الطبقة المتوسطة تتمرد على القوانين الصارمة في إيران

الأربعاء 2016/11/09
الشباب يتحدى القيود على الحرية

طهران - لبس العريس بدلة رسمية زرقاء داكنة، والعروس فستانا على المقاس يحمل رسوما على شكل قشور السمك مستوحاة من صور عثرت عليها على موقع إنستغرام. وزع الندل تورتة فرنسية، بينما كان الضيوف يقفون بازدحام على مرقص ينبض تحت أضواء احترافية، وما إن أطلق الدي جي أغنية غانغنام ستايل حتى علا هتاف الشابات المرتديات لفساتين ضيقة، وشعورهن مسدولة على أكتافهن العارية.

تبدو هذه الصورة، التي نقلها شاشان بنغالي ورامين مستغيم، عادية جدا، لو كانت التغطية التي قاما بها لفائدة صحيفة لوس أنجلوس تايمز، تتعلق بحفل زفاف وقع في أي مكان من العالم، لكن تصبح استثناء عندما يكون هذا الزفاف في إيران.

يعلق العريس، سرمد خذيري، البالغ من العمر ثلاثين عاما، على هذه “المغامرة” التي قام بها حين اختار أن يحتفل بزفافه على الطراز الغربي، بقوله “نحن نمثل التغيير في المجتمع". ما قاله العريس، وما عكسته أجواء حفل زفافه، يعدان تحديا كبيرا لسلطة آيات الله في إيران.

خلال جولتهما في طهران، انتبه شاشان بنغالي ورامين مستغيم إلى أن الإيرانيات، الشابات بالخصوص، كنّ يرتدين اللباس الإلزامي (الحجاب والمعاطف الطويلة)، لكن اللافت في هذا اللباس أنه لم يكن فضفاضا كما هو متعوّد على رؤيته، بل كان لصيقا بشكل واضح على الجسد.

وكان لافتا أيضا أن يتواجد الشباب في الشوارع والحدائق العمومية بصحبة صديقاتهم بالرغم من التحذيرات من اختلاط الجنسين؛ كما لم يعد يخفي الإيرانيون بشكل كبير الأطباق اللاقطة، الممنوعة رسميا، التي تعتبر وسيلتهم للانفتاح على العالم الخارجي ومشاهدة البرامج الأجنبية.

ولتفادي الاضطرابات الاجتماعية يضطر المسؤولون في النظام في إيران إلى غض الطرف على قدر معين من التمرد الثقافي فيعدلون معاييرهم وفق المزاج العام للشعب، الذي يشكل أكثر من 60 بالمئة منه أقل من ثلاثين سنة، وقد أعطى هؤلاء إشارة بأنهم يريدون تدخلا أقل في حياتهم الخاصة.

في إيران حتى امتلاك كلب يعتبر عملا سياسيا. وعادة ما يقطب المتمسكون بالتقاليد وجوههم لرؤية أفضل صديق للإنسان، حيث يعتبرونه نجسا وعلامة على انحلال الغرب

لكن، هذا التسامح الظاهري، سرعان ما يتحول إلى قمع، عندما تنشط “شرطة الأخلاق” بكثافة. ويعرف عن أفراد هذه الشرطة قيامهم بمسح مساحيق التجميل عن وجوه النساء وغلق دكاكين الحلاقة التي تقوم بقصات شعر على الطريقة الغربية.

وفي يوليو اقتحمت الشرطة حفلة على أطراف العاصمة طهران وأوقفت 150 شابا وشابة بتهمة الحضور في تجمع مختلط والتخطيط لتسجيل شريط فيديو.

وقال محسن أريا، أحد الشريكين في الأستوديو الذي صور حفل زفاف الخذيري، إن رجال شرطة يرتدون زيا عاديا قاموا بمداهمة حفل استقبال أحد زبائنه، قبل عامين وحجزوا آلات تصوير فريقه ومعداته متهمين فريق التصوير بمخالفة القوانين.

وأخلت المحكمة سبيله لكنه وجد حسابه على موقع إنستغرام معطلا واسمه على قائمة سوداء تابعة لمجموعة شبه عسكرية على الإنترنت، وهي وسيلة لتخويف من تعتبرهم السلطات مخالفين للقانون.

لكن، مثل هذه الممارسات لم تعد ترهب الإيرانيين، حيث تظهر علامات على التغيير في كل مكان بطهران، وتقود هذه “المقاومة” الطبقة المتوسطة التي منيت بخيبات أمل اقتصادية وسياسية، وتبدو مصممة على اختبار الحدود التي تسمح بها الحكومة.

"يمنع دخول الكلاب"

في إيران حتى امتلاك كلب يعتبر عملا سياسيا. وعادة ما يقطب المتمسكون بالتقاليد وجوههم لرؤية أفضل صديق للإنسان، حيث يعتبرونه نجسا وعلامة على انحلال الغرب، وفي منتزه على أطراف طهران تجد علامات تحذر “يمنع دخول الكلاب”.

