الطب الشرعي عالم لكشف أسرار الحياة والممات

الأحد 2013/10/06
التحاليل الطبية من أهم الوسائل التي تساند عمل الطب الشرعي

القاهرة - يسهم الطب الشرعي بشكل كبير في إزالة اللبس لدى القضاة وذلك من خلال تقنيات عمله ومهارات الأطباء القائمين عليه التي تمكنه من خلال تشريح الجسم المقتول من كشف أدق التفاصيل التي أودت بحياته.

ويؤكد الدكتور فخري صالح كبير الأطباء الشرعيين أن الطبيب الشرعي لا يعمل منفردًا، وإنما ضمن فريق يضم فاحص مكان الجريمة، وفاحص البصمات، وضباط المباحث وغيرهم، وقد يتعلق مفتاح الجريمة بخدش ظفري يلاحظه الطبيب الشرعي أو عقب سيجارة يلتقطه فاحص البصمة الوراثية، أو بصمة أصبع باهتة يلاحظها فاحص البصمات، أو بقعة دم يلاحظها فاحص مسرح الجريمة.. كما لا بدّ من الاستناد إلى مختبر كيميائي، فأحيانًا الحالة لا توجد فيها أية إصابات أو أمراض، فتحال إلى المختبر الكيميائي لتحليل الدم والمعدة لمعرفة ما إذا كان المتوفى قد تناول سما أو جرعة زائدة من مادة مخدرة.

ولقسم الأشعة كذلك دور أساسي في العمل الطبي بالنسبة إلى الأحياء والأموات على السواء، خاصة في حالة الإصابة بطلق ناري، ويقوم الطبيب بالبحث عن الرصاصة كأنه يفتش عن إبرة في كومة قش، فالطلق الناري عندما يدخل جسم الإنسان، يغير مساره في الداخل؛ وقبل فحص الجثة لا بدّ من تصويرها بالأشعة لتحديد مكان الرصاصة.

ويقول الدكتور صالح إن الطب الشرعي من أنجع الطرق في إثبات البنوة وهي مشكلة اجتماعية خطيرة تشغل اهتمام كثير من العلماء، فضلاً عن أنها مشكلة قضائية تستغرق سنوات طويلة أمام المحاكم، ويخطئ من يظن أن عملية الحسم في هذه القضايا تتم بمجرد القيام بتحليل طبي، فالفحوص تجرى على ثلاثة أطراف، الأب والأم والطفل للتأكد من قدرة كل من الزوج والزوجة على الإنجاب خلال فترة ميلاد الطفل، أو ادّعاء الحمل فيه، وبعد ذلك يأتي دور التحاليل الطبية وتشمل فصائل الدم ومع ذلك قد تكون نتيجة الفحص غير حاسمة من حيث أنها تثير الشك أكثر من اليقين.

وباكتشاف البصمة الوراثية يستطيع الخبير أن يقارن بين أطراف النزاع -الطفل والأم والأب- ويقر قطعيًا نسب الطفل، كما أن معظم الدول المتقدمة تستخدم البصمة الوراثية كدليل جنائي، بل إن هناك اتجاهًا لحفظ بصمة جينات المواطنين مع بصمات الأصابع لدى الهيئات القانونية.

باكتشاف البصمة الوراثية يستطيع الخبير أن يقارن بين أطراف النزاع -الطفل والأم والأب- ويقر قطعيًا نسب الطفل، كما أن معظم الدول المتقدمة تستخدم البصمة الوراثية كدليل جنائي

وتأسف الدكتورة سوسن أيوب وهي "طبيبة شرعية" من أن بعض الدول العربية تضع الطبيب الشرعي في مستوى الساحر ويتوقعون أن لدينا إجابات مسبقة عن كل الأسئلة، إلا أنه من أصعب الحالات التي تواجهنا الوفيات التي تبدو طبيعية، أو بمعني آخر الوفيات الفجائية الناشئة عن الأمراض، وفيها يكون الجسد خاليًا من إصابات ظاهرية، وتستحيل معرفة سبب الوفاة إلا بعد إجراء الفحص الداخلي بالتشريح لكشف المرض الذي أدى إلى الوفاة.

وتؤكد الدكتورة سوسن أن هناك العديد من القضايا التي يقف الطبيب الشرعي حائرًا أمامها، لأنه لا يُناط بنا فقط تحديد سبب الوفاة، وإنما كيفيتها أيضًا، والمقصود بسبب الوفاة، المرض أو الإصابة المؤدية إلى سلسلة من المتغيرات الوظيفية التي تعطل أحد الأجهزة الحيوية في الجسم -القلب أو الرئتين أو الدماغ- وتنتهي بالوفاة، أما كيفية الوفاة فتعني كيف جاء السبب؟ أي بصورة طبيعية نتيجة مرض أم غير طبيعية نتيجة إصابة وتحديد الإصابة إن كانت عارضة أم انتحارًا أم قتلاً، وتحدث الحيرة غالبًا في تقرير كيفية الوفاة.

