الطبقة السياسية في تونس لا شيء يدفعها إلى التنازل

رغم النداءات التي كانت وجهتها اللجنة العلمية بضرورة الاستعداد للمرحلة الصعبة التي تعيشها البلاد فإن السياسيين بمختلف رتبهم وأحزابهم لم يكونوا يولون المسألة الصحية أي اهتمام عدا توظيفها في المعركة مع الخصوم.
الخميس 2021/07/01
بقية الأزمات هامش

عادت الأزمة الصحية بقوة وسط أنباء عن ارتفاع تصاعدي لأعداد الضحايا والمصابين، لكن لا أحد يتصدى لها سوى لجنة علمية مقيدة الأيدي بالمحاذير والخطوط الحمراء التي فرضتها حكومة واقعة بدورها تحت ظل الحسابات والضغوط.

من أشهر دعت اللجنة إلى حجر شامل لنصف شهر من أجل تطويق انتشار الوباء، لكن الحكومة تتلكأ يوما عن آخر، فهي تراعي، قبل أعداد الضحايا وقبل سخط الناس، مواقف السياسيين وكبار رجال الأعمال.

لم ينس رئيس الحكومة هشام المشيشي حين أعلن عن إجراءات مشددة في أبريل الماضي أن الرئيس قيس سعيد أنّبه أمام الجميع بعد أن بثت المحادثة لأنه لم يراع مطالب الناس التي تريد أن تشتغل وقال له فلتقل اللجنة ما تريد، لكن القرار يبقى سياسيا، واضطر المشيشي للتراجع بالقول إن ذلك “بطلب من رئيس الجمهورية قيس سعيد”.

منذ مارس 2020 كانت معركة كوفيد – 19 تدار وفق آليات الأزمة السياسية، وبعد توافق مؤقت نجحت تونس في الخروج بأخف الأضرار من الموجة الأولى خاصة مع حملة تبرعات كبيرة من المواطنين للمساعدة في شراء الأجهزة الخاصة بالتنفس والأسرّة ومساعدة الفئات الفقيرة المتضررة.

لكن ومع الخلافات التي شقت حكومة إلياس الفخفاخ، والخلاف خاصة بين حركة النهضة والأمين العام المتخلي للتيار الديمقراطي محمد عبو تمت إقالة عبداللطيف المكي وزير الصحة الذي نجح خطابه في كسب ثقة الشارع التونسي للالتزام بالنصائح الضرورية. ومنذ ذلك الوقت كانت الأزمة السياسية هي المحور، وبقية الأزمات هامش.

ورغم النداءات، التي كانت توجهها باستمرار اللجنة العلمية، بضرورة الاستعداد للمرحلة الصعبة التي تعيشها البلاد من حيث انتشار الفايروس بشراء الأجهزة وتجهيز المستشفيات، فإن السياسيين بمختلف رتبهم ومناصبهم وأحزابهم لم يكونوا يولون المسألة الصحية أي اهتمام عدا توظيفها في المعركة مع الخصوم مثل اتهام الحكومة بالتراخي والعجز وضرورة إقالتها، أو اتهام رئيس الجمهورية وحزامه السياسي بحرف الاهتمام الرسمي والشعبي عن معركة الوباء والتركيز على القضايا الدستورية ومعركة تغيير النظام السياسي.

وكان لافتا خلال الأيام الماضية أن رئيس البرلمان راشد الغنوشي جعل الأولوية في تصريحاته لتركيز المحكمة الدستورية باعتبارها أولوية الأولويات. كما لم يظهر ما يوحي بأن رئيس حركة النهضة، الحزب الأول في البرلمان، قد وضع معركة الوباء على رأس اهتمامه عدا زيارته لقطر وما حف بها من خطاب دعائي عن تعهدات قطرية بتوفير مليوني جرعة لقاح لفائدة تونس لا أثر لها إلى حد الآن.

كما أن بيانات حركة النهضة الأخيرة كانت تظهر اهتماما بمعركة كورونا في سياق الحجاج مع مؤسسة رئاسة الجمهورية بشأن دعوات قيس سعيد لتعديل دستور 2014، وليس توجها يقدر على حشد إمكانيات الدولة واهتمام الشارع التونسي وراء المعركة.

