الطبيب سكفان خليل هدايت يفحص سيرة معاناة الأكراد

المجموعة القصصية "حارس النرجس"، للطبيب القاص سكفان خليل هدايت، هي من منشورات اتحاد الأدباء الأكراد بدهوك، قدّم لها ماجد الحيدر الذي وصفها بالقول إنها “إذا كانت القصة القصيرة فنا شبيها بالتصوير الفوتوغرافي، فإن سكفان خليل يؤدي فيها دورا أكثر قربا من عمله النبيل الآخر: طبيبا مختصا بالفحص الشعاعي”.
السبت 2015/06/27
استخدام المؤلف للرموز الكردية ربما كان وسيلته عن كيفية تقديره لهم ولما قدموه

يهدي سكفان خليل هدايت مجموعته القصصية “حارس النرجس” إلى روح والديه، إذ يبدو من الإهداء أنّ الدكتور سكفان خليل هدايت ممتن جدا لما قدمه له والداه، فاعتبر إهداءهما أول كتاب أدبي هو بمثابة تكريم لهما، إذ أن باكورة أعمالنا الأدبية إنّما هي أثمن ما نملك.

الملفت هنا أنّ القاص هو طبيب مختص بالفحص الشعاعي، ربما تكون لاختصاصه هذا علاقة باقترافه الأدب وكتابة القصة القصيرة، وإن كانت تجربة غير ناضجة وتحتاج إلى الكثير من الممارسة، إلا أنها وسيلته لعكس واقع مرير، فيه الكثير من الغبن لبني قومه وأبناء جلدته على مرّ التاريخ.

عمق التاريخ

من عمق التاريخ مرورا بمعاناة الإنسان الكردي، تباهيا بالطبيعة والتراث، اعتزازا بالشهادة، وصفا للأحدث، وتخيلا للمواقف، ثلاث وستون قصة قصيرة من عناوينها تحس بغزارة الكلمة والمعنى، وتحس بأن ما يقدمه سكفان خليل هدايت في مجموعته القصصية “حارس النرجس” ليس فقط شيئا مميزا بل يغوص في الطبقات الداخلية غير المرئية من المشهد الإنساني كما يقول ماجد الحيدر في تـقديمه للمجموعة.

سكفان هدايت في كتابه يضع كل إمكاناته الأدبية في خدمة القصة، التي أراد بها أن تكون وسيلته للتعبير عن انتمائه، فأكثر القصص التي تناول فيها مجموعة من الرموز الكردية والتي هي بمثابة تابوات للأكراد “ليلى زانا- ليلى قاسم- شفان برور- قاضي محمد- شيخ معشوق خزنوي- شيخ سعيد بيران…” وغيرهم.

يبدأ قصصه التي تتعلق بذلك بقصة “ليلى زانا” ومن لا يعرف ليلى زانا، ربما لا يعلم شيئا عن نضال المرأة الكردية، تلك القصة يقسمها إلى مقاطع ثلاثة قصيرة “الاحتجاج- العار- الهدية” اختصارا لسيرة ليلى زانا، ثم إنه ذيّل نهاية القصة بما يؤرخ المحطات الأكثر إيلاما في تاريخ المناضلة الكردية ليلى زانا ابتداء من اعتقالها حتى يوم إطلاق سراحها، وذلك بعبارات مقتضبة استطاع بها إيجاز السنوات العشر من الحكم الجائر بحقها.

سكفان هدايت في كتابه يضع كل إمكاناته الأدبية في خدمة القصة المراد بها أن تكون وسيلته للتعبير عن انتمائه

وقياسا على ذلك تناول مجموعة الرموز الكردية الأخرى والتي جاءت تحت العناوين “ليلى زانا- المنصة- شفان برور- المطرب- الشاعر- الشيخ الشهيد- التضحية”.

أما باقي القصص فقد تنوعت في المضامين التي تصبّ كلها في خانة فكرة واحدة، وهي رغبته في بيان موقفه من بعض الأحداث، وبعض الشخصيات التي عملت على طمس الهوية الكردية التي تغنى بها، مرورا بإحدى القصص التي جاء فيها على ذكر اللغة الكردية نفسها “استحالة- حكاية علم- حقوق- صدام- الحاكم- الوريث- تاريخ يُروى…” وغيرها من القصص الواردة في الكتاب الذي ضمّ عددا كبيرا منها حسب رأي المؤلف.

