الطبيعة والعلم والفلسفة سر توازن الوجود

الكاتب مصطفى الفقي لا يكتفي بالحديث عن الأمراض، وهو يتناول الوجود بأسره بل ينعطف ليتوقف عند حجم الكوارث الكبرى التي تعبر عن الطبيعة الغاضبة.
الأربعاء 2018/08/08
مصطفى الفقي يرى أنه لا توجد في تاريخ المعمورة كائنات بلا جدوى

القاهرة- أكد الدكتور مصطفى الفقي في كتابه “فلسفة الكون وتوازن الوجود” أن الكون يرتكز على فلسفة تستحق التأمل، لأن الوجود يقوم على توازن يثير الدهشة، بل إن الكوارث الكبرى في تاريخ البشرية والأوبئة التي اجتاحت الإنسانية هي تعبير ضمني عن تلك الفلسفة وذلك التوازن، فكتب التاريخ العسكري تكشف عن أن وباء “الطاعون” حصد أرواح عشرات الآلاف من الجنود، وحسم المعارك وقهر الغزاة، كما أن مرض “السل” استشرى بشكل وبائي في التجمعات العمالية المكدسة إبّان عصر الثورة الصناعية في أوروبا حتى اجتاح العالم بشكل وبائي قبل اكتشاف “البنسلين” وغيره من المضادات الحيوية.

ويتساءل الفقي هل ننسى مرض “الكوليرا” الذي اجتاح الريف المصري في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي؟ وهل غابت عنا الآثار الفتاكة “للملاريا” في أدغال أفريقيا وأحراش آسيا؟ معتبرا أن ذلك من حكمة الخالق الذي يبتلي البشرية بموجات من الكوارث والأوبئة ليقول للإنسان إنك “لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا”.

وعندما تقدم البحث العلمي أطل داء لعينٌ على إنسان العصر، ويعني به الباحث مرض “السرطان” الذي يظن أنه كان موجودا منذ بدء الخليقة، ولكن الذي حدث هو أن وسائل التشخيص وأساليب اكتشاف المرض هي التي تقدمت، ووضعته على خارطة الحياة ليؤكد عجز الإنسان، ويثبت أن إرادة الله فوق كل شيء، بل إن عالم الحيوان قد دخل وسيطا في الأمراض منذ القدم، بدءا من “برغوث” على ظهر فأر يحمل جرثومة “الطاعون”! مرورا ببعوضة “الملاريا” ودودة “البلهارسيا” وصولا إلى “جنون البقر” و”أنفلونزا الطيور”.

يقرّ الفقي في بحثه بأن هناك دورة معقدة توحي بأن الله الذي أراد أن يعاقب “إنسان الرذيلة” منذ نهايات القرن الماضي هو الذي بعث بمرض نقص المناعة “الإيدز”، وجعل نقطة انطلاقه حيوانية هي الأخرى، حيث بدأ من القردة ليعيد للإنسان رشده، ويفرض عليه قدرا من الحذر والعفة، كانت حياة الإنسان الماجنة بحاجة إليهما، وهكذا تتحكم قدرة الخالق الذي يجب أن نسلم بوجوده مهما تكن ديانتنا ومعتقداتنا، لأن لكل شيء سببا، في مسيرة الحياة وتوازن المخلوقات من الناحيتين البيولوجية والأيديولوجية حتى تدرك البشرية كلها أنها في “قارب واحد”.

رحلة طواف
رحلة طواف

لا يكتفي الكاتب بالحديث عن الأمراض، وهو يتناول الوجود بأسره في محاولة لاكتشاف مقومات تلك الفلسفة وعناصر ذلك التوازن، بل ينعطف ليتوقف عند حجم الكوارث الكبرى التي تعبر عن الطبيعة الغاضبة بين حين وآخر، من زلازل مروّعة وأعاصير مهلكة وفيضانات مدمرة وبراكين مخيفة، إنه بحق وجود مضطرب يضيف إليه الإنسان مصادر أخرى للتوتر والقلق والعذاب؛ من الحروب الدامية والصراعات الطاحنة والجرائم المنظمة.

ويوضح أنه لا توجد في تاريخ المعمورة كائنات بلا جدوى -حتى ما اندثر منها- “فكل ميسر لما خلق له”، وقد نتساءل أحيانا عن جدوى وجود الحشرات الضارة والزواحف السامة والوحوش المفترسة، ويغيب عن ذهننا أن وجودها هو ضرورة للتوازن البيئي واستمرار للحياة على الأرض، ويكفي أن نتذكر أن من لدغات النحل يخرج العسل غذاء للمرضى.

ويتوقف المؤلف أمام دورة الحياة متأملا إياها، حيث الإنسان يأكل الحيوان والنبات، والحيوان يأكل النبات، وقد يأكل الإنسان أيضا في دورة عجيبة توحي بأن الخلقة المنتظمة للوجود مرتبطة بالعناصر السابقة دون تفرقة، بل إن مثار الدهشة الحقيقية هو ذلك التشابه الكبير بين الإنسان والحيوان خصوصا الثدييات، وهو ما يؤكد أن نظرية داروين وإن كانت تحتاج إلى مراجعة إلا أنها لا تخلو من متعة فلسفية في طرحها لمفهوم النشوء والارتقاء.

يرى المؤلف أيضا أن حدود التوازن في الخلق لا تقف عند التوازن “البيولوجي”، ولكنها تتجاوز ذلك إلى التوازن “الأيديولوجي”، بين مختلف المعتقدات والديانات والفلسفات في ربوع الدنيا، ويقول “لقد عشت في الهند أربع سنوات، بدت لي فيها تلك الدولة العظيمة وكأنها متحف للزمان والمكان في آن واحد، ففيها توليفة كبيرة من كل شيء، فيها الغنى الفاحش والفقر المدقع، فيها الموحدون والوثنيون، وفيها لغات بغير عدد وكأنما يبدو ذلك تأكيدا لما جاء في القرآن الكريم “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.

ويوضح الفقي وجهة نظره حيث إن النفس البشرية والعقل الإنساني هما أشدّ تعقيدا بآلاف المرات من أكثر أجهزة الكمبيوتر تقدما ورقيا، وهو لا يزال يستمتع بتذكر جلوسه في مقهى “لاندمان” في العاصمة النمساوية، وعلى الطاولة نفسها التي كان يجلس عليها العالم النفسي المشهور سيغموند فرويد لكي يربط بين التيارات المادية في الفكر الإنساني لأوروبا الحديثة من “الماركسية” إلى “الدارونية” وصولا إلى “الفرويدية”، في محاولة من أصحاب هذه النظريات لصياغة فلسفة جديدة للكون والخروج بنظرية متوازنة للوجود، ولا يظن أنهم نجحوا تماما في ذلك.

يمكن القول إن كتاب “فلسفة الكون وتوازن الوجود” هو رحلة طواف سريع حول الآثار الناجمة عن محاولات تلقائية تسعى بها الطبيعة من جانب، والبشر من جانب آخر لإحداث توازن الوجود.

15