في النهار معروف عن حراس الأمن طرد الأشخاص الذين يجلبون حيواناتهم الأليفة إلى المنتزه، لكن في المساء لا يكترث أحد لوجود تجمع من الحيوانات على منحدر معشب رحب. كانت ماغي، كلبة من فصيلة الجيرمان شيبرد، تجري ذهابا وإيابا على العشب، فيما كانت كلبة رمادية ضخمة من نوع الهاسكي اسمها جاسيكا تلعب مع مالكها.

تحدثت سوزان مختياري (39 سنة)، قائلة إن المتنزه يعتبر أحد الأماكن القليلة التي تستطيع جلب كلبتها روبينا إليها. وتشير مختياري إلى أنه، بسبب كلبتها، يتجنبها الكثير من جيرانها.

ستايش وسوغام غاديمي، وهما أختان توأم تلبسان بشكل متماثل حذاء رياضيا أسود لامعا، وتتدلى خصلات شعر من تحت الحجاب، تأتيان كل مساء مع كلبيهما إلى المنتزه. لكن ليس دائما ما تفلت الفتاتان من قبضة “شرطة الأخلاق”، فذات مرة صرخ شرطي في وجه ستايش “غطي شعرك”. وفي مرة أخرى وُبخت على الكلمات الإنكليزية المطبوعة على حجابها. لكن، ستايش، وشقيقتها تؤكدان “هذه طريقتنا في التمرّد. يجد الناس دائما طرقا لإظهار شخصياتهم الحقيقية، مهما فعلت الحكومة”.

لتفادي الاضطرابات الاجتماعية يضطر المسؤولون في النظام في إيران إلى غض الطرف على قدر معين من التمرد الثقافي فيعدلون معاييرهم وفق المزاج العام للشعب

الهروب إلى الثقافة والفنون

داخل مكتبة صغيرة مرتبة في وسط طهران حيث توجد على الحائط صور لفلاسفة غربيين، أخرج المالك محمد علي بهجت أعمالا للصوفيين والفلاسفة الزردشتيين والمعلم الروحي الهندي الأميركي ديباك شوبرا.

ويقول بهجت، الذي أسست عائلته إحدى دور النشر المستقلة والقليلة في البلاد، إن الكتب تجذب الإيرانيين الذين يبحثون عن فضاء سيكولوجي يفصلهم عن المؤسسة. ويعلق بالقول “هذا لا يعني أن الناس ملحدون أو معادون للإسلام، بل يعني أن الطبقة المتوسطة ملت من القراءة الرسمية للدين المفروضة عليهم سياسيا”. بينما كان بهجت يتحدث، كان هناك زبون يتصفح كتابات عن الآثار الكردية؛ قال إنه محمد رشيدي (32سنة)، وهو أحد أفراد الأقلية الكردية المهمشة. وأضاف رشيدي، الذي يحمل شهادة جامعية في علم الآثار، لكنه يعمل تقنيا في الإعلامية “أبحث عن هويتي. لذلك درست علم الآثار والتاريخ، لكي أعرف أجدادي وجذوري، وحتى أكون على مسافة من زاوية النظر الثورية”.

يختبر المسرح هو الآخر حدود النظام السلطوي، وعكست ذلك مسرحية أنتجت مؤخرا، مقتبسة عن رواية إيفانوف للكاتب المسرحي الروسي أنطون تشيخوف، مع إعادة تخيّل للشخصية الرئيسية على أنه مثقف ليبرالي أصيب بالاكتئاب بسبب الركود السياسي والاقتصادي في إيران.

كان يتواجد، في مبنى المسرح المبني من الآجر الأحمر، رجال يلبسون سراويل دجينز ضيقة ويدردشون مع نساء يلبسن وشاحات مشدودة إلى الجزء الخلفي من رؤوسهن، بطريقة تظهر شعورهن من الأمام. وعندما انطفأت الأضواء قامت امرأة بخلع حجابها.

عندما يحل الظلام، يشعر الإيرانيون بأكثر حرية؛ مثلا في حفل زفاف الخذيري الذي جرى في حديقة منعزلة خارج المدينة اختلط الرجال والنساء بشكل مريح. لم ترتد العروس وصديقاتها الحجاب، ولبس الرجال ربطات عنق. وقال الخذيري، الذي يعمل في مجال الاتصالات وهو ابن بيروقراطيين متقاعدين، وعروسه شهرزاد بولندكيش، وهي موظفة في شركة لتكنولوجيا المعلومات، تبلغ من العمر 30 سنة “حاولنا القيام بالاحتفال بطريقتنا، ولقد أقنعنا عائلتينا. صحيح أننا تأثرنا بالإنترنت لكننا نرى أن أسلوبنا يمثل أسلوب الكثير من الناس في إيران”.

فكر الخذيري في الجزء المفضل لديه من حفل الزفاف، ثم قال إنه كان في نهاية الحفل عندما رقص هو وعروسه رقصة التانغو قبل أن يودعا الحاضرين، ويغادرا إلى أوروبا الشرقية حيث سيقضيان شهر العسل.

12