الطب التجميلي متنفس اللبنانيين رغم الأزمات

الشغف المتزايد بعمليات التجميل أحد وجوه الرفض الرمزي للموت.
السبت 2021/07/31
الجمال لا يتأثر بالأزمات

رغم الأزمات المتتالية التي يمرّ بها لبنان تبقى عمليات التجميل عند بعض اللبنانيين واللبنانيات من أساسيات الحياة اليومية. وتتخذ عمليات التجميل في لبنان منحى تصاعديا ويتم الإقبال عليها بشكل غير مسبوق.

بيروت - عندما انتشر خبر فقدان مادة “البوتوكس” في لبنان في نوفمبر الماضي نزل هذا الخبر كالصاعقة على رأس اللبنانيات واللبنانيين على حد سواء والذين عبّروا عن استيائهم في مقاطع فيديو مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي. وعندما أعلن أحد الأطباء عن ذلك في مقطع فيديو فقد أثار ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا أن البوتوكس من المواد الأكثر استخداما اليوم في عالم التجميل.

ثقة في النفس

الإقبال على أمور غير متوقعة  مثل عمليات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة والجسم والشعر  يزيد أوقات الأزمات
الإقبال على أمور غير متوقعة مثل عمليات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة والجسم والشعر يزيد أوقات الأزمات

يقاوم الطب التجميلي في لبنان الأزمات التي عصفت ببلاد الأرز منذ خريف عام 2019، رغم التحديات التي تواجه الأطباء والمرضى، ولا يزال الإقبال عليه مستمرا باعتباره متنفسا ومجالا لتعزيز الثقة في النفس.

ويتمثل الطب التجميلي بمجموعة أعمال طبية تهدف إلى التدخل لتحسين مظهر الشخص الخارجي، بما يشمل التخفيف من آثار الشيخوخة عبر استخدام مجموعة من التقنيات وأوجه التدخل الطبي.

وينتشر هذا النوع من الطب بشكل واسع في لبنان، وهو يعتمد تقنيات طبية متعددة لا يقوم بها إلا متخصصون، ويدخل ضمن الأعمال الطبية التي تجذب الكثير من غير اللبنانيين في إطار الطب السياحي. واتخذت وزارة الصحة العامة اللبنانية منذ عام 2012 مجموعة من الإجراءات لتنظيم هذا العمل الطبي وإبعاده عن المتدخلين به من غير الاختصاصيين.

وبدأ الطب التجميلي في لبنان في الجامعة اليسوعية بداية سبعينات القرن الماضي، بحسب ما أوضحه الدكتور سامر أبوزيد، المتخصص في جراحة التجميل والترميم لوكالة الأنباء الألمانية “مع أول طبيب تجميل في لبنان، الدكتور روبير داوود، وهو من أوائل الأطباء المتخصصين في الجراحة التجميلية الذي أنشأ جمعية أطباء التجميل في لبنان، بالإضافة إلى عدد من الأطباء في الجامعة الأميركية، وبعدها انطلق الطب التجميلي في لبنان جيلا بعد جيل، وتعددت تخصصاته”.

وقال الدكتور أبوزيد إن الطب التجميلي في لبنان “متقدم لأن غالبية الأطباء تخصصوا في الخارج وهناك الكثير من التقنيات الجديدة المستخدمة في لبنان”، موضحا أن “نسبة كبيرة من اللبنانيين الذين يعيشون خارج البلاد، إناثا وذكورا، يُجرون عمليات تجميلية في لبنان لأن ثقتهم عالية في الطب اللبناني من جهة، ولأن هذه العمليات في لبنان كلفتها أقل بحوالي 50 في المئة مما هي عليه في بلدان أخرى”.

وأضاف أن “نسبة المرضى من البلدان العربية كانت مرتفعة قبل حظر السفر من قبل بعض هذه البلدان إلى لبنان، ولا يزال العراقيون يأتون إلى لبنان لإجراء بعمليات تجميلية”. وأشار إلى أن “الإقبال على العمليات التجميلية يختلف بين فئة عمرية وأخرى، وبين الذكور والإناث”، لافتا إلى وجود “تعد من بعض الأطباء من ذوي الاختصاصات المختلفة على الطب التجميلي والجراحة التجميلية بشكل عام”.

وكشف أبوزيد أن “الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 17 و20 عاما يطلبن إجراء عمليات تجميل للأنف، وشفط دهون، أما اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و35 عاما، فيطلبن إجراء عمليات شفط دهون وتكبير حجم الصدر أو تصغيره. أما من تجاوزن الأربعين، فيطلبن إجراء عمليات شد المناطق التي ترهلت بعد الولادة، واللواتي تتراوح أعمارهن بين 45 و60 عاما يطلبن إجراء عمليات شد العيون وشد الوجه وحقنه بالدهون”.