استخدام المؤلف للرموز الكردية ربّما هي وسيلته عن كيفية تقديره لهم، ولما قدّموه ولكن إلى درجة أن حوّلهم إلى أبطال قصص قصيرة، وبأسلوبه الذي تأرجح ما بين التعريف بتلك الشخصيات عن طريق النثر الأدبي وبين أسلوب المقالة، الأمر الذي جعل تلك الشخصيات تفشل في التأثير على القارئ، فالأسلوب الغالب على قصصه هو أسلوب مقالة أدبية بعيدة نوعا ما عن القصة بعناصرها ومقوماتها المتعارف عليها “شخصية- حبكة- فكرة- حدث- مكان- زمان”.

توظيف الدلالات

تأرجحت القصص مابين السردي العادي، دون دلالات إيحائية تحيلها، وبين المغرق في الرمزية، حتى تبدّى للقارئ أنها لكاتبين.

ثم إنّ بعض القصص لا تملك مقوّمات القصة وإنما تبدو عبارة عن تعريفات وتسويفات حاول من خلالها إيصال فكرة إلى القارئ أو المتلقي وكانت محور الكتاب، وهي تعريفه بالأكراد ورموزهم، ربما لو كتب في ذلك عدة مقالات لكان أكثر قدرة على الإلمام بكل جوانب الموضوع وشخصيته التي أراد استحضارها من عمق التاريخ.

الكاتب يتحسس طريق الإبداع

أما عن شخصيات طبيبنا القاص فقد حاول قدر الإمكان توظيف مكونات الطبيعة لتكون أداته التعبيرية عن فكرته الأحادية الجانب، فقد استخدم النباتات- الجمادات- وجعل من العاهات البشرية شخصية، ومن الصفات الإنسانية شخصية، واعتمد على الكائنات البشرية أكثر فكان بعضها من عمق التاريخ وكان البعض الآخر بشرا عاديين من لحم ودم نكاد نلمحهم كل يوم، ويجدر بنا القول أن القاص وُفِّق في توظيف كل ما سيكونشخصية محورية، وهذه براعة تحسب له وليس عليه.

لكن القصص رغم ذلك افتقرت إلى عامل التأثير في القارئ، لأنها بكل بساطة سقطت عن كونها قصصا، بل كانت عبارة عن مقالات أدبية أو تقارير إخبارية حاول من خلالها التعريج على بعض الأحداث التاريخية، التي وظّفها قدر المستطاع ليكون كتابه بذلك كتاب تاريخ أدبيا.

ثم إن هناك بعض القصص قد لا يكون لها معنى، وقد نحيلها إلى المقولة الشهيرة “المعنى في قلب الشاعر” لما تضفيه من رتابة وملل “البعوض- المخاضة- الجزاء- سورة غضب…”. أما الرمز أو إغراق نصوصه بالرمزية، فهي إشارات واضحة على واقع مجتمع مكتظ برموز الفساد، ونكاد نلمس هذه المعاني في معظم القصص “الوحش- مصائر- خصام ومتفرجون…” وغيرها.

ليبقى لنا أن نتحدث عن قصة “حارس النرجس”، القصة الأكثر تقديرا عند القاص الطبيب والذي عنون كتابه بها، لنأتي على تقييمها فنقول: إنها أهم قصة في الكتاب، ولنعطيه الحق في عنونة الكتاب بها، فهي قصة قصيرة بامتياز وما كان صاحب الكتاب يعنون كتابه بها لولا قناعته أنها قصة متكاملة من بين العناوين التي غاص فيها الكتاب”.

هذا الجهد بكل ما فيه يحسب للطبيب سكفان خليل هدايت، وما هي إلا تجربة أولى في حقل الأدب، ولكن يسعنا القول أيضا لو أن الطبيب تمهّل قليلا ريثما تنضج تجربته القصصية، أو ربما لا بدّ من القول أن المولود الأول يجب أن يولد سويّا، حتى نبرر كل ما قلناه، ولكن من الواضح أن طبيبنا في قرارة نفسه يمتلك موهبة الكتابة، ولكنه بحاجة إلى دعم هذه الموهبة بما يجعلها تتقدّم.

16