الطبقية الرقمية تعزل الفقراء عن القرية التكنولوجية

الدول النامية لم تستطع أن تحقق الفائدة القصوى من قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الرغم من الفرص التي تتيحها الابتكارات لتطورها.
الاثنين 2018/08/06
التمييز بين الطبقات لا يختفي، لكن الطبقات تتعلم طرقاً جديدة للتعبير عن نفسها

أصبحت مقولة “الإنترنت حولت العالم إلى قرية صغيرة” متجسمة في الواقع، بعد مضي أكثر من ربع قرن على انطلاق الإنترنت التجاري، لكن الجانب المظلم من العصر الذهبي لتقنية المعلومات والاتصالات أنها لم تضيّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فرغم ازدياد عدد المرتبطين بشبكة الإنترنت بوتيرة مذهلة، يظل هنالك الملايين من الناس يجهلون معنى هذا الاختراع، ولا يستفيدون منه في أي مجال من مجالات حياتهم، ما يحرمهم من فرص الرخاء والتطور.

في مطلع الألفية الجديدة، أبدى متحمسون كثر للشبكة العنكبوتية وعبروا عن تفاؤلهم في أن تكون وسيلة جماهيرية بامتياز، وتلعب دورا كبيرا في توصيل المعرفة وإكسابها للشعوب الفقيرة، متوقعين أن يعزز هذا المناخ الرقمي المنفتح الحدود، جهود مكافحة الفقر بشكل عام في الدول النامية.

ويعتقد الباحث القانوني الأميركي كاس سانستين أن هذا الفضاء الواسع قد يساعد على تجاوز عوائق اجتماعية وجغرافية بين البشر، مؤسسا لنظرة أكثر توازنا للعالم، وفي نفس الوقت يحذر من أن يؤدي إلى حواجز كبيرة، تجعل البعض يصطفون في خنادق تجمعهم بمن لهم نفس آرائهم فقط، وتفصلهم عن المخالفين لهم في وجهات النظر.

لكن الأمر يتجاوز مجرد التخندق السياسي والاستقطاب الفكري، ليخلق نوعا من “الطبقية الرقمية”، وإن كان هذا المصطلح لم يطرق بعدُ من قبل علماء الاجتماع والاقتصاد، فإنه يحيل على صورة غير مشرقة لملايين الفقراء المحرومين من حق استخدام الإنترنت، بل لم تلمس أيديهم يوما جهاز كمبيوتر أو هاتفا جوالا، فيما يستأثر الأغنياء بكل المزايا التكنولوجية.

وعلى الرغم من الفرص الضخمة التي تتيحها الابتكارات لتطور الدول، لم تستطع الدول النامية والناشئة أن تحقق الفائدة القصوى من قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

الفقر الرقمي ينتشر في الدول الأكثر فقرا، ويحرمها من الفرص التي يقدمها قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

وفي الوقت الذي انتشرت فيه خدمات الهواتف الجوالة في الأقاليم الكبرى بأفريقيا، ما زالت خدمات “واي فاي” أو الاتصال اللاسلكي بالإنترنت غير موجودة في المكاتب والمنازل أو المقاهي أو نادرا ما توجد حتى في المدن الكبرى.

وكان تقريرا سابقا صادرا عن المنتدى الاقتصادي العالمي قد كشف عن فشل اقتصادات الدول الصاعدة والنامية في استثمار إمكانات وقدرات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، واللحاق بركب الدول المتقدمة.

وفي المقابل تقوم الدول المتقدمة بتوظيف التكنولوجيا لتحقيق الازدهار والرخاء الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي خلق انقساما رقميا متعدد الأوجه، ليس فقط على مستوى الدول بل وأيضاً ضمن الدول، حيث بين التقرير أن الفقر الرقمي ينتشر في الدول الأكثر فقرا، ويحرمها من الفرص التي يقدمها قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وأكد التقرير على عمق الارتباط ما بين تبني تقنيات المعلومات والاتصالات من قبل الأفراد والشركات والحكومة، والقدرة على تحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي الجيدين، مشددا على أن قادة الحكومات الذين ينشئون بيئة تنظيمية وتجارية جيدة ضمن أسواق تقنيات المعلومات والاتصالات التنافسية هم من العناصر الأساسية التي تحتاجها جميع الدول.

وإذا ما تم إلقاء نظرة فاحصة على الإحصائيات الرسمية للاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية التي بينت أن نسبة مستخدمي الإنترنت لعام 2018 لم تتجاوز في القارة الأفريقية 2.35 بالمئة فقط من السكان، فيما وصلت في الولايات المتحدة وكندا إلى 95 بالمئة، فإن ذلك يكشف بصورة دقيقة عن الفجوة الرقمية التي ما زالت الكثير من الدول عاجزة عن عبورها، فيما تظل السيطرة بشكل عام على هذا المجال في يد الدول الغنية.

يقول عالم النفس الاجتماعي البريطاني ريتشارد هوغارت “التمييز بين الطبقات لا يختفي، لكن الطبقات تتعلم طرقاً جديدة للتعبير عن نفسها. مع كل عقد من الزمان نقول إن الطبقية ماتت، لكن الكفن يبقى فارغاً”.

ولعل قوله يحيل على سؤال أكثر أهمية، لا يتعلق بما إذا كان التقسيم الطبقي موجودا فعلا في العالم الافتراضي، ولكنه يدور حول ما إذا كان الممكن قد يجعل التكنولوجيا متاحة للفقراء في السنوات القليلة القادمة؟

في كتابه “ثورات في مجال الاتصالات: تاريخ الإعلام من غوتنبرغ إلى العصر الرقمي”، يقول بيل كوفاريك، أستاذ الاتصالات بجامعة رادفورد بولاية فرجينيا الأميركية، “كلما انخفضت تكاليف وسائل الإعلام، فإنها قد تطلق الشرارة الأولى للتغيير الاجتماعي”، لكن يبدو أن هذا الطموح، سيبقى معلقا ما لم تجد الشعوب الأقل حظا من الناحية المادية من يساعدها على اللحاق بركب التكنولوجيا.

12