الطب الجنائي البريطاني: إهمال قاتل لعامل الأمان في ورشات مونديال قطر

ورشات بناء الملاعب وما يتّصل بها من بنى تحتية ومنشآت تتحول إلى فضاءات لاضطهاد العمال وانتهاك حقوقهم وصولا إلى تهديد حياتهم.
الخميس 2018/03/01
قطر دولة استعبادية وفق توصيف الاتحاد الدولي للنقابات

لندن - لا تنفكّ المآسي المصاحبة لعملية إنشاء البنى التحتية المخصّصة لاحتضان نهائيات كأس العالم 2022 بقطر، وفضائح انتهاك حقوق عشرات الآلاف من العمّال الأجانب المشتغلين بورشات البناء الضخمة، تلاحق الدوحة متخطّية ضوضاء الدعاية القطرية الكثيفة الهادفة إلى ترويج صورة ناصعة للبلد الذي لم يستطع أصلا التخلّص من شبهة الحصول على امتياز تنظيم التظاهرة الرياضة الأهم في العالم بطرق غير مشروعة.

وأعادت طبيبة جنائية بريطانية إلى دائرة الضوء وفاةَ عامل بريطاني أثناء مشاركته في أعمال بناء “استاد خليفة الدولي”، بإثباتها أن الوفاة لم تكن نتيجة حادث عرضي، بقدر ما هي نتيجة إهمال ممنهج لمعايير ضمان سلامة المشتغلين بورشات المنشآت الرياضية يعود إلى الرغبة في استعجال تقدّم العمل بأي ثمن ولو كان حياة العمال أنفسهم.

وسقط زاكاري كوكس المولود في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا وانتقل لاحقا إلى بريطانيا، من علو 39 مترا في يناير 2017 عندما انقطعت الرافعة الخشبية التي كان يستخدمها لتثبيت جسر.

وتوصلت الطبيبة فيرونيكا هاميلتون ديلي بعد التحقيق إلى أن كوكس هوى على رأسه ما أحدث إصابة بالغة في الدماغ وكسرا في العنق بعدما انقطع حبل الأمان المعلّق به أيضا.

تراهن الدوحة على قطاع الرياضة لخلق واجهة للتغطية على صورة قطر التي جرت عليها قيادتها السياسية تهمة دعم الإرهاب

ووصفت هاميلتون ظروف العمل في الورشة بـ”الخطيرة بطبيعتها”، مضيفة أن “مسؤولي الورشة كانوا يعلمون أو كان عليهم أن يعلموا أنهم يطلبون من قسم من العالمين الاعتماد على تجهيزات يمكن أن تتسبب بالموت”. وأشارت إلى أن أسلوب تنظيم العمل في المكان “فوضوي وغير محترف ولم يخضع للدراسة ويشكّل خطرا فعليا”.

وقالت أسرة كوكس البالغ من العمر أربعين عاما عند وفاته إنها كافحت للحصول على إجابات من المتعهد الرئيسي المشرف على إنشاء الملعب وهو مشروع مشترك بين شركتي بناء. كما طالبت بفتح تحقيق مستقلّ وتدخل وزارة الخارجية البريطانية.

وقالت فيرونيكا “لقد توفي كوكس جرّاء مجموعة من الأحداث المتسلسلة، بما فيها قرار مقاولين تسريع عملية بناء سقف الملعب المذكور، وهو ما أدى إلى استعمال رافعات إضافية، لم تكن على مستوى عال من الجودة، لتنفيذ المهام المطلوبة منها بكفاءة مع الحفاظ على سلامة العاملين عليها”.

وبيّن جون جونسون، عامل بناء شهد حادثة مقتل كوكس، بأن منظر الرافعات كان مخيفا، فكثير من البراغي كانت مفقودة، كما أن أجزاء كثيرة منها كانت تعمل بالكاد، فضلا عن كونها قديمة للغاية.

ومن جهتها قالت وكالة فرانس برس إنّ القائمين على المشروع امتنعوا عن الرد لدى الاتصال بهم للاستيضاح بشأن الحادثة.