ويرى الدكتور إيهاب السنهوري وهو كذلك "طبيب شرعي" أن الطبيب الشرعي غير معصوم من الخطأ والسهو، لكن يفترض أن يحوز قدرًا من المعرفة، والعلم يمكنه من أداء عمله بصورة جيدة، كما يتوقع أن يُلمّ بجميع جوانب الحالة قبل أن يبتّ الرأي فيها، وعندما يقوم الطبيب بفحص حالة ما يتشاور مع أطباء آخرين.

ويضيف: من جانبنا نحرص على مواكبة التطورات العلمية من خلال الاطلاع على النشرات والمجلات الدورية المتخصصة والمشاركة فيها بكتابة الموضوعات العلمية والأبحاث، ونهتم بتطوير الأساليب المعمول بها في السابق، كما نقوم بزيارات مستمرة إلى مراكز متخصصة في الدول المتقدمة للتدريب على أحدث وسائل الطب الشرعي، واكتساب الخبرة والحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.

وعن الصعوبات التي تواجه الطبيب الشرعي تقول الدكتورة سماح الأيوبي وهي كذلك "طبيبة شرعية": إن الصعوبات كثيرة، لكن أهمها بالنسبة إلينا كثرة ساعات العمل حيث تتزايد بصفة مستمرة الحوادث التي نستقبلها على مدار السنة، ومن الأعباء الإضافية ما تطلبه منا النيابة والمحاكم من مناقشة التقارير أو الشهادة، وهذه الأعباء تستهلك من وقتنا وجهدنا الكثير، مؤكدة أن الطبيب الشرعي له خصوصية مختلفة عن علاقة الطبيب المعالج بمريضه؛ لأن الطبيب العادي لا يحق له إفشاء أسرار مريضه إلا في حدود ما يبيحه القانون، أما الطبيب الشرعي فهو شاهد خبير.

وترى الدكتورة سماح أن عدم إقبال المرأة عمومًا على تخصص الطب الشرعي يعود إلى نظرة المجتمع المحبطة، فالبعض ينظرون إلينا كأن أيدينا ملوثة دائمًا بالدماء والبعض الآخر يتشاءم منا باعتبار أننا أطباء الأموات، وتضيف أن مهنة الطبيب الشرعي شاقة وصعبة، وتتطلب مجهودًا نفسيًا وجسديًا في اتخاذ القرارات، كما أنها غير مجزية مادياً مقارنة بتخصصات الطب الأخرى، لذا نجد عزوفًا بدرجة كبيرة من الرجال والسيدات، عن هذا التخصص حتى على مستوى العالم لدرجة أننا أصبحنا كالديناصورات ننقرض ولا يتوفر البديل، ونحن أصلاً محدودو العدد.

وللأسف يتصور العامة أن عملنا يقتصر على تشريح الجثث، والتعامل الدائم مع الجرائم، ولا يعرفون أن الطبيب الشرعي يتولى الكشف على المصابين في حوادث مختلفة لبيان مدى شفائهم من الإصابات، وما إذا كانت الإصابة ستسبب عاهة مستديمة، مع تقدير نسبة العاهة أو العجز الناتج عنها، كما أننا نقوم بتوقيع الكشف الطبي في القضايا الأخلاقية، وتوقيع الكشف الظاهري والصفة التشريعية للجثث في حالات الوفيات الجنائية إلى جانب تقدير الأعمار، وكذلك إبداء الرأي في قضايا الأخطاء الطبية.

نادر محمد المحامي يري أن الطب الشرعي من الدعائم الأساسية التي يقوم عليها سير العمل في تحقيق العدالة في القضايا الجنائية، لكن في حالة وجود أخطاء في تقرير الطب الشرعي لا يستريح لها وجدان القاضي لعدم توافقها مع ماديات الواقعة وأدلتها الأخرى كأقوال شهود الإثبات واعترافات المتهم، في هذه الحالة يقوم القاضي إما باستبعاد هذا التقرير من أدلة الإدانة فلا يعول عليه، ولوجود تعارض بين ماديات الدعوى وأدلتها على النحو السابق ذكره لاستظهار وجة الحق في الدعوى، أو أن ينتدب لجنة تتكون من عدد من الأطباء الشرعيين ممن هم أعلى درجة من الطبيب، وعلى مستوى كفاءة مرتفع لمناقشة التقرير السابق، وبيان أوجه الخطأ فيه، ومن هنا تبدو أهمية تقرير الطب الشرعي وخطورته على مصير الفصل في الدعوى، فعلى الرغم من أن المحكمة هي الخبير الأعلى في الدعوى، إلا أن ذلك لا يعني التقليل من شأن ما ينتهي إليه خبراء الطب الشرعي في تقاريرهم، وفي كثير من الأحيان يكون تقرير الطبيب الشرعي بمثابة الحاكم الحقيقي في مصير الدعوى، وعلى ذلك يجب الحرص على النهوض بمستوى هذا التخصص الخطير سواء في انتقاء عناصره البشرية الذين يتعين أن يتسموا بالحياد والكفاءة، أو بتوفير الإمكانات والتقنيات الفنية الحديثة اللازمة لأداء عملهم على الوجه الأكمل.

19