أما بالنسبة إلى الرجال، فيقول الدكتور أبوزيد “غالبا ما يطلبون استئصال الدهون من منطقة الصدر، خاصة الفئات العمرية الصغيرة، بالإضافة إلى عمليات تجميل الأنف، أما الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و60 عاما، فيطلبون إجراء عملية شفط الدهون، فيما يطلب كبار السن إجراء عملية جراحة الجفون”.

ورأى أبوزيد أن “وجود الطب التجميلي دفع الناس إلى الاستفادة منه كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في رواج هذا النوع من الطب”.

وأوضح أن “قطاع الطب التجميلي تأثر بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان، ولكنه لا يزال يقاوم، حيث شهد هذا القطاع تراجعا في عدد المرضى، وفي بعض الأدوية، وعدد الأطباء الذين تركوا لبنان بسبب الأزمة”.

وأشار إلى “ازدياد أعداد عمليات التجميل خلال الأزمة التي بدأت في خريف العام 2019 لأن اللبنانيين الذين احتجزت أموالهم بالعملات الأجنبية في المصارف، فضلوا القيام بعمليات لم تكن تدخل في مخططاتهم لولا هذه الأزمة، وكانت فترة الحجر الصحي بسبب وباء كورونا فرصة مناسبة لبعضهم لإجراء مثل هذه العمليات”.

مقاومة رمزية

طريقة لمحاربة الضغوط
طريقة لمحاربة الضغوط

يعتبر بعض الباحثين أن الاندفاع المتزايد باتجاه الطب التجميلي يندرج في إطار رفض الموت رمزيا باعتباره النهاية والذي رفضه الفكر البشري على مرّ العصور وابتدع طقوسا حولته إلى مرحلة انتقالية.

ويُقبل العديد من اللبنانيين، من النساء والرجال، ومن مختلف الأعمار على العمليات التجميلية في لبنان كما يُقبل غيرهم من رواد السياحة الطبية من العرب والأجانب رغم تراجع هذا النوع من السياحة منذ أكثر من عام.

وقال الدكتور شادي فضول المتخصص في الطب التجميلي لوكالة الأنباء الألمانية “لا يزال الإقبال على العمليات التجميلية مرتفعا، رغم الأزمة المالية والاقتصادية التي يرزح تحتها اللبنانيون، وهذا أمر خبرته في عيادتي، بسبب مراعاتي لظروف الناس في هذه الأزمة من جهة، ما يشكل تحديا مهما، والاستمرار باستخدام المواد الطبية ذات الجودة العالية من جهة ثانية”.

وأشار فضول إلى أن “لكل طبيب استراتيجيته للتصدي لهذه الأزمة ولا يمكن التعميم، فبعض الأطباء رفضوا مراعاة الظروف المادية والاقتصادية التي يمر بها اللبنانيون، وراهنوا على سفرهم إلى خارج البلاد”.

وأضاف “لا شك أن اللبنانيين، نساء ورجالا، تأثروا بالأزمات التي تعصف بلبنان وباتوا يحسبون كلفة العمليات التجميلية، الجراحية منها أو غير الجراحية، ولكن ما دفعهم للقيام بمثل هذه العمليات رغم الأزمات هو الضغوط العديدة التي تعرضوا لها، حيث احتجزت أموالهم في البنوك وتم تقييد حركتهم الاقتصادية، بالإضافة إلى الضغوط التي فرضتها جائحة كورونا واحتجازهم في المنازل، فبات الطب التجميلي في هذه الحالة متنفسا يشعرهم بالقليل من الفرح”.

ولم يتأثر الطب التجميلي بالأزمة التي يعاني منها القطاع الطبي بشكل عام في لبنان، والمتمثلة بأزمة دعم المستلزمات الطبية من قبل مصرف لبنان، بحسب الدكتور فضول، “لأن المواد المستخدمة في الطب التجميلي لا تخضع أساسا للدعم، بل تؤمنها الشركات المستوردة بالعملات الأجنبية”.