وبالتوازي، فإن رئاسة الجمهورية كان تركيزها الرئيسي وفقا لما يورده موقعها الرسمي على القضايا السياسية التي يراها قيس سعيد مصيرية، وأساسا تغيير دستور 2014 والعودة إلى دستور 1959 الذي يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات إضافية في إدارة الدولة وخاصة حرية في تغيير الحكومات والوزراء.

وآخر ظهور للرئيس سعيد لقاؤه بمباركة عواينية أرملة محمد البراهمي الشخصية السياسية التي تم اغتيالها في يوليو 2013 واستظهاره بوثيقة تاريخية عن صلاحيات الرئيس خلال دستور 1959.

وللإشارة، فإن أغلب الوجوه السياسية تعاطت مع المعركة الصحية ضمن أجنداتها السياسية وليس فقط رئيس الجمهورية أو رئيس البرلمان. وهناك اتفاق على أن من أسباب انتشار الفايروس في الأسابيع الأخيرة بمناطق داخلية هو التحريض السياسي على كسر قرارات حكومية بوقف أنشطة ذات بعد اقتصادي (الأسواق الأسبوعية)، أو تحديد أنشطة أخرى بوقت مبكر للحظر خاصة المقاهي والمطاعم، وهو ما لاقى هوى لدى شارع مستهين بطبعة بقرارات اللجنة العلمية / الصحية ونداءاتها.

كان صوت اللجنة التي تدير المعركة ثانويا وتقريرها لا تأخذه الحكومة في اعتبارها إلا بمنطق تبرئة الذمة أو وثيقة للمجادلة مع الخصوم السياسيين.

إن التعاطي مع الأزمة الصحية كقضية هامشية دفع اللجنة العلمية إلى التلويح بالاستقالة أكثر من مرة، خاصة أنه كان يفترض أن تكون المؤسسات السيادية في طليعة المعركة الإعلامية والشعبية التي تدفع الناس للالتزام بالإجراءات في حدها الأدنى. كما أن تلك السلبية أعاقت جعل شراء اللقاحات أولوية في خطط الحكومة حيث لم ترصد لها أموال ذات قيمة في الميزانية الجديدة، كما لم يطل التقشف ميزانية رئاسة الجمهورية أو البرلمان أو الوزارات لأجل التوفير وتخصيص الجهد لشراء اللقاحات كأولوية قصوى.

ومن البداية لم تبادر تونس إلى التنسيق لشراء الكميات التي تحتاجها من الشركات المنتجة كما فعلت دول أخرى بينها دول قريبة مثل المغرب، ولكن ظلت تراهن على حصولها على اللقاحات ضمن الهبات التي توفرها منظومة إيفاكس أو منظمات دولية وإقليمية أخرى أو في شكل دعم من “أصدقاء” خاصة من أوروبا والولايات المتحدة.

وليست معركة الوباء على أهميتها وإلحاحية التحرك الرسمي فيها هي الملف الوحيد الذي تدير له السلطات ظهرها بمختلف “شرعياتها”، فهناك ملفات معلقة تحتاج إلى تنازلات سريعة من الرؤساء الثلاثة تقود إلى تهدئة سياسية تسمح بالبت فيها، وخاصة العلاقة مع صندوق النقد الدولي والجهات المانحة التي تطالب بموقف رسمي ملزم لمختلف القوى المؤثرة سياسيا واجتماعيا بشأن الإصلاحات الاقتصادية قبل منح قسط مهم من القرض المخصص لتونس.

لا تهدئة سياسية، ولا هدنة اجتماعية، ولا مؤتمر للحوار الوطني يقود للاتفاق على هذه القضايا، وكل مسؤول يتابع ينتظر ولا أحد يأخذ المبادرة، وهو وضع قد يقود خلال أشهر قليلة إلى العجز الحكومي عن تمويل شراءات ضرورية تخص المواد الأساسية، أو العجز عن توفير الرواتب لمئات الآلاف من الموظفين الحكوميين.

8