مجال جزئي من مجالات الزراعة وتسلميه مهمة إصلاح وضع اقتصادي واجتماعي متهاو وصعب أن يكون مجرد مناورة من حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، الذي يريد أن يحكم من وراء الستار بعد أن منع حزبه من الحكم بشكل علني.

وتقول معلومات من داخل حركة النهضة إن الحبيب الجملي لم يكن خيار مجلس الشورى الأول، وإن الغنوشي فرضه في سياق مساعيه في البحث عن “عصفور نادر” من التكنوقراط.

وفيما يقول رئيس الوزراء المكلف إنه سيفتح باب المشاورات مع الجميع، يظهر الغنوشي ليقول إن “قلب تونس”، صاحب المرتبة الثانية في حجم الكتل البرلمانية، ليس معنيا بالمشاركة، في تبخيس لموقف رئيس الحكومة الجديد، وتغطية على المفاوضات التي تجري من وراء الستار، والتي تقوم على الترضيات.

وبالتأكيد سينال حزب “قلب تونس” حظه من توزيع الحصص حتى وإن لم يعلن ذلك لتسهيل “تشكيل الحكومة” وحفظ ماء وجه الغنوشي أمام جمهوره بعد تعهدات مغلّظة بأن يتحالف مع حزب نبيل القروي. كما أن هذه “الصيغة الذكية” ستوفر الأمان لبقاء “ائتلاف الكرامة” مساندا للغنوشي وحكومته، وتمنح التيار الديمقراطي فرصة اللحاق بالتشكيل الحكومي ونيل نصيبه.

الخط الشعبوي الصاعد ينطلق من اتهام القديم بالفساد وضرورة بناء جديد. لكن لا أحد يمتلك رؤية لتنفيذ هذا الجديد سوى شعارات تتم صياغتها في مواقع التواصل الاجتماعي

وقال الغنوشي، الاثنين، في صيغة تحتمل التأويل بالرأي ونقيضه، “نقدّر أن حزب قلب تونس (ثاني أكبر أحزاب البرلمان بـ38 مقعدا) ليس مشمولا بالمشاركة في هذه الحكومة، وهذا وفاء بالوعد الذي قطعناه على أنفسنا”.

ومن المهم التأكيد أن الخيارات الاقتصادية هي نفسها بين النهضة و”قلب تونس” أو أي حزب آخر سيشترك في الحكومة، وأن ما يطلق من وعود انتخابية عن تغييرات جذرية ليس سوى بيع وعود انتخابية، فلا أحد قادر على تحدي التوازنات الداخلية والارتباطات الخارجية للاقتصاد التابع. وأيا كانت تفاصيل هذا الاختيار أكان مناورة لإحداث صدمة لدى الخصوم ودفعهم إلى القبول بمرشح نهضاوي مكشوف، أو هو مرشح حقيقي “مكسور الأجنحة” ويتحكم فيه الغنوشي، فإن النتيجة ستقود إلى حقيقة واحدة، وهي تأخير معالجة الملفات العاجلة، ووضع رؤية استراتيجية للسنوات الخمس المقبلة للحد من التضخم وتقليص نسب البطالة والتحكم في أسعار المواد الأساسية، وإعطاء رسائل أمل للتونسيين.

رئيس الحكومة الجديد شخصية هادئة وباردة ورخوة في الطباع الشخصية الظاهرة، وهو ما يؤشر إلى أن الرجل يمتلك رؤية متصالحة مع ما هو قائم في الميدان الذي يعمل به، أي الزراعة، ومنطقيا سيكون متصالحا مع ما هو قائم في مجال رؤيته لإصلاح الوضع الاقتصادي، أي أنه لن يرفع عصا الطاعة في وجه شروط الصناديق المالية الدولية، وأنه سيكون مندمجا مع توليفتها في إعادة إصلاح اقتصاديات العالم الثالث، أي تقليص الدعم وبيع المؤسسات الحكومية، وتوسيع دائرة التقشف وزيادة الضرائب.

مع ملاحظة مهمة، أن حكومة الجملي قد تكون مجرد حكومة صورية تكتفي بمجاراة الجدل السياسي والحزبي وتلقي الانتقادات، فيما تنهض حكومة ظل مكونة من خبراء مرتبطين بالمؤسسات المالية الدولية بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية “المؤلمة” لإصلاح اقتصاد تتقاذفه طبقة سياسية تعيش على الهامش.

الرئيس في مربع الشعبوية

رئيس الجمهورية أمام واقع صعب
رئيس الجمهورية أمام واقع صعب

يراهن جزء واسع من الشارع التونسي على الرئيس المنتخب حديثا قيس سعيّد في مهمة التعديل، وتطويق الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، وهناك من دعا إلى تكوين “حكومة الرئيس” للاستفادة من شعبيته الواسعة في منع انزلاق الخيارات الاقتصادية عكس مطالب الشارع، أي القطع مع خيار التقشف والبحث عن بدائل سريعة لتوفير فرص عمل للآلاف من الشباب الجامعي الذي نزل بقوة لانتخاب سعيّد.

لكن الرئيس، الذي يمتلك صلاحيات محدودة في النظام السياسي الذي يسيطر عليه البرلمان ومن ورائه رئيس الحكومة، لا يمتلك بدوره بدائل فعلية تمكنه من ممارسة ضغوط على طبقة سياسية محكومة بالصراعات التاريخية أكثر من البحث عن حلول لأوضاع الناس.

إلى الآن يكتفي الرئيس التونسي الجديد بإظهار البعد العاطفي في إدارة الأزمة سواء ما تعلق بالملف الفلسطيني، أو بفتح باب قصر قرطاج أمام الوفود التي بدأت تأتيه تباعا للشكوى من الوضع الاجتماعي القاسي.

ومن خلال اللقاءات الأخيرة، فإن قيس سعيّد حرص على إقناع زائري قصر قرطاج، أو أولئك الذين التقى بهم في القيروان بمناسبة احتفالية المولد النبوي، بأن الحل يكمن في أن يقيّموا هم أوضاعهم وأن يقدموا الحلول لأنهم أعرف بإمكانياتهم وخصائص محافظاتهم، أي هو يعيد أمامهم شرح برنامجه الانتخابي، وفكرة المجالس المحلية التي تتولى تغيير نظام الحكم من المحلي إلى المركزي وليس العكس.

وبقطع النظر عن جاذبية الفكرة، فإنها تنتهي، عمليا، إلى أن الرئيس سيظل ينتظر إلى أن تنزل أفكاره على الأرض ليكون فاعلا ومؤثرا، وأن رهانات الناس على “نظافة يده” وبعده عن الأحزاب، هي رهانات اعتبارية أخلاقية، وليست رهانات تفضي إلى تغيير سياسي.

وما يزال الرئيس يتحرك في مربع خاص به، يستكشف من خلال الطبقة السياسية والكادر الإداري، ولم يمر بعد إلى عرض أفكاره لإصلاح قطاعات حيوية مثل التربية والصحة. وعلى افتراض أنه نجح في فرض نفسه فإنه سيكون مضطرا إلى التعاطي مع الكادر الإداري والسياسي الموجود ليعيد إنتاج نفس الأدوات والتفاصيل التي تقف وراء الأزمة الهيكلية في البلاد، وهي أدوات يهيمن عليها الفساد والمحسوبية وتقديم مصالح رجال المال ووكلاء الشركات الأجنبية العابرة على مصالح المؤسسات.

6