وتقول السلطات القطرية إنّها تجري تحقيقها الخاص في الحادث، لكنّ كثيرين يشكّكون في أن يفضي ذلك إلى نتائج تذكر، إذ أنّ اهتمام الدوحة يظل منصبّا على لملمة الموضوع وطمس الحقائق وليس كشفها.

ويستند هؤلاء إلى مبادرة السلطات القطرية إلى اعتقال أحد أصدقاء كوكس بعد حادثة الوفاة، وهو غراهام فانس واتهامه بالإهمال والتسبب بمقتل زميله قبل أن تطلق سراحه بعد عشرة أشهر وتسمح له بالعودة لبلده جنوب أفريقيا دون بيان السبب الذي اعتقل لأجله طوال تلك المدّة. ويقول بعض المهتمين بأوضاع عمال ورشات كأس العالم في قطر، إنّ قضية الوصول إلى حقيقة ما يجري لهؤلاء، والوقوف على ملابسات الوفاة المريبة لعدد منهم يصبح أكثر تركيبا عندما تقاس كثرة التشكيات من التجاوزات بعدد ما يُفتح من تحقيقات وما تفضي إليه من نتائج فعلية.

 

الشبهات التي لازمت مونديال قطر 2022 منذ حصول هذا البلد الصغير على امتياز احتضان التظاهرة الرياضية الأهم في العالم في ظروف ما تزال غير قابلة للتفسير حتى لدى الدول الكبيرة التي نافست الدوحة، ظلت ترافق الاستعدادات القطرية للمناسبة، حيث تحوّلت ورشات بناء الملاعب وما يتّصل بها من بنى تحتية ومنشآت إلى فضاءات لاضطهاد العمال وانتهاك حقوقهم وصولا إلى تهديد حياتهم.

ويثير هؤلاء إمكانية تدخل المال القطري مرّة أخرى في وقف التحقيقات أو حرفها عن مسارها بعد أن كان المال ذاته قد تدخّل في إسناد امتياز تنظيم التظاهرة الرياضة الأهم في العالم لبلد غير مهيأ من مختلف النواحي لاحتضانها، قياسا ببلدان أخرى نافسته على الحصول عليها وما تزال إلى اليوم غير مقتنعة بأن منافسة قطر لها كانت شريفة وتمت وفق المعايير القانونية والأخلاقية.

وواجهت قطر طيلة السنوات الماضية عاصفة من الانتقادات الحادة بسبب رواج تقارير عن مواجهة العمال الوافدين والمشتغلين في إقامة منشآت كأس العالم لأوضاع صعبة. ووصل الأمر إلى وفاة أعداد منهم جرّاء تلك الأوضاع. وكشف تحقيق سابق لمؤسسة “دي إل ايه بايبر” أن 964 عاملا من نيبال والهند وبنغلاديش توفوا أثناء عيشهم وعملهم في قطر. كما كشف أيضا أن الكثير من العمال أصيبوا في حوادث أثناء العمل، وبعضهم كانوا غير قادرين على مغادرة البلاد، لأن جوازات سفرهم ليست بحوزتهم، ولأنهم لا يتمتعون بتأمين صحي. كما أوضح أن أعدادا ضخمة من العمالة الوافدة تكدح في الحر القائظ صيفا بأجور زهيدة. وظلت الانتقادات تتجدّد في كلّ مرّة من منظمات دولية تنفي تسجيل أي تقدم يذكر باتجاه تحسين أوضاع العمال الوافدين إلى قطر. وبلغت تلك الانتقادات مداها مع وصف الاتّحاد الدولي للنقابات قطر بـ”الدولة الاستعبادية”، في إشارة إلى سوء معاملة العمال الأجانب.

وتراهن قطر بشكل واضح على قطاع الرياضة من خلال تنظيم تظاهرات كبرى وتمويل نواد غربية لتتّخذ منها واجهة للتغطية على الصورة الحقيقية للبلد الذي جرّت عليه قيادته السياسية تهمة تمويل التشدّد والإرهاب واحتضان جماعاته.

3