الطب الشعبي دواء دون طبيب

الاثنين 2014/02/10
العديد من المستحضرات لا يمكن تقييمها على نحو علمي سليم

القاهرة –الطب الشعبي أو كما يطلق عليه “طب العطارين” هو أصل علم الطب، يقوم على معتقدات متوارثة من ثقافة تراكمية لدى الشعوب القديمة. وفي القرى الريفية يقوم بعض الشيوخ بممارسة الطب الشعبي لما لديهم من خبرة، وظل الكثيرون يتعلقون بالتداوي بالأعشاب “الأدوية البلدية”، اقتناعاً منهم بسرعة فعاليتها.

الطب الشعبي موجود منذ قدماء المصريين وتوارثته الأجيال إلى يومنا هذا، ورغم ظهور الطب الحديث، لازال الطب الشعبي موجودا وأصبح منتشراً ومعترفا به، ولكن التضارب الذي يحدث للمرضى يتمثل في أن الطبيب المعالج يقوم بالكشف على المريض، وبعد الفحص من أخصائي المعمل يحرر له العلاج من الصيدلي، فالطبيب لا يتعامل مع المريض بشكل منفرد، وتعيين الدواء يتم وفق معايير محددة تتناسب مع المريض وسنه وقدرته على نوع دوائه (حقن وريدية، شراب أو حبوب)، ولكن طريقة التداوي بالأعشاب تصرف دون معايير ويتغيّر عدد الجرعات (بحجم المليلتر) من شخص إلى آخر ولا توجد فترات صلاحية معروفة، كما لا توجد عليها رقابة في عمليات الشحن والنقل والتوزيع، وفي الآونة الأخيرة ازدادت مع كثرة القنوات ظاهرة الدعاية للتداوي بالأعشاب وخاصة لعلاج العقم، الروماتيزم وغيرهما.

وفي العالم العربي تخرج الألاف من إعلانات الأعشاب الطبية عبر الفضائيات والصحف بادعاء أنها تعالج جميع الأمراض. أكثر من 100 صنف يستخدم في الطب الشعبي بشكل عشوائي، ويدفع الإنسان الثمن من صحته وماله جرياً وراء آمال خادعة وحلم بالشفاء.. لهذا وضعت بعض الدول العربية خطا أحمر حول تلك الممارسات الطبية التي اعتبرتها عشوائية وتمت المطالبة بمزيد من الضوابط لتقليل المخاطر التي يتعرض لها المستهلك في سوق الأعشاب.

يؤكد أستاذ الميكروبيولوجي بكلية الصيدلة في جامعة القاهرة الدكتور أسامة الطيب: أن الطب البديل له شعبية كبيرة بين المصابين لأسباب اقتصادية واجتماعية. ولكن هل ننظر إليه على أساس أنه غذاء أم دواء أم مكملات غذائية؟ وهل تخضع لضوابط سلامة الغذاء أو الدواء؟ الواقع يقول أن كيفية تحضير الأدوية العشبية وتداولها وطريقة توزيعها وكذلك أسباب وكميات تناولها تختلف تماما عن تعامل المريض مع الدواء.

التهاون في المعالجة بالأعشاب يعرض الجسم لسموم {أفلاتوكسين} وهي مواد سامة تفرز أثناء نمو بعض الفطريات

وفي كثير من الأحيان تتعرض الأعشاب أثناء عملية انتقالها من الأرض إلى العطار ثم إلى المستهلك لعوامل التلوث، خاصة عندما يتعلق الأمر بصغار المنتجين الذين يزرعون بعض هذه الأعشاب مثل الكمون ثم يتركونها تجف على سطح حظيرة المواشي، فينتشر بها ميكروب “E – COLI” سواء في مراحل الإعداد أو التخزين أو التوزيع. الأمر يحتاج إلى أسلوب علمي لتصل تلك الأعشاب الطبية بشكل سليم إلى المستهلك. ويقترح إما بتجمع تلك الأعشاب ومعالجتها صناعياً أو تطهير المواد الخام أو المنتج النهائي سواء بمعالجتها إشعاعياً أو بالغازات. ولكن هذا الحل الصناعي سيرفع بالطبع من ثمن تكلفة تلك الأعشاب ويقلل من ثبات العناصر الحيوية بها ويخفض من فترة الصلاحية أو يؤثر على النكهة الخاصة بها.

ويضرب الدكتور أسامة مثالاً على خطورة التهاون في معالجة الأعشاب بتعرضها لسموم “أفلاتوكسين” وهي مواد سامة تفرز أثناء نمو بعض الفطريات وهي سامة للكبد ومسببة للسرطان. وخطورة هذه السموم تكمن في تواجدها في أعلاف الحيوان وانتقالها للإنسان عبر حلقة الغذاء، فتسبب له مشاكل صحية.

ويشير أستاذ الصيدلة بجامعة طنطا الدكتور محمد الضوي إلى تقرير نشرته هيئة الأغذية والأدوية الأميركية على شبكة الإنترنت يتضمن تحذيراً للمستهلك من بعض الأعشاب الطبية بعد حدوث حالات تسمم ووفاة في كاليفورنيا.. وتضمن التقرير قواعد لتحديد أمان وسلامة الأعشاب المستخدمة للعلاج لتأمين المستهلك.

ويوضح الدكتور الضوي أن سوق الأعشاب في أميركا تنظمها بعض القواعد وإن كانت لا توجد على المستوى العالمي ضوابط خاصة بالأعشاب الطبية.. ولكن هيئة الأغذية والأدوية الأميركية أصرت على إتاحة جميع المعلومات للجمهور.. وهذا بالضبط ما حدث عندما نشر التقرير على الإنترنت. والواقع أن صياغة القوانين تحتاج لكل الأطراف في هذه القضية.. ولهذا لابد على صغار المنتجين والمصنعين والجمهور والخبراء المتخصصين أن يصلوا معاً لضوابط.. ومعهم جمعيات حماية المستهلك التي تلعب دورا مؤثرا قبل صدور القرار النهائي.. ولابد لمصر أن تتوافق مع قواعد الاستيراد العالمية من أجل تصدير الأعشاب المصرية والتي تخضع لاختبارات دقيقة من المستورد.

ويقول الدكتور عبد القادر سيد أحمد العميد الأسبق لكلية صيدلة جامعة القاهرة أن منظمة الصحة العالمية أصدرت حديثاً أول مجلد عن النباتات الطبية شائعة الاستخدام وانتهت من إعداد المجلد الثاني.. وهي تضم معا دراسات عن 85 نباتاً طبياً حتى تتمكن كل دولة من وضع معاييرها الخاصة لتنظيم التداوي بالأعشاب.

17