ووصف الدكتور فضول الطب التجميلي في لبنان بأنه “من القطاعات المتميزة على مستوى عالمي”، مؤكّدا أن “لا خوف من انهياره، ولكنه يتعرض لبعض المشاكل كالتعدي من قبل غير الاختصاصيين واستخدام مواد لا تتمتع بمواصفات الجودة العالية من قبل هؤلاء”. وتحدّث الدكتور فضول عن مشكلة أخرى تواجه قطاع الطب التجميلي و”تتمثل بهجرة بعض الأطباء بسبب الأزمات التي يعاني منها لبنان، وتنقّل بعضهم الآخر بين لبنان والخارج بسبب عدم قدرة المرضى الأجانب من الوصول إلى لبنان وبالأخص المرضى في العالم العربي”. واعتبر أن العمليات التجميلية “اندرجت ضمن إطار الأمور الأساسية اجتماعيا ومهنيا، بعد أن باتت أحد معايير ترتيب المظهر الخارجي واحترام النفس والآخر، فيما كان الحديث عنها في الماضي من المحرمات”، مشددا على أهمية “ألا تنزلق هذه العمليات إلى حدّ المبالغة”.

وقالت منى قاصوف الناشطة الاجتماعية والمسؤولة عن اللجنة البيئية في المجلس النسائي اللبناني، إن “الطب التجميلي يعزز ثقة المرأة بنفسها، وبالنسبة إلي فإنه يزودني بالطمأنينة”، مشيرة إلى أن “الأزمة الاقتصادية والمالية أدت إلى تراجع الإقبال على عمليات التجميل”.

وإذا كان بعض اللبنانيين يجدون في الإقبال على الطب التجميلي متنفسا يفرج عنهم كروب الأزمات ويعزز ثقتهم بأنفسهم، فإن غالبية سكان البلاد من غير القادرين على تأمين حاجات العيش الأساسية يبحثون عن متنفس من نوع آخر، يسمح لهم، على الأقل، بتأمين الحدّ الأدنى من متطلبات العيش الكريم.

تأثير أحمر الشفاه

«مؤشر أحمر شفاه» يهدف إلى قياس صحة الاقتصاد عندما يتعثر
«مؤشر أحمر شفاه» يهدف إلى قياس صحة الاقتصاد عندما يتعثر

يزيد الإقبال على أمور غير متوقعة أوقات الأزمات مثل عمليات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة والجسم والشعر، التي تضاعفت بنسبة 234 في المئة، ويعدّ هذا تحولا كبيرا في أولويات الإنفاق لدى المستهلكين، وتبدو هذه الظاهرة مناقضة لطبيعة الأشياء، إلا أنّها حقيقية، وفق تقرير نشرته صحيفة “لوبوان” الفرنسية.

وهذه الظاهرة التي تدعى تأثير أحمر الشفاه تنتشر في فترات الأزمات، ففي الوقت الذي يتجه فيه المستهلك إلى إنفاق موارده غير المستقرة على السلع الضرورية فإنّ مبيعات التجميل غير الضرورية، ترتفع خاصة عند النساء؛ لأنّه عندما تكون الأوقات صعبة فإنّ النساء يملن أكثر إلى الاهتمام بأنفسهن.

وتم توثيق تأثير أحمر الشفاه بصورة ملحوظة في الثلاثينات من القرن الماضي، في فترة الكساد الكبير، تزامنا مع الوقت الذي كان فيه الجميع يتقشفون بشكل كبير في حياتهم، كانت منتجات التجميل تشهد طفرة غير متوقعة.

وأشار التقرير إلى أنه على سبيل المثال: في ألمانيا التي كان يوجد فيها 6 ملايين عاطل عن العمل نهاية عام 1932، كان بإمكان عملاق النظافة ومستحضرات التجميل “بيرسدورف” التفاخر بعدم تسريح العمال.

وحققت شركة “لوريال” نجاحا كبيرا بالتزامن مع أزمة 2007 – 2008 من تحقيق نمو كبير بنسبة 5.3 في المئة في الوقت الذي تكبدت فيه جميع الشركات الأميركية تقريبا خسائر قياسية وتم إغلاق الكثير منها.

وقال خبير التجميل ليونارد لودر الرئيس الفخري لإمبراطورية التجميل “إستي لودر”، إنّه رصد عام 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر، أن شركته كانت تبيع أحمر شفاه أكثر من المعتاد، بل وذهبت إلى حد تقديم “مؤشر أحمر شفاه” يهدف إلى قياس صحة الاقتصاد عندما يتعثر. وأضاف أنّ “الإنفاق على مستحضرات التجميل ارتفع في مختلف أنحاء العالم، اعتبارا من مايو 2020، وفي فرنسا ارتفعت مواعيد الطب التجميلي بين 20 و30 في المئة في عام 2020”.

ويشار إلى أنه بداية عام 2021 ازدادت مبيعات المنتجات، مثل حقن البوتوكس أو حمض الهيالورونيك، وفق ما أفادته صحيفة “إكسبرس” البريطانية.

20